اندثرت لغات قديمة مثل اللغة المصرية القديمة، المعروفة بالخط الهيروغليفي، وكذلك لغة العـراق القديم، المعروفة بالخط المسماري، وأيضاً اللاتينية القديمة، وغيرها من اللغات المندثرة، وبرغم أن اللغة العبرية لغة قديمة إلا أنها لم تندثر كباقي اللغات سالفة الذكر؛ فما هي العبرية؟

ترتبط لفظة (عبري) في الفكر الإسرائيلي بمعنى عنصري؛ فالروايات المقدسة ترفعها إلى اسم واحد من الأجداد القدامى للساميين، هو عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام، أكثر أبناء نوح خيراً وبركة[1].

تقلصت اللغة العبرية، وتكـاد أن تكون ماتت مع التهجير البابلي 567 ق.م؛ فما لبثت أن عادت إلى الظهور مرة أخرى في القرن العشرين، وذلك بفضـل التخطيط اللغوي بجعل اللغة العبرية هي اللغة الرسمية لهذا الكيان، وهو ما جعل الوافدين اليهود القادمين من أرجاء العالم يتعلمون اللغة العبرية، بعدما كانوا يجهلونها.

جهود الكيان الصهيوني من أجل إحياء اللغة العبرية:

أولاً: انتشار العبرية في إسرائيل بزيادة عدد المستوطنات واستطانيها؛ ففي عام 1878م استطاعت مجموعة من اليهود الذين كانوا يسكنون في القدس تأسيس عدد من المستوطنات مثل تباح تكفا، المقامة على أراضٍ عربية كانت تعرف باسم ملبس، ومستوطنة زخرون يعقوب منطقة الجليل شمال فلسطين، وريشون ليتسيون في منطقة الرملة جنوب فلسطين. وكانت أعدادهم تتزايد بشكلٍ متسارع، ففي حين كانت أعدادهم24.000 مستوطن عام 1882م إلا أنها بلغت 50.000 عام 1897م[2].

سعت المنظمة الصهيونية لتكثيف النشاطات الاستيطانية؛ فبعد عام 1897م الذي عُقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا وصل عدد المستوطنات إلى 22 مستوطنة تسيطر على 200.000 دونــــم[3] من الأرض[4].

ويمكن تقسم تلك الموجات اليهودية لفلسطين[5] إلى:

الأولى: هجرة عشرة آلاف مستوطن قدموا من روسيا في الفترة بين 1882 - 1903م.

الثانية: بلغ عدد المهاجرين 85 ألف مهاجر وذلك 1904 - 1918م.

ولدت الهجرة الثانية من رحم حلم إحياء العبرية لدى إليعازر بن يهودا، وكان إحياء العبرية على رأس سلم الأولويات الثقافية[6].

الثالثة: هاجر 35 ألف مهاجر إلى فلسطين في ما بين 1919 - 1924م؛ وذلك بسبب الثورة البلشفية الروسية.

الرابعة: هاجر من أمريكا ما يقرب من 62.000 مهاجر 1924 - 1932م.

الخامسة: بلغ عدد المهاجرين في الفترة بين 1933 - 1938 حوالي 164.000 مهاجر بسبب تشريد اليهود في الفترة النازية.

السادسة: ما يُعرف بالهجرة السرية في الأربعينيات من القرن العشرين وخصوصاً من البلاد العربية، وإيران وتركيا.

قال بن غوريون في مؤتمر عقد في القدس عام 1947م: يجب على كل يهودي مخلص أن يتعلم العبرية، التي تُعْتَبر اللغة المشتركة بين إسرائيل واليهود الذين يعيشون خارجها. واعتقدوا أن الرب خلص اليهود من شتات مصر لبعض فضائل تحلَّوا بها ومنها المحافظة على اللغة القومية وعدم هجرها. كما زعموا أن كل من يعيش في أرض إسرائيل ويتكلم العبرية المقدسة، تُضْمَن له الحياة الأبدية في الآخرة[7].

وفي عام 1948م توِّجت هذه الحملة الاستيطانية بقيام دولة إسرائيل بعد الحرب بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، وقامت إسرائيل على مساحة 77%.

ويُقدر أن الوكالة اليهودية قد ساعدت بالتعاون مع المنظمة الصهيونية ما يزيد على 1.8 مليون يهودي من مئة ودولة على الهجرة من كافة أرجاء العالم إلى إسرائيل، وذلك في مـا بين عامي 1948 - 1985، وقد انفقت عامي 1983 - 1984م مبلغ 50 مليون دولار على أغراض الهجرة والاستيعاب، فكان من ضمن ما تقدم مراكز تعليم اللغة العبرية[8].

ولقد سعى هربرت صمويل لنشر العبرية؛ بعدة طرق كان من هذه الطرق الاعتراف بالمؤسسات السياسية الصهيونية في فلسطين، والاعتراف باللغة العبرية كإحدى اللغات المحلية في فلسطين، ثم ما لبث أن جاء عام 1948م فأصبحت العبرية اللغة الرسمية لهذا الكيان[9].

ولكي يصلوا إلى إحياء العبرية كانوا يقدمون تسهيلات وامتيازات للقادمين (اليهود الجدد) مثل الإعفاءات الجمركية للسيارة وأدوات المهنة والمصنع، والإعفاء المؤقت من الضرائب المباشرة، ومنح قروض ميسرة للإسكان ولإقامة مشروعات، وتوفير خدمات تعليم اللغة واكتساب الجنسية[10].

وتسعى المنظمات اليهودية إلى حث اليهود وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين؛ فمن ضمن ما ابتكروا من وسائل وإغراءات لتهجيرهم، أن يستقدموا الشباب لمدة سنتين لتعلم اللغة العبرية والتوسع في قبولهم في الجامعات[11].

أما عن آليات الجهود الصهيونية لإحياء اللغة العبرية، فتمثلت في الآتي:

الأدب العبري: ظهر بعض الأدباء الذين أوجدوا رابطة ما بين عبرية «المقرا» التي كان يستعملها دعاة حركة الاستنارة اليهودية والعبرية الربانية التي كانت مستعملة خلال سنوات العصر الوسيط. وارتبط ظهور الصهيونية ببروز عدد من الأدباء والكتاب الذين يكتبون بالعبرية، يدعون لأفكارها ويمتدحون برنامجها، من خلال أعمالهم الأدبية، فتأسست في هذه الأثناء عدة دوريات عبرية لأول مرة يمكن لهؤلاء أن ينشروا فيها إبداعاتهم الأدبية ذات المضامين الصهيونية، ومنها أول صحيفة عبرية وهي هجميد، وهشيلوح، وهمليتس، وهستفيرا[12].

وتطور الأمر حتى وصل إلى أن بعض الكتاب العرب كتبوا بالعبرية، مثل:

أنطون شماس صاحب رواية أرابيسك 1986م، والتي كتبها بعبرية أدهشت الإسرائيليين أنفسهم.

الكاتبة والصحفية سهام داود من حيفا كتبت الشعر بالعبرية.

الشاعر الفلسطيني توفيق زياد عام 1992م كَتَبَ قطعة شعرية على وزن المقامة[13].

التخاطب بالعبرية: رائد هذا الاتجاه هو أليعازر بن يهودا الذي سعى بكل جهده للتخاطب بالعبرية؛ فقال: إذا كنا نريد الحفاظ على الأمة، إذا أردنا أن يكون أبناؤنا عبريين، فعلينا أن نعلمهم اللغة العبرية، وأن نجعلها اللغة الأساسية في تعليم أبنائنا، علينا أن نُنْسي أبناءنا وبناتنا اللغات الأجنبية التي مزقتنا إرباً، وجعلتنا بلا شعب، وعرضتنا لتغامز الأغيار واحتقارهم، ورأى أن أساس القومية أحياء العبرية على الألسن[14]. وكان مما فعله ودعا إليه لإحياء العبرية الأتي:

تكلم مع أي يهودي بالعبرية.

كان بيته أول بيت يتحدث أفراده بالعبرية في فلسطين.

دعا إلى تعليم الفتيات العبرية.

رأى إحياء التخاطب بالعبرية للفتيات أمهات المستقبل.

دعا لتأسيس مدارس للبنات.

طالب الكبار بالتحدث بالعبرية.

شارك في استحداث كلمات جديدة أثرى بها اللغة العبرية[15].

تأسيس الجمعيات الثقافية: مثل جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا، أسست عام 1859م، وكان هدفها رفض اسـتخدام اليديشـية، وفرض التعليم باللغـة العبرية، واهتمت بدعم الدوريات العبرية.

وجمعية اللغة العبرية في فلسطين، وكان من أهم أعمالها أنهـا قامت بإكمـال مشروع بن يهــودا، وأصدرت المعجم كاملاً 17 جزءاً في عام 1959م.

ازدهار حركة الترجمة: ازدهرت الترجمة من وإلى العبرية.

تأليف القصص والروايات: أول رواية باللغة العبرية على يد أبراهام مابو 1808 - 1867م روائي صاحب رواية محبة صهيون. كما كتب ميخا بيروديشفشكي أكثر من 150 قصة بالعبرية[16].

العوامل السياسية والعسكرية في إحياء اللغة العبرية:

1- جعلت إسرائيل المشاركة في الأعمال ذات الأهمية والحساسية في الدولة مقصورة على من يجيد العبرية.

2- يُدرِّس الجيش الإسرائيلي العبرية للمجندين القادمين من أطراف العالم ليصبغهم بالصبغة القومية المرجوة.

3- يتعين على كبار موظفي الحكومة عَبْرنة أسمائهم.

4- بحسب قانون الدولة الصهيونية، هناك لغتان رسميتان: العبرية والعربية. وتُكتب معظم اللافتات باللغتين. أما لافتات المكاتب التابعة لوزارة الزراعة فتُكتب بالعبرية فقط.

5- تختفي اللافتات العربية في الأحياء التي يقطن فيها اليهود.

6- الشركات الخاصة لا تستعمل العربية.

7- برامج تدريس العبرية للأطفال الإسرائيليين اليهود آخذة في التراجع[17].

صدرت وثيقة عن وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في يونيو 1995م تنص على أن اللغة الأم هي العبرية، ولا يجوز التعليم بغيرها لغةً أولى ولا توجد جامعات ناطقة باللغة العربية في إسرائيل[18].

وضع الأسماء العبرية لجميع المعالم الجغرافية في خريطة إسرائيل، منذ أربعينيات القرن العشرين، وكتب على الخريطة أرض إسرائيل Land of Israel وبالعبرية Eretz Israel[19].

أما عن المدارس الصهيونية؛ فلقد سعى اليهود منذ وجودهم في أرض فلسطين إلى تأسيس مدارس تعلم باللغة العبرية، فلقد أنشئت أول مدرسة عام 1890م أنشأها إسرائيل «بلقيند» في مدينة يافا. ثم تلتها مدارس أخرى؛ ففي عام 1909 أُنشئت مدرسة ثانوية في تل أبيب، وأخرى ثانوية مدينة القدس. وأُسست مدرسة عليا سُمِّيت (أحباء صهيون) وكان الغرض منها تخريج معلمات للتدريس في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية. وعندما تقابلهم مشكلة مثل عدم ملائمة اللغة العبرية للتعبير عن الأفكار والمعاني الحديثة، كان يتصدى لها المتخصصون اللغويون لحل هذه المشكلة، وأعدُّوا مدرسين أكفياء لتدريس هذه اللغة وتوفير الكتاب المدرسي في أيدي الطلاب. وتم تأسيس المسرح المدرسي في تلك المدارس حيث استغله الصهاينة بشكل جيد لنشر اللغة العبرية، ولتتناول مضامين تاريخية دينية تربط المستوطن الجديد بمكانه الجديد[20].

وأنشئت مسارح في معسكرات الانتقال الذي عرف بـ (تيليم)، يقدم عروضاً خاصة بلغة عبرية سهلة للمهاجرين الجدد في المجتمع الصهيوني. وبذلك يرى المسؤولون في إسرائيل أن أي توطين للتكنولوجيا المعاصرة لا يمكن إنجازه بدون العبرنة الشاملة؛ فأُسس التوطين تكمن في أن تُدرس سائر المواد العلمية والتقنية في كل الجامعات والمعاهد باللغة العبرية. وأن تستعمل اللغة العبرية في مراكز البحث العلمي أيضاً[21].

عرف الكيان الصهيوني أهمية اجتماع كل اليهود على لغة واحدة؛ برغم اختلاف لغاتهم السابقة، فاختاروا اللغة العبرية لتكون اللغة الجامعة لهذا الكيان، وبذلوا كل المجهودات في سبيل إحيائها من جديد، وبالفعل نجحوا في ذلك.

وفي نهاية المطاف يمكن القول إن اللغة التي لا تُسْتخدم تموت.

 


 


[1] حسن ظاظا، الشخصية الإسرائيلية، دمشق، دار القلم، 1985م، ص23.

[2] الوعري، نائلة: دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840- 1914م، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2007م، ص196.

[3] الدونم يساوي 1000 متر مربع.

[4] إبراهيم، بلال بن محمد صالح، الاستيطان الإسرئيلي في الضفة الغربية وأثره على التنمية السياسية، رسالة ماجستير، كلية الدراسة العليا جامعة النجاح الوطنية، نابلس فلسطين، 2010م، ص84.

[5] المرجع السابق، ص84، 85.

[6] كوزري. رون. د، كيف نشأت اللغة العبرية الإسرائيلية؟، قضايا إسرائيلية، مركز مدار، العدد 23، سبتمبر 2006م ص114.

[7] حسين، محمد بن أحمد صالح، اللغة العبرية والجهود الصهيونية لإحيائها، مجلة جامعة الملك سعود، م 18، اللغات والترجمة، 2005م، ص14.

[8] الشرقاوي، فواز بن حامد، السكان اليهود في فلسطين دراسة في الصراع السكاني خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية)، م 15، العدد الثاني 2007م، ص640.

[9] عبد العظيم، عبد العظيم بن أحمد، التخطيط اللغوي لتأصيل الهوية العبرية في فلسطين دراسة في جغرافية اللغات، مؤتمر الهوية واللغة في الوطن العربي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدوحة، 2012م، ص6.

[10] الشرقاوي، فواز بن حامد، المرجع السابق، ص636.

[11] حسين، غازي، الاستيطان اليهودي في فلسطين من الاستعمار إلى الإمبريالية، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م، ص30.

[12] حسين، محمد بن أحمد صالح، المرجع السابق، ص15، 16.

[13] عبد العظيم، عبد العظيم بن أحمد، المرجع السابق، ص23.

[14] حسين، محمد بن أحمد صالح، المرجع السابق، ص15، 16.

[15] المرجع السابق، ص19.

[16] عبد العظيم، عبد العظيم بن أحمد، المرجع السابق، ص13- 15.

[17] نفسه، ص23 - 25.

[18] نفسه، ص26.

[19] نفسه، ص27.

[20] حسين، محمد بن أحمد صالح، المرجع السابق، ص21.

[21] نفسه، ص21.