ما حدث للمسلمين في آسيا الوسطى أثناء الحكم الشيوعي، وبخاصة خلال حكم ستالين، شيءٌ فظيع، شيءٌ لم تره عينٌ، ولم تسمع به أُذنٌ، ولا يخطرُ على قلب بشر، ولا يمكن تشبيهه بما حدث لأي شعب آخر، اللهم إلا ما يحدث الآن للمسلمين، في تركستان الشرقية، من قبل السلطات الصينية المجرمة. بَيْد أن مأساة المسلمين في هذه المنطقة لم تكن وليدة الشيوعية، ولكنها قديمة؛ إذ ترجع إلى القرن التاسع عشر، عندما سيطرت روسيا القيصرية، على حواضرها المختلفة: طشقند (1865م)، فسمرقند (1868م)، فبخارى (1873م)، فخوارزم (1874م)، فمرو (1873م)، فخوقند (1876م)، وكان احتلال الروس لهذه المنطقة، بعد مقاومة ضارية، ومجازر مرعبة، وكان مصحوباً بهجمة تنصيرية شرسة، وبهجرةٍ روسيةٍ منظمةٍ إليها، للاستيطان في أقاليمها الزراعية الخصبة، ولتغيير تركيبتها السكانية، وهويتها الإسلامية.    

أولاً: المسلمون في آسيا الوسطى والثورة البلشفية:

عند نشوب الثورة الشيوعية في روسيا، المعروفة بـ (الثورة البلشفية)، عام 1917م، كان المسلمون في آسيا الوسطى، يئنون تحت وطأة مظالم الحكم القيصري، واضطهاد الكنسية الأرثوذكسية الروسية. وكان لينين وستالين وبقية الزعماء البلاشفة يدركون هذه الحقيقة، لـذلك، فقد سعوا، للحصـول على تأييد المسلمين لثورتهم الشيوعية، واعتبروا هذه التأييد، عاملاً حاسماً لنجاح الثورة، التي كانت تهددها الأخطار قبل إعدام القيصر، نظراً لكثرة أعداد المسلمين، ورغبتهم الشديدة في الخلاص من النظام القيصري الصليبي، أكثر من غيرهم، بدليل الخطاب الذي ألقاه لينين في 24/11/1917م، حيث قال فيه: «مسلمو روسيا! يا من تعرضت مساجدكم ومصلياتكم للتدمير، يا من تعرضت معتقداتكم للتشهير، وحرمتم من حرية ممارستها تحت سياسة القمع القيصرية، سنحمي معتقداتكم وحرية شعائركم إلى الأبد. أريد منكم أن توقنوا أن حقوقكم مصانة مثل أي جالية روسية أخرى تحت حماية الثورة». وفي 15/12/1917م وجَّه لينين وستالين نداءً للمسلمين، جاء فيه: «أيها المسلمون! مساجدكم، صلواتكم، أعيادكم، تقاليدكم في أمان، قوموا وساعدوا الثورة ضد القيصرية. لقد جاءت ساعة خلاصكم». وتوالت بعد ذلك النداءات، التي كان يتم توزيعها على شكل منشورات، وإيصالها إلى كل بيت مسلم. وانقسم المسلمون في آسيا الوسطى بشأن هذه النداءات إلى قسمين: فقسم منهم، وأكثرهم من الدهماء والفقراء المسحوقين، انطلت عليهم تلك النداءات، وظنوا أن ساعة الخلاص، قد حانت فعلاً، فهبَّوا، إلى جانب الشيوعيين، للتخلص من القيصرية، وكنسها إلى مزبلة التاريخ.

والقسم الآخر من المسلمين، كان قد بدأ التحرك منذ عام 1916م للاستقلال عن حكم القياصرة، مستغلاً ضعف قبضتهم على البلاد أثناء الحرب العالمية الأولى، وقامت لهم دولة مستقلة، في وادي فرغانة عاصمتها (خوقند)، وكان من الطبيعي أن لا تجد نداءات لينين وستالين، آذاناً صاغية لدى هؤلاء، الذي عـانوا الأمـرَّين من الطغيان الروسي، في العهد القيصري. لذلك فقد شن البلاشفة، هجوماً عنيفاً على خوقند، في شباط 1918م، وارتكبوا فيها مجزرة مروعة، راح ضحيتها 25 ألف مسلم، ونتج عن ذلك غضب عارم لدى المسلمين، فاندلعت انتفاضة ثانية أشد من الأولى، في المنطقة، ضد البلاشفة، ومِن ثَمَّ استرداد الجزء الأكبر من وادي فرغانة، وأغلب أراضي تركستان، توجت هذه الانتفاضة بإقامة دولة للمسلمين، ولكنها لم تستمر سوى خمس سنوات؛ فقد اجتاحها الجيش الأحمر، عام 1922م، وذلك بعـد أن ثارت النعرات القومية بين المسلمين، بين قرغيزي، وطاجيكي، وكازاخي، وأوزبكي، بتأثير دسائس الشيوعيين، وأعوانهم، وعملائهم، وأيضاً بعد أن انفض أهالي المنطقة الفقراء عنها نتيجة لطوفان الدعاية الموجهة من الإعلام الشيوعي، والتي ركزت على دغدغة عواطفهم، وأغرتهم بالوعود المعسولة، والحياة المعيشية الأفضل في (جنة) الاتحاد السوفييتي، فصدقوها وركبوا الموجة إلى جانب الشيوعيين الروس. ولا غرابة في ذلك، فقد افتتن بالنظرية الاشتراكية الكثيرون، واكتسحت ثلث العالم، من الصين، إلى وسط أوروبا، إلى أمريكا اللاتينية، إلى إفريقيا، كونها اعتُبرَت آنذاك أملاً لملايين البشر، مسلمين وغير مسلمين، للتحرر والانعتاق.

ثانياً: ستالين والسياج الحديدي:

وهكذا ضاعت الفرصة من المسلمين، في الاستقلال، والانعتاق من الاضطهاد، واجتاح الجيش الأحمر الشيوعي، في مطلع عهد الطاغية ستالين (1924 - 1953م)، والمؤسس الحقيقي للاتحاد السوفييتي، كلَّ أرجاء آسيا الوسطى (تركستان الغربية)، ومساحتها4106000 كم2، في حين سيطرت الصين على تركستان الشرقية، ومساحتها1800000 كم2. وفرض ستالين الحكم الشيوعي الشمولي عليها، بالحديد والنار، وضرب حولها سياجاً حديدياً، عزلها عن العالم كله، وبدأت مرحلة جديدة من الانتهاكات، والقمع، والفضائع، والقهر، والتنكيل، والإبادة الجماعية، ومسخ الهوية، والحرب على الدين والقيم، وتحطيم المقومات الذاتية للمجتمع، وأدرك المسلمون، بعد فوات الأوان، أن حلمهم في تركستان الموحدة، قد حطمته سياسة ستالين، تجاه منطقتهم، فكانت كلما قامت ثورة إسلامية، انقضَّ عليها الشيوعيون، وأخمدوها بأبشع الطرق، وقد تميزت السياسة الشيوعية، بشكل عام، وسياسة ستالين، بشكل خاص، في آسيا الوسطى، بالآتي:

الحرب على الإسلام والخلق والفضيلة:

فقد بدأ البلاشفة عهدهم بإقصاء الإسلام، وأعلنوا عليه حـرباً شعواء، باعتبار الدين خرافة، وجهلاً، وأنه أفيون الشعوب، وأن الإسلام يبرر الظلم الاجتماعي، ويكرس الاستغلال الطبقي، ويناهض الحركات التحررية، والكفاح الثوري، ويدفع الناس إلى انتظارٍ بليدٍ للسعادة في الآخرة... ولذلك فقد منعوا المسلمين من الصلاة، والصيام، والحج، ومن قراءة القرآن، وأغلقوا المساجد، وحوَّلوها إلى مخازن، وإسطبلات، وأغلقوا المدارس الإسلامية، وحولوها إلى مساكن طلابية، وصادروا الأوقاف الإسلامية، وأغلقوا المحاكم الشرعية، وأحرقوا المصاحف، تحت شعار مكافحة الخرافات الدينية، ومنعوا الختان، وتعدد الزوجات، وحظروا كل الشعائر الإسلامية، وكانوا من وجدوه صائماً أجبروه على الإفطار، وصاحب ذلك هجمة شرسة لتغيير عادات المسلمين، المتعلقة بالزواج، والعلاقات الجنسية، والحياة الأسرية، وسائر الممارسات الإسلامية، واستبدالها بالممارسات الشيوعية الجديدة (الإباحية)، وتم استهداف النساء المسلمات، بصورة أساسية، فجعل قسمُ النساء في الحزب الشيوعي شغلَه الشاغل تغييرهن بشكل جذري، بداية من إقامة مؤتمر جماهيري في 8/3/1928م تحت مسمى (يوم المرأة العالمي)، لدعوتهن لحرق الحجاب، إلى الدفع بهن، بعد ذلك، إلى مستنقع الرذيلة، والانحلال، وقد جوبه هذا المشروع بمعارضة قوية، من قبل المسلمين، ولكنها لم تصمد، أمام آلة القمع الوحشية، وسياسة القبضة الحديدية الستالينية. 

التعذيب والقتل والتشريد والتهجير الجماعي:  

وقامت السلطات الأمنية الشيوعية، بالقبض على آلافٍ من الأئمة، والخطباء، والمؤذنين، والعلماء، نتيجة لتقـارير سرية، كانت تصـدر ضدهم؛ فقد كان في كل بيت مخبر في العهد الشيوعي، وفي أوقات كثيرة، كانوا يقبضون عليهم من دون سبب، سوى أنهم أئمة، أو خطباء، أو مؤذنون، أو علماء، فهذه تهمة كافية لاعتقالهم، وإذا كان لا بد من تهمة، فإن التهـم كانت جاهزة، وبالجملة، يكفي أن يجدوا لديك كتاباً إسلاميّاً، أو رسالة بالعربية، بل يكفـي أن يجدوا لديك رسماً للكعبة، لكي يسحقوك. وبعد أن يعتقلوهم كانوا يقومون بتصفيتهم، أو يقذفون بهم في غياهب السجون، حيث أساليبُ التعذيب التي يشيب لها الوِلدان، أو كان يتم ترحيلهم إلى صحراء سيبيريا الثلجية ليهلكوا هناك نتيجة للصقيع، والجوع، أو في معسكرات العمل الجبرية (الجولاغ). كما أنه في الفترة نفسها، قام الشيوعيون بعملية قتل وتهجير مئات الآلاف من المسلمين، بتهمة أنهم ضد الاتحاد السوفييتي. ولقي مئات الآلاف من المسلمين حتفهم، منهم أكثر من نصف مليون كازاخي، من بينهم مفكرون، ومؤرخون، وفقهاء وشعراء، نتيجة لحملات التطهير والتهجير، التي مارسها ستالين، ضد المعارضين لسياسته، كما تم إعدام عشرات الآلاف، تحت شعار التمدين الإجباري للبدو. وهناك أرقام مرعبة، حول من تم قتلهم ونفيهم من المسلمين في عهد ستالين بوسائل القمع والإرهاب، وعن طريق المجاعات المدبرة.

التفتيت العرقي وتقطيع الأواصر الإسلامية لسكان المنطقة:

على الرغم من الشعارات الشيوعية، فقد استخدم الروس النظام الشيوعي وسيلة، لفرض سيطرتهم على هذه المنطقة الإسلامية، والتي تعتبر أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية، ولذلك قام المخططون الشيوعيون الروس، بتقسيمها إلى خمس جمهوريات مستقلة، في إطار الإمبراطورية السوفييتية، وهي:

أوزباكستان ومساحتها 447700 كم2، وعاصمتها طشقند، والمسلمون 88%.

وتركمانستان ومساحتها 490000 كم2، وعاصمتها عشق آباد، والمسلمون 86%.

وطاجيكستان ومساحتها143000كم2، وعاصمتها دوشنبيه، والمسلمون80%.

وكازاخستان ومساحتها 2500000 كم2، وعاصمتها المآتا، والمسلمون 52%.

وقرغيزستان ومساحتها 200000 كم2، وعاصمتها بتشكيك، والمسلمون 73%.

وتم ذلك التقسيم على أساس عرقي، ولكن بطريقة جعلت العرق الواحد يتوزع بين عدة جمهوريات، رغم أن أصل هذه الأعراق جميعاً هو العرق التركي، عدا الطاجيك، فأغلبهم فرس، ونسبتهم في طاجيكستان 56%. وهذه الجمهوريات الخمس خلقوها، وعينوا حدودها من لا شيء، وذلك من أجل تمزيق المنطقة، ومسخ هويتها، وتفتيت شعوبها، حتى يسهل إخضاعها، وإدارتها، ونهب خيراتها، وتعزيز هيمنة الأقليات الروسية عليها، وقد كان ستالين بنفسه هو الذي أشرف على هندسة هذه الجمهوريات، فقام بتشتيت مراكز الثقل الإسلامي، فيها، بين عدة جمهوريات منها، فوادي فرغانة - مثلاً - تم توزيعه على ثلاث جمهـوريات: أوزباكستان، وطاجيكستان، وقرغيزستان... وهكذا، فصارت الحدود بين هذه الجمهوريات، قنابل موقوتة، يمكن تفجيرها، في أي وقت، وصار يصعب على هذه الجمهوريات، أن تجتمع على أرضية مشتركة لمواجهة روسيا، كما صار يصعب على أيٍّ منها الوقوف بمفردها في وجهها؛ فقد جعل الروس الشيوعيون، من كل منها كياناً كسيحاً، لا تقوم له قائمة، من دون مساعدة موسكو، وهذا هو الواقع حاليّاً، بعد استقلالها المزعوم.

نشر الإلحاد وتلقينه للطلاب والعمال والفلاحين:

تضمنت المادة (52) من الدستور السوفييتي الصادر عام 1921م النص على حرية العقيدة لمواطني الاتحاد؛ أي الحق في اعتناق أي دين، وأداء الشعائر الدينية، أو القيام بالدعاية الإلحادية، وعدم اتباع أي دين... وبدلاً من أن تكفل هذه المادة للمسلمين حقوقهم الدينية، صارت ذريعة لقمعهم، وكتم أنفاسهم، ومحاربة دينهم، وفي الوقت نفسه ذريعة لنشر الإلحاد في المجتمع المسلم باعتباره محور الشيوعية، ولا قيام لها دونه، وبخاصة من خلال المناهج الدراسية التي كانت تتم صياغتها على أساس الفكر الماركسي، وكانت أيضاً تفيض بالافتراءات على الإسلام، تاريخاً، وعقيدة، وممارسة، وفي مؤتمر الحزب الشيوعي الخامس عشر، عام 1929م، أعلن الشيوعيون بزعامة ستالين حملتهم العنيفة ضد الأديان، ولفرض الإلحاد، والتي استمرت حتى بداية الحرب العالمية الثانية، عام 1939. وكان تعليم الإلحاد، يبدأ من الحضانة، ويستمر حتى آخر مرحلة تعليمية، كما شمل تعليمُ الإلحاد العمالَ في المصانع، والفلاحين في المزارع التعاونية، وذلك من خلال دورات تعليمية، وندوات كان تتم إقامتها في المناسبات، وفي غير المناسبات، لهذا الغرض، وتم إنشاء (مؤسسة الإلحاد العلمي)، للإشراف على الجهود الخاصة بنشر الإلحاد. وصاحَب ذلك إنشاءُ جمعيات لمحاربة الدين، وأخرى ملحدة، كجماعة (عصبة الملحدين) التي قامت بتنظيم حملات ضد الجوامع والمدارس الإسلامية، فأزيل الآلاف منها، وتم تحويل الكثير منها إلى أندية، ومقاهٍ، ودور لهو، وإسطبلات للخيول، وحظائر للماشية، مع طبع الكتب الفكرية والثقافية التي تروج للمبادئ الشيوعية، كمؤلفات ماركس ولينين وإنجلز، كما شجع ستالين الدعوة المضادة للدين، بين عامي 1927 - 1941م، وكان ستالين، صاحب الألف تمثال والأقوال الذهبية، يردد: «يجب أن يكون مفهوماً أن الدين خرافة، وأن فكرة الله خرافة، وان الإلحاد مذهبنا».

فرض اللغة الروسية وحظر العربية ومطاردة الحرف العربي:

قبل الثورة الشيوعية، كان هناك قِطاع واسع من مسلمي آسيا الوسطى يتحدثون باللغة العربية، وبخاصة العلماء والمشائخ، والمثقفين، لدرجة أنه كان هناك من يكتب شعراً بالعربية، فقامت السلطات الشيوعية بحظر استعمال اللغة العربية، وفرض اللغة الروسية، وكانت لغة المسلمين في المنطقة (التركية)، تكتب بالحروف العربية، فأصدرت السلطات الشيوعية عام 1925م، قراراً باستبدالها بحروف اللغة الروسية، وفرضت الروسية لغةً وحيدةً للمراسلات والتخاطب، وذلك لقطع المسلمين عن جذورهم وماضيهم، وصار استعمال العربية والاحتفاظ بالكتاب العربي جريمة، يستحق مرتكبها أشد العقاب، فأثناء حملات التفتيش (1937 - 1938م) كان الشيوعيون إذا وجدوا مصحفاً بل أي كتـاب عربي، بغض النظر عن مضمونه، يقومون بقتل صاحبه، فاضطر الناس إلى حرق الكتب الدينية، أو رميها في مياه الأنهار، أو إخفائها تحت الأرض، أو في جدران الغرف، حفاظاً على حياتهم، وكان من قبض عليه الشيوعيون متلبساً بحيازة كتب عربية، أخذوه إلى خارج المدينة، وحفروا له ولكتبه حفرة، ورموه وأياها في هذه الحفرة، ثم أهالوا عليها وعليه التراب، وبهذه الطريقة، قُتل الكثيرون، وضاعت عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات الإسلامية، فضلاً عن الأعداد الهائلة التي أتلفتها السلطات الشيوعية. وفي الوقت نفسه أقامت الحكومة الشيوعية مدارس ومعاهد تعليمية للمسلمين ذكوراً وإناثاً، وكباراً وصغاراً لتعليم الروسية، وسيلةً لتلقين المبادئ الشيوعية. 

استنزاف الثروات وتلويث البيئة:

كانت جمهوريات آسيا الوسطى وأذربيجان، من أهم مصادر الثروات الطبيعية للاتحاد السوفييتي، كالبترول 50%، والفوسفات 95%، واليورانيوم 90%، والكروم 90%، والرصاص 86%، والنحاس 76%، والقطن 96%، والحرير 96%، والصوف 78%، والذهب، والفضة، وغيرها، وكان في أوزباكستان، واحد من أكبر مصانع الطائرات، وأكبر منطقة لزراعة القطن؛ فقد أجبر ستالين سكان خوقند بوادي فرغانة على زراعة القطن، بدلاً من القمح، لتدعيم الاقتصاد السوفييتي، وكان يعاقب بالإعدام من يتأخر عن زراعته، وكان في كازاخستان واحد من أكبر الترسانات النووية، وكانت أراضيها تشكل 20% من الأراضي الجماعية المزروعة، في الاتحاد السوفييتي، والذي جعل إنتاج هذه الأرضي وغيرها يصب في المركز، وهو موسكو. فكانت زراعة القطن نعمة كبرى على الاتحاد السوفييتي، وكارثة بيئية كبرى على أوزباكستان، لما كان يستهلكه من المياه والسماد الكيماوي، وبصورة أدت إلى حدوث أضرار فادحة بالبيئة، وإلى استنزاف مياه نهرَي سيحون (أموداريا)، وجيحون (سريداريا)، وهما من أكبر أنهار المنطقة. وكذلك ما تزال مشكلة التلوث البيئي في كازاخستان التي كانت حقلاً للتجارب النووية، مشكلة كبرى في البلاد، وكان من نتائج السياسة الزراعية الشيوعية، المجاعة التي ضربت كازاخستان (1931 - 1933)، والتي أدت إلى وفاة عشرات الآلاف، وهجرة عشرات الآلاف الآخرين؛ وهو ما أدى إلى تراجع السكان الكازاخيين، من 57% عام 1926م، إلى 38% عام 1937، مقابل ارتفاع نسبة الروس، من 20% إلى 40% خلال الفترة نفسها. وفي عام 1941، أثناء الحرب العالمية الثانية، قام ستالين بنقل (1500) مصنع من غرب روسيا وأوكرانيا إلى المناطق الشرقية، نقل خمسها إلى آسيا الوسطى، منها 100 مصنع إلى كازاخستان.

إغراق المنطقة بالمهاجرين الروس:

وكانت هذه السياسة قد ابتدأت في عهد القياصرة، ولكنها استفحلت في العهد الشيوعي، وبخاصة في عهد الطاغية ستالين؛ فقد جعلت السلطات الشيوعية، من هذه المنطقة ملاذاً لتهجير قوميات أخرى إليها، وبخاصة الروس، إلى جانب الأوكرانيين، والتتار، والبولنديين، والقوزاق، ولذلك، فقد ارتفعت نسبة الروس - سواء نتيجة للهجرة المنظمة للأيدي العاملة الروسية، أو النفي القسري - بصورة لافتة للنظر. ففي كازاخستان، ارتفعت نسبة الروس، من 20 % عام 1929م، إلى40 % عام 1939م، وخلال الفترة نفسها، ارتفعت تلك النسبة في قرغيزستان، من 12% إلى 21% ، وفي طاجيكستان من 1% إلى 9%، وفي تركمانستان من 8% إلى 19%، ما عدا أوزباكستان، فقد انخفضت نسبة الروس من 25%، إلى 12% خلال الفترة المشار إليها. وصارت السلطات الشيوعية، تعتمد على هذه الأقليات الروسية في إدارة هذه الجمهوريات، وبخاصة كازاخستان، الأقرب إلى قلب موسكو، والتي لم تكن السلطات الشيوعية - لأمر ما - تعتبرها من ضمن آسيا الوسطى. وتوافد خمسة ملايين عامل روسي للعمل في مناجم المنطقة. وقد كان من نتائج الهجرات القسرية إلى المنطقة، أنه صار في كازاخستان وحدها 80 عرقية، من تتار، وقوقازيين، وأكراد، وألمان، وبولنديين، ويونانيين، وغيرهم.

ثالثاً: انهارت الشيوعية وبقي الإسلام... ولكن!

على الرغم من البطش، والقتل، والتشريد، والتهجير القسري، والإبادة الجماعية وغيرها، من أساليب الاضطهاد، التي عانتها الشعوب الإسلامية، في آسيا الوسطى، فلم تتخلَّ عن عقيدتها. ولا أكون مبالغاً إن قلت: إن حركة المقاومة في هذه المنطقة، مثلها مثل القوقاز وجزيرة القرم، لم تتوقف منذ نكبتها بالحكم القيصري؛ فالحكم الشيوعي، وحتى اليوم، بما فيها فترة حكم ستالين (الكرجي الأصل)، الطويلة المرعبة، التي وصلت فيها الدعوات الإلحادية ذروتها، ووصلت الحرب على الإسلام خلالها إلى غايتها، سواء المقاومة بالسلاح والسنان، أو بالقلم واللسان، جماعياً أو فردياً، وكانت أوزباكستان هي القلب النابض دوماً بالمقاومة، حيث توجد فيها الحواضر الإسلامية الشهيرة، طشقند، وسمرقند، وبخارى، وخوارزم، وقد ظلت هذه الحواضر الإسلامية الكبرى تؤرق الشيوعيين حتى آخر لحظة، وذلك لكونها كانت تحتوي - وما تزال - على عدد ضخم من المساجد، والمدارس، والآثار الإسلامية، والتي استعصى على الشيوعيين محوها، رغم محاولاتهم المستمرة، وكان وجود تلك المساجد والمدارس والآثار الإسلامية، وإن كانت أبنية فقط، بما ترمز له من الأمجاد الإسلامية الخالدة، والتاريخ الإسلامي الزاهر، الذي شهدته هذه المنطقة، على مدى اثني عشر قرناً، وما خرَّجته من علماء في شتى فروع العلم المختلفة، يعطي زخماً معنوياً، في التمسك بالإسلام والحفاظ على الهوية في مواجهة الحرب الإلحادية الضارية، التي شنها الشيوعيون ضد الإسلام. وكان تمسُّك أبناء هذه المناطق بالإسلام، وعضُّهم عليه بنواجذهم، إحدى المشكلات التي كانت تقض مضاجع النظام الشيوعي الملحد، وقد عبَّر عن ذلك رموز هذا النظام في مناسبات عديدة، وطالبوا بضرورة مواجهة هذا التحدي الإسلامي، من ستالين، وحتى غورباتشوف. فغورباتشوف، صاحب البروسترويكا (إعادة البناء)، هو الذي أعطى بعض الحريات بعد وصوله إلى الحكم، عام 1985م وسمح بفتح الكنائس والمساجد نتيجة لاستشعاره بقرب انفجار الأوضاع، وهو ما سيقوض أركان الاتحاد السوفييتي، ذهب قبل انهيار النظام الشيوعي إلى طشقند عاصمة أوزباكستان، وأكبر وأهم حاضرة إسلامية في آسيا الوسطى، وحذَّر في خطاب ألقاه أمام ممثلي الحزب، من أن الكثير من المسلمين، في هذه الجمهورية وغيرها، يؤدون الصلاة في المساجد وهو الأمر الذي يتعارض مع عضوية الحزب الشيوعي! كما عبَّر المسؤولون الشيوعيون عن قلقهم من تزايد نسبة السكان المسلمين، في جمهوريات آسيا الوسطى، وبخاصة في أوزباكستان، مقارنة بغيرها في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الأخرى؛ فقد وصلت تلك النسبة في أوزباكستان إلى 3%، وهي من أعلى النسب في العالم. وبينما كان الشيوعيون يتدارسون السبل الكفيلة لمواجهة التحديات الإسلامي، إذا بالشيوعية نفسِها تنهار فجأة، وتسقط جثة هامدة عام 1991م، وتصبح في خبر كان، بينمـا بقى الإسلام شـامخاً شمـوخ الجبـال. لكن ذلك لا يعني أن الحرب على الإسلام، في المنطقة، قد توقفت بعد سقوط النظام الشيوعي، كلا كلا! فتلك الحرب ما تزال مستمرة، بأيدي المعدودين أنهم أبناؤه، من أيتام الحزب الشيوعي البائد، وبأيدي الشريحة (المثقفة)، التي نجح الشيوعيون في غسل أدمغتها، ومسخ هويتها، وقطعها عن جذورها.