لم تكن عملية اقتحام رئيس وزراء الكيان الصهيوني للحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل يوم الأربعاء 5/1/1441هـ، الأولى لزعيم صهيوني، ولن تكون الأخيرة؛ فالسياسات الصهيونية تجاه المقدسات الإسلامية في فلسطين ليست وليدة صدفة؛ لقد تم التخطيط لها في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية في نهاية شهر آب من عام 1897م. وتشير الدراسات المختلفة إلى أن الحركة الصهيونية بدأت باتباع سياسات محددة تجاه الزحف إلى الأراضي الفلسطينية عبر طرق مختلفة؛ وذلك لانتزاع الأسماء العربية وطمـسها، وأن تستبدل بها أسماء عبرية، بغية تهويدها في نهاية المطاف، وتعتبر السنوات الأولى من ثمانينيات القرن التاسع عشر نقطة البداية للتغلغل الصهيوني في فلسطين وتغيُّر أسماء بعض القرى.

ففي شمال مدينة صفد في الجليل الفلسطيني، تم بناء مستوطنة صهيونية في السنوات المذكورة على قسم من أراضي قرية الجاعونة وتسميتها باسم عبري (روشبينا). وكانت الوكالة اليهودية شكلت لجنة خبراء يهود تتألف من (24) خبيراً، مهمتها اختيار أسماء للمستوطنات التي ستقام في الأراضي الفلسطينية التي يمكن التسلل إليها، وقد استطاعت الحركة الصهيونية ومنظماتها المختلفة تغيير أسماء (216) موقعاً عربياً في فلسطين حتـى أيار من عام 1948م، وهـو العـام الذي أنشئ فيه الكيان الصهيوني في ظروف سياسية استثنائية على 78% من مساحة فلسطين؛ حيث قام أول رئيس وزراء صهيوني (دافيد بن غوريون) بضم اللجنة المذكورة إلى ديوانه، وقامت اللجنة بدورها بوضع (560) اسماً عبرياً بدلاً من أسماء مواقع عربية حتى عام 1953م، وذلك بغـرض طمس هويتها العربية والإسلامية.

في عام 1948م كانت مساحة أراضي الوقـف الخيري الإسلامي في فلسطين (178.677) دونماً، قامت السلطات الصهيونية بوضع خطط بعد العام المذكور لمصادرة وتهويد تلك الأراضي والممتلكـات والمواقع، وقد تم ذلك بالفعل عبر اتباع سياسات محددة يمكن إجمالها بما يلي:

أولاً: حل الكيان الصهيوني المجلس الإسلامي الأعلى ولجنة الأوقاف الإسلامية.

ثانياً: أصدر الكيان قوانين جائرة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، ومن بينها ما يسمى قانون أملاك الغائبين، الذي سيطرت السلطات الصهيونية من خلاله على ممتلكات الأوقاف.

ثالثاً: تم إنشاء سلطة التطوير الصهيونية التي وضعت يدها على الأوقاف الإسلامية من خلال شراء تلك الأوقـاف من حارس أملاك الغائبين، الأمـر الذي جعل القسم الأكبر من الأوقاف الإسلامية تحت سيطرة سلطة التطوير.

رابعاً: في عام 1953م أصدر الكيان الصهيوني قانوناً من أجـل تبرير المبيعات من قبل حرس أملاك الغائبين إلى سلطة التطوير؛ وذلك بغية تقنين مصادرة الأملاك والأوقاف الإسلامية. وخلال مدَّة وجيزة استطاعت سلطات الاحتلال الصهيونية بين الأعوام من 1948م إلى عام 1967م هدمَ وتدميرَ (130) مسجداً في المناطق التي أنشئت عليها إسرائيل، وتمثل تلك المساجد نحو (41.5%) من إجمالي عدد المساجد داخل المناطق الفلسطينية التي أنشئ عليها الكيان، والتي وصل عددها إلى (313) مسجداً، وبات نحو (8400) مَعْلَماً عربياً إسلامياً في مواجهة سياسة التزوير والهدم الإسرائيلية.

ومن الإجراءات التي اتبعتها السلطات الصهيونية لتهويد المقدسات الإسلامية: الحملةُ الكبيرةُ على المساجد والمقابر الإسلامية في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، فتم تحويل مسجد بئر السبع إلى متحف للآثار، وكذلك هي الحال بالنسبة لمسجد صفد في الجليل الفلسطيني، وقامت السلطات الصهيونية بتحويل مسجد قرية قيسارية في قضاء حيفا في الساحل الفلسطيني إلى خمارة للشباب اليهود، وكذلك تم تحويل مسجد ظاهر العمر في مدينة طبريا في الجليل إلى مطعم، في حين تم تحويل مسجد عين حوض إلى مرقص ليلي للمستوطنين اليهود، وفي مدينة حيفا حوَّل الجيش الصهيوني مقبرة الاستقلال هناك إلى حي سكني لليهود. وهناك محاولات صهيونية حثيثة منذ سبعينيات القرن الماضي لهدم مقبرة قرية بلد الشيخ في جنوب شرق مدينة حيفا على سفح جبل الكرمل، حيث يوجد رفات الشهيد المجاهد السوري الكبير (عز الدين القسام) الذي استشهد في أحراج يعبد قضاء مدينة جنين في نهاية عام 1935م، وهو المجاهد الذي أسس لثورة فلسطين الكبرى عام 1936م. ولم تتوقف السلطات الصهيونية عنـد هـذا الحد؛ بل قامـت بجرف العديد من المقابر الإسلامية في عكا ويافا والأقضية محاولة تهويد المنطقة. 

إضافة إلى سياسة هدم المقابر والمساجد وجرفها، قام الجيش الصهيوني تحت حجج أمنية وغيرها، بتحويل المساجد المقامة التي لم يستطع هدمها داخل المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948م إلى معابد لليهود. وتشير الدراسات المتخصصة، إلى أن الجيش الصهيوني حول (14) مسجداً إلى معابد يهودية، ومنع المسلمين من الصلاة في (19) مسجداً، لتُحوَّل في ما بعد على يد الجيش الصهيوني إلى مرتع للقمار أو مطعم أو حظيرة خنازير أو خراف، مثل مسجد البصة ومسجد عين الزيتون في قضاء مدينة صفد، وهناك (50) مسجداً ومقاماً إما مغلقة وإما مهملة وإما مهددة بالهدم والإزالة من الوجود. وبشكلٍ عامٍّ لا تتعدى المساجد المذكورة 10% من إجمالي مساجد فلسطين التي هدمت خلال فترة الاحتلال الصهيوني (1948 - 2019م).

وبعد احتلال الضفة وقطاع غزة في عام 1967م، لم يتوقف الكيان الصهيوني عن سياساته في هدم وتهويد الأماكن المقدسة عند العرب المسلمين وكذلك المقدسات بعينها؛ فخلال اثنين وخمسين عاماً من الاحتلال لباقي الأراضي الفلسطينية، حصلت اعتداءات متكررة على المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، وكان من أبرز الاعتداءات: محـاولة إحراق الأقصى في عام 1969م، ومجزرة الحرم الإبراهيمي في عام 1993م، واقتحام رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو للحرم الإبراهيمي يوم الأربعاء 5/1/1441هـ.

بعد تدمير عشرات المساجد منذ عام 1948م داخل فلسطين المحتلة، مروراً بمرحلة انتفاضة الأقصى، وتغيُّر أسماء المواقع المقدسة لجهة تهويدها، وكذلك محاولات السلطات الصهيونية لتهويد ما تبقى من الأماكن المقدسة، تُحتِّم الضرورة الإسراع لحماية المقدسات الإسلامية في فلسطين، من خلال توحيد الخطاب الإسلامي إزاء خطر السياسات الصهيونية التهويدية المشار إليها، ومطالبة المنظمات الدولية ذات الصلة بالحفاظ على دُور العبادة والمقدسات للضغط على إسرائيل حتى تنصاع للقرارات الدولية والأعراف الخاصة بالمقدسات والأوابد التاريخية.