الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

جعل الله سبحانه وتعالى كتابه الكريم حجة باقية فينا إلى قيام الساعة، وكم في القرآن العزيز من نذر وعبر تستلزم الوقوف معها وتدبرَها؛ ثمَّ إيرادها على سبيل تذكير النفس والآخرين؛ لعل الله أن ينفع بها قلوباً حية وأسماعاً ملقاة تعي وتفهم؛ فما أعظم خطاب مولانا لنا! وما أشنع هجرانه بالإعراض أو بقراءة الهذ دونما تفكر أو وقوف مع معانيه!

ولا ريب أن الاقتراب من القرآن الكريم وتلاوتَه آناء الليل وأطراف النهار، والالتزامَ بورد يومي منه، والحرصَ على معرفة تفسيره ومعانيه، وتدبُّر حكمـه ومغازيه، والإفادة من عبره وقصصه، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، هو مقياس على مدى الصلة بالله سبحانه وتعالى على صعيد الأفراد والمجتمعات والدول؛ وإنما السعادة والفلاح بالعيش مع كلام ربنا المنزَّل في جميع الأحوال، وتصديره في جميع الشؤون؛ ففيه التبيان لكل شيء بتفصيل أو إجمال.

ومما ورد في القرآن الكريم: الإشارة إلى «بأس الله» أو «بأسنا» أو «البأساء» في عدة آيات تحمل في معانيها النذارة من التعرض لسخط الله وعقابه، كما توحي بأن النهايات ليست محكومة بتصريف البشر وتقديرهم مهما اجتهدوا في الحيطة وصنع الإجراءات الاحترازية والاستباقية، ففوقهم قوة علوية تدبِّر وتقدِّر وتُحكِم الأمر، وسبحان مَن كلَّ يوم هو في شأن يغفل عنه العباد، وتخطئه الحسابات البشرية والتقديرات والدراسات.

ويمكن استعراض هذه الآيات الكريمة من خلال البحث في المعاجم المفهرسة لكتاب الله، كما يتاح مراجعتها بواسطة تطبيقات المصحف الشريف على الأجهزة الذكية أو في المواقع المهتمة بالقرآن والتفسير؛ إذ نستطيع حصر الآيات، وقراءة تفسيرها في أكثر من كتاب قديم أو معاصر، وتلك خدمة جلبها التقدم التقني، وحجة إضافية على عباد الله توجب مزيداً من العلم ورفع الجهل، ومزيداً من العمل والاجتهاد.

فمنها قول ربنا عز وجل: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ 4 فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إلَّا أَن قَالُوا إنَّا كُنَّا ظَالِـمِينَ} [الأعراف: ٤ - ٥]، وتدور أقوال المفسرين رحمهم الله عن هذه الآيات حول خذلان الله للكفرة والعصاة عن اتباع ما أنـزلـه إليهم من البينات والهدى والنور، فاختاروا متابعة أمر أوليـائهم الذين أغووهم عن طاعة ربهم، وانحازوا إلى صفهم معرضين عن هدي الله وأنوار كتابه إلى دهاليز معتمة ذات حفر عميقة لا تدركها العين.

فكان جزاؤهم على العصيان أن أتاهم بأس الله وعذابه الأليم وهم على حين غرة غافلون، لم يخطر الهلاك على قلوبهم، ولم يطرأ على أذهانهم احتمالية وقوع البلاء اغتراراً بمظاهر القوة وركـوناً لظنهم بالسيطرة على زمام الأمور دون تفريط أو ثغرات، فلم يستطيعوا أن يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونها، ولم ينفعهم اللعب واللهو في دفع قضاء الله المفاجئ.

وتكررت الآيات الواضحة في أن أَخْذ الله وبأسَه يجيء بغتة، وفي وقت لا يحسب الناس فيه حساباً للعذاب والعقاب، فيكون وقعه أشدَّ وأكثر إيلاماً، وقد لا يغير الندم من الواقع، ولا يمكن للحازم اللبيب أن يصنع أمراً ذا بال يواجه به عقاب الله؛ فالعذاب حال يجتمع معه الاضطراب والارتباك لو كان بشري المصدر؛ فكيف به وهو بأس من غضب الله وأَخْذه الشديد لأصحاب المآثم والذنوب؟

كما قال سبحانه وتعالى في موضع آخر: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 34]؛ أي فهلاَّ تذلَّلوا إذا جاءهم عذابنا ليكشف الله ما حلَّ بهم، والمعنى: أنهم لم يتضرعوا فأقاموا على كفرهم وعصيانهم لقسوة قلوبهم، وتزيين الشياطين الضَّلالة التي هم عليها؛ فأصروا على باطل يوردهم موارد الهلاك، وهكذا يصنع الإعراض والكبر بأهله.

وقال ابن كثير وغيره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 24]

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ} يعني: الفقر والضيق في العيش، {وَالضَّرَّاءِ} وهي الأمراض والأسقام والآلام؛ {لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ} أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون ويتمسكنون، فما رقت قلوبهم ولا خشعت. ولبعض العلماء المعاصرين تعليق مختصر على هذه الآيات بقوله: من لم تقرِّبه الشدائد من الله قلَّما تعيده النعم إليه! وياله من نكران للمحامد والفضل أن ينعم الكريم على عباده بالخيرات المعنوية والمادية ثم يصيرونها جسراً لمساخطه ومطية للمعاصي والكبائر.

وكم من أمة أصابها العمه فأسخطوا ربهم واستمروا على دأبهم المشين المجاهر بالسوء حتى غضب القادر عليهم فأنزل بهم بأسه حتى ذاقوه، فعطبوا بذوقهم إياه، وخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، وهو سبيل مسلوك لكل من حذا حذوهم إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدِّقوا بأمر الله ويتوبوا عما اقترفوا ويرجعوا إلى رشدهم؛ لأنه - سبحانه - لا يصيب ببأسه إلَّا من استحقه من أهل الفساد والإفساد.

بينما يصل الأمر ببعض المكذبين والعصاة إلى حال من السفاهة والإنكار، بل ازدراء الناصحين، والإرجاف بالواعظين، وقتل المصلحين، حتى إذا وقعت عليهم نقمة القهار ورأوا العذاب المهين عياناً آمنوا بألسنتهم ولات ساعة مندم، ولا ينفع حينها الإيمان ولا التوبة كما أخبرنا ربنا الحق بقوله الصادق: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَـمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 85] ؛ لأنهم صدَّقوا حين لا ينفع التصديق فمن تاب بعد نـزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته، و كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك، وما أجدرنا بأخذ العبرة من هذه القصص والنُذُر.

ولا يتركنا الكتاب المهيمن قبل أن يطلعنا على نموذج من تصرُّف الطغاة وردود فعلهم على من يخوِّفهم من بأس الله، فقد قال مؤمن آل فرعون:{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْـمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]، فبرفق ومحبة وحنان يقول المؤمن لقومه: من يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا، وعقوبته إن جاءتنا، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، وقدرتهم على تنفيذ ما يرغبون به من تدابير دون حسيب أو رقيب.

 وأكد رأيه لهم وكرره بقوله المشفق: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله، فلن تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء، ولقد أنذر وأعذر، وكان بارّاً بقومه ولكنهم لا يحبون الناصحين.

إذ عارض فرعون بجبروته قول المؤمن الناصح، وغرر بقومه وقلب لهم الحق والحقائق؛ فأهلكهم بغروره معه في الدنيا والآخرة، ولم يجد في من حوله ذا عقل أو بصيرة أو أناة؛ كي يراجعوا مع زعيمهم كلام العبد المؤمن المحتسب ورأيه، ويمعنوا النظر في فحوى أحاديثه، ويقلِّبوا النظر في أحوال السابقين والمجاورين، فلعلهم أن يجدوا العبرة، ويلمحوا الصواب وطرق النجاة، بَيْد أن الاستكبار والغش والخذلان اجتمعت عليهم مع مكر الله وعذابه؛ والنتيجة غرق مهين في الماء والوحل، وذكر سوء إلى قيام الساعة.

وفي الكتاب المجيد والحديث النبوي نصوص كثيرة يمكن جمعها لخدمة هذا السياق التحذيري من بأس الله وأخذه وعقابه ونقمته في الدنيا قبل الآخرة، وقمين بالرجل العاقل والمؤمن الكامل أن يستحضر هذه النصوص الشريفة، ويضعها نصب عينيه، ويرى نفسه وأعماله وَفْقَ ميزانها المستقيم العادل، بعيداً عن التخرصات والأكاذيب، والعاقل خصيم نفسه قبل أن يغدو عبرة ومثلاً.

وتستحث هذه الآيات همم الصالحين والمصلحين على الإكثار من القربات والصالحات، وفعل صنائع المعروف على المستوى الفردي والجماعي الظاهر منه والباطن، مع مركزية الاستمرار بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو الفريضة المنجية، والعبادة التي تمنح الحياة والسلم والأمن للمجتمعات، وتحول دون عموم العذاب وحلول الغضب الإلهي؛ فيا عباد الله! أسلموا وآمنوا وأحسنوا واحتسبوا وافعلوا الخير في كل آن ومكان ومجال؛ لعلكم أن تنالوا الغنيمة والنجاة لكم ولأهليكم ولمجتمعكم ولبلادكم ولأمتكم.