يقول ديورانت في موسوعته الشهيرة (قصة الحضارة): «... وأبرز النتائج التي أسفر عنها فتح العرب لشمالي إفريقية هو اختفاء المسيحية من هذا الإقليم اختفاءً تدريجياً ولكنه يكاد يكون تامّاً. ذلك أن البربر لم يعتنقوا الإسلام فحسب؛ بل أصبحوا فوق ذلك أكثر أنصاره تعصباً له ودفاعاً عنه...»[1].

في إحدى الأمسيات الطيبة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قام أحد الشيوخ المفوَّهين باللسان الأمازيغي القبائلي (وهو الشيخ يحيى حمودي) قام بخطبة دوَّت لها القاعة تصفيقاً وتمجيداً، فما تمالك الإمام ابن باديس نفسه إلا أن ختم هذا الخطاب بكلمة جامعة نشرها في ما بعد باسم (عبد الحميد بن باديس الصنهاجي) نسبة لقبيلة صنهاجة الأمازيغية الكبرى التي تنتسب إليها العديد من القبائل ومنها قبيلة زواوة في منطقة القبائل؛ حيث قال: «... إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرناً، ثم دأبت تلك القـرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كوَّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلماً جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام. وقد كتب أبناء يعرب وأبنـاء مازيغ آيات اتحـادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم...»[2]. إذن فما بال بعض الناس ما يزال يدندن ويلعب على الورقة الأمازيغية، والتاريخ يرفضها والعقل يرفضها وأبناء جلدتها والآخر يرفضها! وأصدق مثال على ذلك ما جاء على لسان الفيلسوف (ول ديورانت) الأمريكي المنشأ والشيخ (ابن باديس) الجزائري الأمازيغي الأصل، لكن المتتبع لهذا الشأن يسجل بضع ملاحظات بخصوص هذه القضية:

أولاً: منشأ هذه القضية، وهل لها جذور في التاريخ الجزائري؟

ثانياً: متبنُّو هذه القضية!

ثالثاً: توقيت طرح هذه القضية في كل مرة!

وبنظرة سريعة للموضوع نعود إلى عام 1856م حيث أعطى وزير الحرب الفرنسي أمراً لجيسلان (Geslin) بإعداد تقرير مفصل عن اللهجات المحلية المستعمَلة في الجزائر، وقد تمَّت قراءة التقرير ومناقشته من طرف لجنة من المستشرقين بأكاديمية الفنون والآداب بباريس تحت إشراف المستشرق رينو (Reinaud). وما إن جاءت سنة 1880م حتى كان الفرنسيون قد ألَّفوا دراسات في أغلب اللهجات المستعملة في الجزائر، فألَّف الجنرال (هانوتو) قاموساً سماه «نحو اللغة التمشقية» (لهجة الطوارق) وألَّف هو و (دوماس) في لهجة قبائل زواوة، وألَّف (إيميل ماسكري) في اللهجة الشاوية، وألَّف (موتيلانسكي) في الميزابية، وغيرهم في غيرها[3]. ثم بدأت السياسات التطبيقيـة لتلك الدراسات تظهر على أرض الواقع شيئاً فشيئاً، وتجلَّت نيات فرنسا من وراء اهتمامها بدراسة لهجات أهل الجزائر وعادات أهلها وأصولهم وأعراقهم، وبدأت بإنشاء المعاهد والمراكز الخاصة بهذه المهمة الشيطانية مستعينة بالماكينة الاستشراقية؛ ومن ذلك إنشاؤها في عام 1880م المدرسة العليا للآداب بالجـزائر، التي تخرَّج منها دعاة النزعة البربرية الأوائل[4]، ومن ذلك أيضاً معهد البحوث العليا المغربية للدراسات البربرية، ومجلة (هيبريس)، ولا ننسَ مسألة الظهير البربري.

والواقع أن هذه المحاولات لتمزيق الشعب الواحد لم تقتصر على المغرب الأقصى، بل شملت الجزائر وتونس[5]، وهذا نموذج فقط من السياسة الاستعمارية المنتهجة في مخططهم الرامي لتفتيت المنطقة وقد جهرت فرنسا بضرورة تكثيف الجهود لتمكين الاستعمار الثقافي في الجزائر عامة، ومنطقة قبـائل زواوة على وجه الخصوص؛ وذلك لفصلها عن سائر بلاد الجزائر، ولعـل ذلك يرجع لما رأته من صلابة أهل المنطقة في الدفاع عن دينهم وأرضهم وحريتهم حيث إنها لم تُحكِم سيطرتها على كامل منطقة زواوة إلا عام 1857م والثورات لم تتوقف بعد ذلك؛ فالمعروف أن سكان المنطقة قد استجابوا لنداء الداي حسين ودافعوا عن الجزائر العاصمة، كما ساندوا الأمير عبد القادر في جهاده ابتداء من عام 1837م إلى غاية 1846م، وساندوا جميع الثورات المحلية كثورة الشريف سي محمد الهاشمي (ت: 1849م) وثورة الشريف بو بغلة (ت: 1854م) وثورة محمد التطراوي (ت: 1855م) وفاطمة نسومر (أسرت عام 1857م)، وثورة المقراني (ت: 1871م)[6]، كل هذا جعل من الاحتلال الفرنسي يعمل وَفْقَ أساليب وإستراتيجيات متعددة لتمزيق الوحدة الوطنية واستهداف منطقة زواوة (القبائل) وَفْقَ ثلاث آليات أساسية، هي:

الأولى: التنظير الأنثروبولوجي والسيولوجي.

الثانية: النشاطات التبشيرية (وبشكل أصح: النشاطات التنصيرية) التي كانت هدفاً قائماً في حدِّ ذاته.

الثالثة: ضرب اللغة العربية عموماً والتعليم الانتقائي باللغة الفرنسية[7].

والشيء الغريب أن كل هذه الآليات وغيرها التي استخدمها الاحتلال الفرنسي في ذلك مورست ضمن نطاق منطقة عَرفَت تميُّزاً واضحاً عن باقي المناطق في الحضارة الإسلامية؛ وذلك في كيفية تفاعلها مع الإسلام وكثافة إنجابها لعلمائه وخدمتها للإسلام والعربية، والشيء المثير للإعجاب أيضاً «أن جميع الدول البربرية التي قامت في الشمال الإفريقي - وفيهن من بلغت من القوة والصولة مبلغاً لا يقصر بها عن الدول الأعجمية الكبيرة التي قامت - لم تصطنع واحدة منهن اللغة البربرية لغة رسمية في مخاطباتها ومراسيمها وخطبها ومدائحها؛ وإنما كن جميعاً تصطنعن اللغة العربية، وتتبارين في انتقاء كتَّابها وخطبائها... وأين هذا مما فعله الأتراك العثمانيون، أو المغوليون، أو ملوك فارس المسلمون»[8] كما قال الشيخ البشير الإبراهيمي. بل أكثـر من ذلك وعكس ما هو متداول عند الكثيرين: «... لم يكن العرب هم الذين فتحوا إسبانيا أولاً بل الذين فتحوها هم المغاربة، فقد كان طارق من البربر، وكان في جيشه سبعة آلاف من بني جنسه مقابل ثلاثة آلاف من العرب، وقد خُلِّد اسمه؛ إذ عُرفَت به الصخرة التي نزلت قواته عند قاعدتها؛ فقد سماها البربر جبل طارق واختصره الأوروبيون إلى جبرولتر Gibraltar...»[9] كما جاء على لسان ول ديورانت. 

وعليه يتضح لنا جليّاً جذور ما يسمى بـ (الأزمة البربرية) التي حاول زرع بذورها الاحتلال الفرنسي حتى في صفوف (الحركة الوطنية) قبل اندلاع الحرب التحريرية الكبرى وبيان أول نوفمبر الذي كان واضحاً في حسم مسألة الهوية. إذن مَنْ هؤلاء الذين ينعقون بهذه الفكرة وفي هذا الوقت بالذات؟ المتأمل في هذا الملف لا يجد أي إشكال في أن يتتبع مسار مطالب أصحاب هذه الفكرة الذين يستغلون في كل مرة الأحداث الخطيرة أو الهشة التي تمر بها البلاد بداية من الفترة التي تلي الاستقلال عن الفرنسي مباشرة إلى ثمانينيات وحقبة التسعينيات من القرن المماضي وما صاحَبَها من مآسٍ وصولاً إلى حقب بداية الألفية الثانية إلى غاية أيامنا هذه ومحاولة استغلال الوضع الهش الذي تمر به البلاد عبر طرح أسماء من طرف الإعلام - وخاصة المقيم منهم في الخارج - ذات خلفية مرتبطة بهذا الملف أو التعبير صراحة وبكل فجاجة عن أطروحاتها الانفصالية الراديكالية على غرار ما حدث في جامعة تيزي وزو شرق البلاد، وذلك في شهر ماي الماضي حيث قام أحدهم (منزوع الجنسية) وهو ممن عرف عنه التباهي بخدمة القضية الصهيونية؛ حيث قام بإلقاء محاضرة مطولة عبر البث بواسطة الإنترنت كان موضوعها انفصاليّاً بامتياز؛ إذ ادعى أن منطقة القبائل ترزح تحت الاحتلال (الجزائري) وهو أشبه بالتخاريف ولا يستغرب ذلك ممن عرف بتنكره لأصله ودين سلفه ولغتهم، وذلك بدا واضحـاً في رمز القناة التي بثت هذا اللقاء الحاملة لشعار الصليب بل حتى العلم الذي في خلفية هذا الدعي والذي يتبناه هو ومن يتبعه من المساكين يحمل شعار سعفتي الغار وهو عبارة عن شعار لدولة روما، وهو يدل على مدى استعمار هؤلاء استعماراً تاريخيّاً وعقائديّاً فهم (نصرانيون عقيدة، فرنسيون روحاً ولغتة)؛ فهل أتباع هذا المغني فرحون بهذه النسبة الموتورة؟ فهنيئاً لهم الخزي والعار إذن! علماً أن هذا المغني يتخذ من فرنسا[10] مركزاً لحركته الانفصالية الداعية لإقامة دولة قبائلية وطبعاً ذات صلات مع الكيان الصهيوني وهو ما جسدته زيارته للكيان المحتل بشكل علني في عام 2012م وإجرائه مشاورات مع بعض ممثليه، بل مراسلته للأمم المتحدة بخصوص دعوته الانفصالية ودعوته لوسائل أكثر راديكالية في سبيل تحقيق المطلب الذي ينادي به[11] ومن يرى رؤيته من التيار التغريبي. إن هؤلاء وإن كانوا قلة والحمد لله إلا أنهم ما زالوا يحاولون بعد هذا كله وبعد أن عاثوا فساداً في الماضي وفي هذا الظرف وهذه المرحلة المفصلية من تاريخ الجزائر يصرون على محاربة كل محاولة للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد. وعليه ألا يستحق منا هذا الموضوع أن نكون على يقظة ووعي أكثر من أي وقت آخر وألا نأخذ الأمر بنوع من اللامبالاة مثل العديد من القضايا الأخرى؛ وخصوصاً أن هذا يتماشى بشكل واضح مع المخططات التي تستهدف العالم الإسلامي ومنطقتنا على وجه الخصوص! والمتتبع لمخرجات مراكز الدراسات الغربية منذ بداية (الثورات العربية) يرى ذلك بوضوح.

 


 


[1] ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود وآخرين، دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس عام النشر: 1408هـ  - 1988م،13/ 275.

[2] عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي، آثار ابن باديس، تحقيق: عمار طالبي، نشر: دار ومكتبة الشركة الجزائرية، الطبعة: الأولى عام 1388 هـ - 1968 ميلادية، 3/ 483.

[3] انظر: أبو عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري، مقال بعنوان: الجذور التاريخية للأزمة البربرية في الجزائر، islahway.com، الأحد 24 تشرين1/أكتوير 2010م.

[4] المرجع نفسه.

[5] انظر: آثار ابن باديس، انظر: مقدمات هذه الموسوعة، 1/ 51.

[6] انظر: أبو عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري، المرجع نفسه.

[7] انظر أيضاً: عمر عسوس، (أزمة الهوية لدى البربر في الجزائر)، مجلة بحوث ودراسات في العلوم الإنسانية، العدد 6، نوفمبر 2010م، ص53.

[8] محمد بن بشير بن عمر الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتقديم: نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، 1997م،  5/ 110 - 111.

[9] ول ديورانت، مرجع سابق، 13/281.

[10] والشيء الغريب أن العديد من المحطات الفضائية والمنابر الإعلامية التي تسعى لتثبيط الجزائريين وبث الفرقة بينهم تتخذ من هذه الأخيرة ودول غربية أخرى مركزاً لها وطبعاً كل هذا ضمن ما يسمى بحرية الرأي المكفولة بقوة القانون والسلاح إذا استوجب الأمر.

[11] انظر مقالاً بعنوان: (محند بيري: انفصاليو «الماك» يلتقون مع إسرائيل)، الإثنين 18 حزيران 2018م.

https://al-akhbar.com/Morocco/252262