المحيط الإعلامي والبحثي العربي مليء بكثير من الدعاية التي دائماً ما تنصف الباحثين والكتَّاب على حساب الحقيقة التي هي المؤثر والفاعل الحقيقي في التغيُّرات التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط. يصف هنري كيسنجر أحد أبرز ثعالب الدبلوماسية الأمريكية النطاق الجغرافي من المغرب إلى إندونيسيا بــ «القارة الوسط» ويعتبـرها أكبر مصادر القوة في العالم لاعتبارات تتعلق بمصادر الطاقة ووحدة الهوية الأيديولوجية وكذلك البناء العرقي المتشابه، لذلك يقول المفكر اللبناني النصراني نبيل خليفة بأن أعداء الإسلام السني الذي تعد «القارة الوسط» محضنه الرئيسي، قاموا بزرع وتعزيز قوة 59 إثنية عرقية ودينية في تلك المنطقة، منها 26 أقلية دينية، و 17 أقلية إثنية، و 16 أقلية لغوية، والهدف الواضح هو استنزاف هذا المارد الضخم في تلك المنطقة.

منذ تحقيق انتصار أكتوبر عام 1973م الذي حققته القوى الجمعية العربية بقيادة مصر على الكيان الصهيوني، بدأت القوى الغربية تدرك أن بقاء ترادفية الصراع بين العرب والمسلمين من جهة و (إسرائيل) من جهة أخرى سيبقي الكثير من عناصر الاجتماع والتكاتف والوحدة بين المسلمين والعرب على اعتبار أن عدوهم الأبرز هو الكيان الصهيوني برمزيته التي تمثل الغرب الاستعماري بكافة موروثاته السيئة. لذلك صنع نموذجاً إمبريالياً جديداً لاستنزاف قلب العالم السني، تمثل في تخليص إيران من النموذج العلماني الذي كان متصالحاً - نوعاً ما - مع جيرانه في المنطقة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، واستجلاب نموذج مذهبي له هوية متشبعة بالكراهية تجاه العرب والمسلمين السنة... ففي وثائق نشرتها بي بي سي الفارسية، كان المرشد (الخميني) قد بدأ منذ 15 يناير 1979م مدة أسبوعين مفاوضات مباشرة مع الإدارة الأمريكية تمهيداً لمغادرته باريس إلى طهران لإعلان نظام ولي الفقيه. وبحسب وثيقة مؤتمر غوادلوب في الخامس من يناير 1979م (قبل 36 يوماً من الثورة)؛ فإن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، لم يكن قلقاً على خسارة حليفه. بل إنه كان يعتبر إيران بعد رحيل الشاه مصدراً للاستقرار. لذلك وجدنا الكثيـر من التعاون الإيراني مع واشنطن في حرب أفغانستان عام 2001م، وكذلك في العراق عام 2003م.

عقب احتلال العراق وتمكين إيران فيه، وكذلك ما جرى في أفغانستان، بدأت إيران تتوسع بشكل أخرجها عن السياق المرسوم لها غربياً وهو صنع توازن في المنطقة وإشغال النظام الرسمي والشعبي العربي عن الخطر الحقيقي الذي يهدد المنطقة وهو الكيان الصهيوني، فبدأت إيران بالتمدد على حساب الجغرافيا العربية في اليمن وسوريا ولبنان والعراق عملاً بما أشار إليه ملك الأردن عبد الله الثاني حول سعيها لتشكيل هلالٍ شيعيٍّ يخدم حلمها الإمبراطوري الفارسي.

ففي سوريا والعراق صنعت ميليشيات (داعش) التي تمكنت من تدمير الحواضر السنية وتهجير الملايين من السكان بذريعة ملاحقة الجماعات الإرهابية على يد ميليشيات شيعية يشرف عليها قاسم سليماني أحد أبرز رموز الإرهاب الإيراني في المنطقة، وكل ذلك تم تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية، بل في العراق كانت الطائرات الأمريكية هي التي توفر الغطاء الجوي لاحتــلال المـوصل والمـدن السـنية. وعلى ســبيل المثال لا الحصر في سوريا وحدها التي تمثل ثقلاً سنيّاً ضخماً على حدود الكيان الصهيوني تم تهجير 6 ملايين إنسان إلى الخارج وأكثر من 5 ملايين نزحوا في الداخل، واستبدلت مناطق واسعة بسكان شيعة تم جلبهم من إيران وباكستان والعراق بهدف التلاعب بديموغرافيا المنطقة لصالح خدمة المشروع الغربي الكبير؛ وهو تمزيق الحاضنة السنية بتعزيز وجود الأقليات المذهبية.

ما ميَّز الاحتجاجات التي خرجت ضد الحكومات الموالية لإيران في العراق ولبنان لأول مرة أنها حملت شعارات قومية تستهدف الوجود الإيراني ورمزيته في تلك البلدان؛ ففي لبنان هتف أنصار حركة أمل وحزب الله هتافات مثل «شيعة، شيعة» بينما هتف الثوار في ساحات بيروت «ثورة، ثورة»، وبغض النظر عن الرمزية الإعلامية للحدث إلا أنه يقف على جبل من التراكمات التي تعاني منها الشعوب الخاضعة لحكومات وميليشيات تقع تحت نفوذ إيران. فبعد الحرب التي استنزفت الموارد البشرية والمادية لحزب الله اضطر الحزب إلى تقليص كبير في مصروفاته حتى أنه توقف عن تمويل العديد من المنابر الإعلامية التي كان يمولها، كذلك استطاع الحزب بسبب مغامراته حشد الكثير من الغضب تجاهه من قبل أبناء الطائفة الشيعية الذين خسروا الآلاف من أبنائهم في سوريا. وكذلك في العراق التي شهدت الشهر الماضي هجمات استهدفت مراكز قيادة الميليشيات الموالية لإيران في الجنوب؛ فقد استغلت إيران الاتفاقات التجارية بين البلدين ونفوذها داخل المؤسسات الرسمية العراقية في إغراق السوق العراقي بالسلع ذات الجودة المنخفضة على حساب الصناعة العراقية للحصول على العملة الصعبة للإفلات من العقوبات الأمريكية.  

في العراق ولبنان يوجد لحمة قومية موجهة ضد النفوذ الإيراني بشكل كبير لذلك من المستبعد أن يتم تقديم قرابين للجمهور على نمط إقالة حكومات أو إدراج المزيد من وعود الإصلاح، فالنخب السياسية التي توليها إيران المهام القذرة في تلك المناطق لا تمتلك الحنكة السياسية الكافية لإدارة مثل هذه الأزمات؛ لذلك غالباً ما تلجأ إلى العنف لقمع الاحتجاجات بعد أن استنفدت ذريعة الجماعات الإرهابية بسبب الحس القومي في الحراك الأخير، بالإضافة إلى مشاركة الشيعية في مظاهرات الغضب.

في مظاهرات إيران الأخيرة حاول علي خامنئي إلقاء اللوم على التدخل الأمريكي بصفته محركاً للشارع الإيراني كذلك تم إلقاء اللوم على (الإرهاب) ولم يبقَ أمام نظام المرشد للتخلص من العبء الثقيل هذا سوى إلقاء اللوم على حكومة حسن روحاني والتخلص منها بصفتها مسؤولة مسؤولية كاملة عن الأزمة الأخيرة، لكن ذلك لن يقنع الجمهور في ظل استمرار كارثة اقتصادية تعيشها البلاد منذ ما قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015م.

إن العمق الحقيقي لأزمة إيران هو استنزاف الاقتصاد المحلي المحطم أصلاً في دعـم ميليشيات مسلحة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان وغيرها من مناطق العالم تماشياً مع طموحات ولاية الفقيه باستعادة الإمبراطورية الفارسية لتاريخها، وهذا الأمر أصبح يدركه المواطن الإيراني الذي يدفع ثمن تعنت النظام لديه.    

قد يستغل النظام الأزمة الحالية لتقديم تنازلات للغرب على غرار ما حدث في عهد أحمدي نجاد الذي وافق على إخراج اليورانيوم المخصب من إيران إلى الخارج عقب الثورة الخضراء عام 2009م، لكن ذلك لن يكون فاعلاً في حال أرادت إيران الاستمرار في وجودها على حساب أمن الشرق الأوسط؛ ففي لبنان - مثلاً - أصبح هناك إجماع قومي على تغيير النظام السياسي المستند إلى المحاصصة الطائفية التي مكنت للشيعة في الحكم بسيطرتهم على البرلمان بالإضافة إلى وقف الإدارة الأمريكية للمساعدات العسكرية التي كانت تصل بصورة أو بأخرى إلى حزب الله، وفي العراق أصبحت الأغلبية الشيعية تتحرك تجاه طرد الميليشيات الموالية لإيران وتقليص نفوذها بسبب الكارثة الاقتصادية التي يعانيها سكان العراق بالإضافة إلى العربدة التي تمارسها تلك الميليشيات، وفي سوريا التي مولت إيران الحرب فيها، أصبحت كلٌّ من روسيا والولايات المتحدة تتصارعان على الثروة النفطية السورية التي كانت إيران تنظر إليها على أنها تعويض قيِّم لخسائرها في الحرب.

الشرايين الأساسية التي كانت تغذي الميليشيات التي تدعمها إيران في الشرق الأوسط أصبحت شبه ممزقة بفعل العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني واستنزاف إيران في حروب الشرق الأوسط، لذلك تعلم الشارع الإيراني درساً مؤلماً تلقاه الشعب الألماني حينما توسع أدولف هتلر على حساب الشعوب الأوروبية وبدد قوة ألمانيا في معارك طاحنة تسببت في إثبات وجهة نظر واحدة؛ وهي أن الإمبريالية التوسعية غالباً تعود بضرر كبير على موطن انطلاقها.

لذلك ما يقلـق إيران ليس الضغوط الأمريكية بل إدراك الشعب الإيراني أن العملية التوسعية التي تقوم بها حكومته على حسابه في الشرق الأوسط تراكم المعاناة والضغـط الاقتصادي عليه دون الحصول على أي مكاسب، بل تجلب المزيد من الكراهية وتصنع المزيد من الحواجز بينه وبين الشعوب الأخرى، لذلك تشعر النخبة الإيرانية أن هذه المرحلة إن استمرت فستكون آخر مراحل الحد من المشروع الإيراني وإعادة تموضعه في المنطقة.

ما يؤلم في ما يجري من أحداث مرتبطة جميعها بإيران في المنطقة؛ هو أن إيران استطاعت أن تصنع الكثير من الجيوب لها في المنطقة على مدار عقود بينما لم تنجح الكتلة السنية في دعم الشعوب غير الفارسية والتي يمثل السنة جزءاً كبيراً من الهوية الديموغرافية لتلك الشعوب في إيران لاستخدامها للضغط على إيران أو حتى التخفيف من محنتها تحت الاحتلال الإيراني.

 الخلاصة الأخيرة التي أود التأكيد عليها، هي أن ما يجري إنما هو عملية احتواء للنظام الإيراني بما يضمن استمرارية المنفعة الغربية في المنطقة، والتركيز على عدم الانجرار إلى معركة حاسمة بين المتصارعين في الجانبين؛ لأن ذلك من شأنه إعادة المنطقة إلى مرحلة الاستقطاب الديني بين السنة الذين يمثلون 85 بالمئة من العالم الإسلامي والشيعة الذين يمثلون 15 بالمئة من العالم الإسلامي، وتلك المرحلة ستعيد صياغة الهوية السياسية والأمنية للشرق الأوسط، وسيكون لها تأثير سلبي على المصالح الغربية لذلك ما يجري فقط إعادة الوحش الإيراني إلى مهمته الأساسية وهي الحفاظ على توازن القوى في المنطقة وعدم التمرد على المصالح الغربية.