تطاير الشرر من عيني تسيبي ليفني إحدى أشرس زعماء المعارضة في إسرائيل بعد انفضاض اجتماعها مع الحكومة، وخرجت مسرعة ولم تقف للصحفيين كالمعتاد، وشرعت تجيب عن أسئلتهم باقتضاب وهي تمشي دون أن تلقي بالاً لهم أو لتوثيق صلافتها معهم بالتصوير الثابت والمتحرك، وحين سألتها مراسلة عربية عن السلاح النووي الإيراني توقفت!

ثمَّ تسمرت الوزيرة اليهودية وزعيمة المعارضة في مكانها وزادت من تقطيب وجهها المكترب دوماً، وقالت لابنة يعرب: نحن اليهود لسنا مثلكم أيها العرب، فقد نختلف على أشياء كثيرة، ويحتدم الصراع الفكري واللفظي بيننا، وتشتد المنافسة والسباق الانتخابي، بَيْدَ أننا عند قضايا الأمن القومي نصبح صفاً واحداً ليس فينا من يرى نفسه بأنه حكومة أو معارضة؛ فكلنا أصحاب موقف واحد لأجل إسرائيل!

ومن المحزن أن معنى الأمن القومي في عالمنا العربي والإسلامي لا يُفهم كما هو، ويضيق إطاره عن حقيقته؛ إذ يقصره البعض على واجبات الأمن والجيش والساسة، وربما يحصره على بلده فقط، بينما الأمن القومي لكل دولة يتجاوز حدودها لشركائها في الجوار واللغة والدين والتاريخ والمصالح، وربما لغيرهم، دون أن يكون القصد منه الاعتداء على الآخرين بالضرورة، وهو ليس خاصاً بالشؤون العسكرية والأمنية والسياسية مع أهميتها وتأثيرها البالغ.

فالحِرَفي شريك في حماية الأمن القومي حين يجيد صنعته، والمهني يسهم في تقوية أمننا القومي بتحسين أداء مهمته، والاقتصادي معين على تمتين هذا الأمن في ميدانه الواسع، والفنان ذو باع لا يهمل حين يروِّح عن النفوس، ويرتقي بالوعي والذوق من خلال مجاله الخصيب؛ وهكذا في منظومة متسلسلة لا تستثني أحداً، وتتعاضد لأجل غاياتها مؤسسات المجتمع بدءاً من البيت وانتهاء بما يوازي البيت الأبيض، فراحة أهل الديار في معيشتهم تجلب مزيداً من السكينة والولاء والإبداع.

كما أن للشأن الثقافي مركزية مؤثرة في حفظ الأمن القومي وترسيخه، ويتأتى ذلك من خلال نشر ثقافة المجتمع وتجلية ملامح تاريخه الجميلة، وتوقير لغته وأعرافه ونظمه، ومواجهة الغزو الثقافي والعدوان الفكري، واستنقاذ المجتمع من وحل تفاهة الاهتمام وزغل المعرفة، وإبداء الرأي الصحيح في الشأن العام المنطلق من قناعة دون مجاملة أو استرضاء؛ فالعالم والفيلسوف والمفكر والكاتب والشاعر والأديب والروائي والفنان والإعلامي عيون باصرة، وعقول ذات حَراك تعلن ما تراه الأنفع حتى لو خالف الاتجاه المراد أو السائد ما داموا يعتقدون صحته، ولمَ لا يفعلون ذلك وهم من أركان العقل الإستراتيجي، وأكبر مقاوم للفساد وسوء الإدارة؟

ومما قرأته عن بعض نشطاء السياسة والثقافة والمجتمع في أمريكا الجنوبية وجلِّ دولها آنذاك شمولي النظام ولا يخلو سجلها من قسوة ربما تكون مفرطة وانتهاكات مروعة، ما خلاصته أن بعض هؤلاء النشطاء يستجير بالكنائس لقداستها في وعي الشعوب النصرانية هناك ولصعوبة انتهاك حرمتها حتى من قبل الطغاة البغاة على كل شيء، وربما استعان الناشطون بالمنظمات النسائية أو احتمى بها؛ لأنها تحظى بمساندة دولية وحساسية حقوقية، ولذلك فلرجال الدين، ورائدات الحركة النسوية، مكانة كبيرة في أوساط المعارضة والمناضلين هناك، ولهم يد على أمن بلادهم القومي بمحاولة الحد من نفوذ السلطة وجعلها في وضعها الطبيعي وليس المطلق، ومساندة أصحاب الآراء الأخرى.

أما في عالمنا الإسلامي فيشمخ المحتسب في دفاعه عن الأمن القومي باحتسابه؛ وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بمعناه الشرعي الواسع؛ لأنه إما أن يصحح الخطأ الموجود، أو يلجم المغرضين والغلاة، أو يطفئ غضب الرب، فأهل الاحتساب أمنة من العذاب الشامل، وسبب للنجاة والإصلاح، وحضور هذا العمل الرشيد مكرمة لمؤسسة الحكم، وبراءة لها من صفة الأشرار؛ ولذلك سعد معاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليه بوجود من ينكر عليه أو يأمره بالمعروف، ولو تأملنا لوجدنا أن كل من فعل خيراً أو قاله مهما كان مجاله فهو آمر بالمعروف، وكل من ترك شراً أو زجر عنه أيّاً كان حقله فهو ناهٍ عن المنكر، وما أعظم بركة الاحتساب بهذا الفهم الشامل الذي يشارك فيه كل أحد، وما أعظم آثاره المباركة على جميع الشؤون.

وليس من الوارد الاعتماد على قوى خارجية لحفظ الأمن القومي؛ فهذه القوى العالمية لا تحافظ إلَّا على مصالحها، وتحمي من يطيعها إلى أمد ثمَّ تقطع حبالها عنه ليسقط بلا رحمة، وكم من فئة أو أفراد سلَّموا لها مقاليد الأمور فلم يجنوا منها ولا من المنظمات العالمية إلَّا الخذلان ساعة الحاجة، والغش في المقترحات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والاستنزاف الذي لا يتوقف لخيرات البلاد وثرواتها؛ وإنما يحفظ الأمن القومي أهل البلد، ولحمته، وحملة ثقافته، الذين يدافعون عنه بصدق الديانة، ومروءة الوفاء، ولوازم المصالح العليا والدائمة.