أكثر من سبعين عاماً مضت على احتلال العصابات الصهيونية أرض القداسة فلسطين عام 1948م، تماماً كما احتل الألم قلب الأمة الإسلامية منذ ذلك التاريخ، وما بدأت تخطه المشاعر والخلجات حسرة لفقدان فلسطين وما أخذت الذاكرة به من أهوال الإجرام الصهيوني الذي ما غاب لحظة إلى يومنا الحاضر.

ولكن رغم حلكة سواد ذلك التاريخ، إلا أنه حمل معنىً سامياً نحن بأشد الحاجة إليه في أيامنا الراهنة، فمن حلكة ذلك الوجع يشعشع في أجوافنا نور لطيف، لدم ناضح بالإخوَّة وحب الفداء والإسلام، لدم فاحت نسائم عبقه على ثرى فلسطين الإسلام والعروبة، لدم عربي إسلامي مترابط أصيل، فرغم احتلال فلسطين وخسران المعركة، إلا أنه لا يمكن نسيان أولئك الجنود الذين قدمـوا إلى فلسـطين للجهاد على أرضها، تاركين أهلهم وأموالهم طالبين الشهادة، حتى باتت بطولاتهم وأسماؤهم نجوماً في سماء عزِّ أمتنا الذي كان وسيظل يتجدد على مرِّ التاريخ بإذن الله.

فمع حشد الصهاينة قواتهم الإجرامية (الهاغانا _ الأرغون _ الشيترن _ البلماخ... إلخ)، وما كانوا متسلحين به من أعتا الأسلحة البريطانية والأمريكية وأعداد جنودهم الهائلة المتمترسين خلف ستائر الغدر والجبن، وما احتوته قلوبهم من إجرام وانعدام الإنسانية، فقد استبسل المجاهدون الفلسطينيون في الدفاع عن أرضهم بكل ما لديهم مـن عزيمـة وإباء وقلة إمكانيات وصلت في بعض القرى إلى السكين والحجر، (ولم يبع الفلسطيني أرضه كما يظن بعض أبناء الأمة الذين انطلت عليهم أكاذيب الصهيونية التي ديدنها التدمير المعنوي والنفسي وبث الفرقة ضمن حرب نفسية معنوية هي أهم بالنسبة لهم من الحرب القتالية)، وإلى جانب المجاهدين الفلسطينيين أرسل جيش الإنقاذ العربي عدة جيوش تمثلت في الجيش المصري الذي دفع بنحو 20 ألف جندي، كما أرسلت المملكة العربية السعودية نحو 3200 مقاتل متطوع للجهاد على أرض فلسطين، وتكوَّن الجيش الأردني من أربعة أفواج اشتملت على 8 آلاف جندي، كما جاء الجيش السوري بنحو 2000 جندي، وأرسلت لبنان فوجين من المقاتلين في كل منهما 450 جندياً، وكما اشتركت العراق بنحو 3000 مقاتل، ولا ننسى دور المجاهدين الجزائريين الذين قدموا مع البطل الشهيد عبد القادر الحسيني، وكانت الجيوش العربية لا تمتلك سوى القليل من العتاد والسلاح مقارنة بما كانت تمتلكه تلك العصابات الصهيونية من طائرات ودبابات ومدافـع، وخاض المجاهدون معارك ضارية ضد تلك العصابات الصهيونية، حتى سَمَتْ أسماء العديد من تلك المعارك والمجاهدين العرب ودونت بمداد من ذهب بعدما خطت بمداد دمائها صفحات عز تقرأ بين دفتي كتاب الجهاد في الأرض المباركة.

وإننا إذ نأخذ قبساً من تلك النجمات لنصيب بسناه كل عبارات الإحباط والهزيمة وقصائد الرثاء المملة التي تورث في النفوس الخنى والركوع، فأمتنا بحاجة إلى التذكير بالأمجاد لا البكاء على الأطلال، لننهض ونستفيق من جديد.

ومن بين تلك النجمات كانت معركة (رماة رحيل) التي خاضها أبطال الجيش المصري بقيادة الضابط الشهيد أحمد عبد العزيز، وكذلك معركة الفالوجة التي صمد فيها الجيش المصري محاصَراً يقاتل بكل استبسال وشجاعة.

وأما المجاهدون السعوديون فقد سطرت بطولاتهم أروع القصص الفدائية، ومن بين تلك السطور نأخذ (أبو ثواب العتيبي) هذا المجاهد الذي ترك وطنه ملبياً نداء الجهاد في فلسطين؛ إذ قدم عام 1948م وهو ابن 20 ربيعاً وظل يجاهد الصهاينة مدة تزيد عن 8 سنوات ناله فيها ما ناله من الأسر والتعذيب، كما شارك هذا المجاهد في تحرير قرية المالكية، وقاتل في معركة (العفولة).

وبطل آخر من المتطوعين السعوديين لا بد أن نذكره في هذا السياق؛ وهو الضابط عبد الله بن سعود بن علي العتيبي، الذي قال في قتاله الصهاينة أبياتاً زجلية رائعة:

يا الله عسى مثله علينا يعودي

في وسط ميدان الشرف كل حزه نار المدافع تشتعل بالوقودي

 جيش الفدا من مصر سجل معزَّه ومسانده بالفعل جيش السعودي

بسدود والمجدل حصل له مجزه سيل غزير الرمل دم اليهودي

خل الجثث فوق الوطا مقلحزه

غير الأسير اللي خذوه الجنودي

جيش العرب ظافر على كل فزه سجل له التاريخ مجد تزودي

كما سجلت معركة الشجرة أسماء لشهداء الجيش السـعودي الذين ارتقــوا فيهـا وكان منهــم الشهيد محمد ابن عبد الله بن سعد الدوسري، والشهيد شلاش ابن عواد بن غنايم العنزي، والشهيد عايد بن منيس الشمري والشهيد سلطان بن إبراهيم بن عويقل، وكانت السعودية قد قدمت أكثر من 130 شهيداً خلال تلك الحرب .

وأما الجيش العراقي فلعلنا نكتفي بما روته الحاجَّة (أم أحمد المبحوح) (93 عاماً) التي هجرت قسراً من قرية (بيت طيما) بعد استيلاء الصهاينة عليها، حيث رأت جندياً عراقياً عليه علامات التعب والإرهاق فأشفقت عليه قائلة: «ارجع عبلادك يا أخي» فرد عليها ذلك الجندي: «ما جينا إلا نبغي الشهادة».

وكذلك فإن المجاهـدين الجـزائريين قد وقفوا صفاً واحداً مع باقي إخوانهم من كافة البلاد لا سيما (جيش الجهاد المقدس) بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، كما دونت الكتب والقصائد وأبيات الشعر أسماء العديد من الشهداء الجزائريين وبطولاتهم أمثال محمود سليم الصالح ومحمد إبراهيم القاضي وغيرهم.

وصمد الجيش الأردني في دفاعه عن القدس في معارك عديدة، وكذلك الجيش السوري واللبناني وإذا ما أردنا أن نحصر بطولات تلك الجيوش العربية الإسلامية لضاق بنا المقام.

وأخيراً: لم نكتب تلك البطولات ولم نذكر تلك الأسماء لمجرد الذكر أو حتى الوقوف على أطلال قد مضت أحداثها وبقي طيفها؛ إنما كتبنا لأجل أن نأخذ ذلك الطيف ونزرعه أملاً ونخوة ونشد به على خواطر أبناء أمتنا بأننا أمة الوحدة والفداء وأن «الخير فينا إلى يوم القيامة»، وأن أمجاد حطين واليرموك ونهاوند ما هي بعيدة عنا، وأن دمـاء الأمـة قد توحدت على ثرى فلسطين (أرض الجهاد) وما زالت تنتظر يقظة من أبناء الجيل بأنها هي محور الأمة الأهم والأقدس، وما زالت فلسطين تنتظر (جيش إنقاذ مجاهد جديد) في ظل التشتت والتفرق وانشغال الأمة بمعارك داخلية دخيلة!