«إذا كنت تريد التفاوض لتحقيق السلام بعد 18 عاماً من القتال؛ فعليكم التحدث مع بعض اللاعبين الأشرار».

هذا تصريح لوزير الخارجية مايك بومبيو في مقابلة تلفزيونية ردّاً على الانتقادات الموجَّهة لترامب بعد تغريدات للرئيس الأمريكي أكد فيها إلغاء اجتماعٍ ثلاثي كان مقرراً له بقادة حركة طالبان والرئيس الأفغاني أشرف غني، وقد أحدثت الأنباء التي تحدثت عن اللقاء بقيادات الحركة الذي لم ينعقـد هـزة كبيرة في واشنطن؛ خصوصاً أنه كان مفاجأة للكثيرين في هذا التوقيت تحديداً.

وتساءل كثيرون عن مستقبل المفاوضات بين الحركة وأمريكا، وهل سيستمر هذا التعليق؟

لكي ندرك مستقبل المفاوضات بين أمريكا وطالبان يجب أن ندرك في البداية الأسباب التي دفعت أمريكا لاحتلال أفغانستان وإسقاط طالبان، ثم بعد فترة طويلة اندفعت في مفاوضات مع الحركة، ثم أخيراً انسحابها من هذه المفاوضات وإعلان التصعيد العسكري بعد أن كان قد أعلن عن اتفاق وشيك.

الدافع الأمريكي لاحتلال أفغانستان وإسقاط حكومة الملا عمر:

بعد أن استهدفت القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001م مقرَّ وزارة الدفاع الأمريكية وضربت قلب نيويورك؛ سارع وزير الخارجية الأمريكي حينذاك كولن باول إلى الإعلان رسمياً أن ما حصل هو إعلان حرب على الولايات المتحدة، وفي حديث صحفي بعد ذلك كشف رئيس الاستخبارات الباكستاني السابق الأهداف الأمريكية قائلاً: هناك هدفان لأمريكا:

الأول يرمي إلى ضرب ظهور حلف إسلامي يضم كلاً من باكستان وأفغانستان.

أما الهدف الثاني فهو تفعيل الخطة البريطانية القديمة في المنطقة القاضية باحتواء روسيا وعدم السماح لها بالوصول إلى المياه الدافئة، إضافة إلى احتواء شمال غربي الصين الطامحة إلى الحصول على ممر إلى المحيط الهندي عبر باكستان وأفغانستان.

وبالإضافة إلى ما سبق فهناك نفط بحر قزوين حيث تضم المنطقة حسب التقديرات الغربية أكبر احتياطي للنفط في العالم، وأمريكا تريد من خلال القاعدة الأفغانية المزمع إنشاؤها أن تجعل لها اليد الطولى على هذه الثروة.

بينما كانت الإستراتيجية العلنية للولايات المتحدة من حربها في أفغانستان طبقاً لمجلة فوربس الأمريكية[1] تتضمن ثلاثة أهداف: إزالة نظام طالبان، وتدمير قاعدة عمليات تنظيم القاعدة في أفغانستان، ودعم إقامة نظام أفغاني جديد يخدم المصالح الأمريكية.

وتحققت بالفعل إزاحة طالبان عن الحكم، وتم تدمير تنظيم القاعدة في أفغانستان، ولكن إقامة نظام ديمقراطي في أفغانستان بدت أمراً صعب المنال في بيئة وثقافة غير غربية وفي ظل مقاطعة من البشتون الذين هم أكبر الطوائف في أفغانستان وفي الوقت نفسه تصاعدت عمليات طالبان المدعومة من باكستان... كل ذلك جعل الإستراتيجية الأمريكية في أفغانستان تتهاوى.

وبلغت الكلفة الأمريكية للحرب في أفغانستان بحسب المجلة الأمريكية نفسها حتى يناير 2019م نحو تريليون (أي ألف مليار) و70 مليار دولار، إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة.

لقد كان عدد الجنود الأمريكيين في بداية الحرب على أفغانستان في حدود 2500 جندي استطاعت بهم أمريكا مع القوات الأفغانية الأخرى الموالية لها والمعادية لطالبان أن تهزم طالبان وتزيحها عن الحكم ولكن بعد أن أفاقت طالبان من الصدمة وبمساعدة من المخابرات الباكستانية استطاعت أن تلُمَّ شعثها في بضع شهور وتبدأ في شن حرب عصابات ضد القوات الأمريكية وحلفائها، وهنا اتخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة قراراً بالمواجهة العسكرية فارتفع حجم القوات الأمريكية تدريجيّاً حتى وصل عام 2010م إلى ما يقرب من مائة ألف جندي أمريكي حتى تمكنت تلك القوات من قتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن، ومِن ثَمَّ بدأت أمريكا في خطط الانسحاب وتقليل القوات حتى وصلت في نهاية عهد أوباما إلى ما يقرب من عشرة آلاف جندي. ومع وصول الرئيس ترامب إلى الحكم وتزايد هجمات طالبان التي اتخذت منحىً أشدَّ عنفاً تم رفع عدد الجنود الأمريكان إلى ما يقرب من أربعة عشر ألف جندي، ومن هنا بدأت المفاوضات بين طالبان وأمريكا برعاية باكستانية حتى أعلن المبعوث الأمريكي إلى أفغانستان زلماي خليل زاد في سبتمبر من هذا العام (2019م)، أنه بموجب اتفاق (مبدئي) تم التوصل إليه مع حركة طالبان، سيتم سحب أول 5000 جندي أمريكي من 5 قواعد في أفغانستان في غضون 135 يوماً من توقيع الاتفاق النهائي مقابل تعهد طالبان بعدم السماح للمقاتلين الأجانب باستخدام أفغانستان نقطة انطلاق لشن هجمات عالمية.

ولكنَّ الاتفاق الأمريكي مع طالبان ما يزال غامضاً، وبنوده السرية أكثر من العلنية... ولم تمض ساعات على هذا الإعلان حتى أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه ألغى مفاوضات السلام التي يجريها منذ عام مع حركة طالبان، بعدما أعلنت الحركة مسؤوليتها عن هجوم كابل الذي أسفر عن قتل جندي أمريكي و 11 شخصاً آخرين.

هكذا كانت الأسباب المعلنة لوقف المفاوضات وهي الهجوم الذي أسفر عن مقتل جندي أمريكي؛ فهل كانت تلك هي الأسباب الحقيقية لوقف المفاوضات؟

لفهم هذه الأسباب يجب علينا سبر غور الفكر السياسي لترامب الذي تتحرك إدارته على أساسه.

بداية تحكم الإستراتيجيات الأمريكية في العالم ثلاث قواعد رئيسة: الدين، والمال، والقوة، وبينما تتفق الإدارات الأمريكية المتعاقبة على هذه المبادئ إلا أنها تختلف على تقديم أيٍّ من هذه القواعد وجعلها أولوية في سياسة كل إدارة أمريكية.

ومع مجيء ترامب إلى سدة الحكم بدا أن المحافظين الجدد في إدارته - والذين لعبوا دوراً حاسماً في فوزه في الانتخابات الرئاسية - هم الذين يوجهون سياساته بالتشدد الديني ضد الإسلام وسيادة منطق القوة في تعاملات أمريكا في الداخل والخارج، ولكن مع الوقت أدرك ترامب أن هذه السياسات قد جلبت له كثيراً من المتاعب حتى نقمة أنصاره من الجمهوريين في الكونجرس؛ فبدأ يتخلص من مستشاريه المحافظين المتطرفين وينحو نحو سياسة أكثر نفعية مرتبطة بالمال تتناسب مع قدراته وطباعه وميوله.

ولذلك فإن ترامب سيميل في الفترة القادمة إلى استرضاء سنده من النواب والشيوخ الجمهوريين وكذلك محاولته التوافق مع أجهزة الدولة الأمريكية العميقة وخاصة المتمثلة في وزارتَي الخارجية والدفاع والمخابرات الأمريكية؛ خاصة مع معاناته من ضغوط الديمقراطيين في مجلس النواب، التي تتعلق بفضائحه السياسية التي وصلت إلى حد المطالبة بمحاكمته.

هذه الأسباب السابقة دفعت ترامب نحو التنازل عن مفردات القوة في خطابه وأفعاله وجعلت إستراتيجيته ذات بُعدين:

الأول: الانسحاب الأمريكي العسكري من المناطق الملتهبة.

الثاني: التركيز على جباية الأموال من الحلفاء مقابل خدمات أمريكا العسكرية.

وهو بذلك يعود إلى الإستراتيجية الأمريكية التي اتبعها أوباما، والتي كانت تقوم على إدارة المصالح الأمريكية في العالم من الخلف عن طريق الوكلاء؛ ولكن ترامب يعززها بالابتزاز المالي الذي يجعل القوة الاقتصادية الأمريكية تتعاظم وتستطيع بها المنافسة مع الصين العدو الإستراتيجي الأول لأمريكا.

 ولكن سياسة الانسحاب العسكري إن لم تتبعها المحافظة على المصالح الإستراتيجية الأمريكية؛ فإنها تعرِّض المكانة الأمريكية في العالم للخطر؛ وهذا ما دفع أوباما في السابق إلى التراجع عن خطط الانسحاب من أفغانستان، بل عمل على زيادة أعداد القوات حتى بلغت مائة ألف جندي وبمجيء ترامب الذي أراد حل هذه المعضلة الإستراتيجية باستبدال النفوذ العسكري الواسع في أفغانستان بنشاط كبير للمخابرات الأمريكية تحت حماية عسكرية قليلة، وهذا ما رفضته وكالة المخابرات الأمريكية نفسها؛ خاصة مع عدم الثقة في طالبان وحليفتها باكستان، وهذا ما أفصحت عنه مديرة المخابرات الأمريكية نفسها في تصريحات علنية لصحيفة نيويورك تايمز، وربما أرادت بها إحراج ترامب حيث عبَّرت جينا هاسبيل عن مخاوف لوجستية بشأن الخطة المقترحة لتوسيع عمل الوكالة قبل الرحيل، وأكدت أن هناك خطراً شديداً على عملاء الوكالة، كما حذرت من عمليات انتقامية ضد الولايات المتحدة، وهي المخاوف التي رفض مسؤولو البيت الأبيض التعليق عليها بحسب الصحيفة الأمريكية.

وربما هذا الذي فهمته إدارة ترامب أيضاً من رسالة طالبان على الأرض إلى أمريكا من تفجير يوم إعلان المفاوضات ملخصها: لن تحصلي على السلام إلا بعد رحيل آخر جندي أو عميل مخابراتي أمريكي.

أضف إلى ذلك ما نشرته وكالة رويترز من بيان أصدره تسعة دبلوماسيين أمريكيين سابقين يمثلون نخباً دبلوماسية على علاقة بالأزمة؛ فمنهم خمسة سفراء أمريكيين سابقين في كابول، ومبعوث خاص سابق لأفغانستان ونائب سابق لوزير الخارجية، طالبوا فيه المبعوث الأمريكي الحالي لأفغانستان خليل زاد وعرَّاب الاتفاق الأمريكي مع طالبان بالوضوح أولاً قبل الحديث عن تسوية، وتحديد فترة بقاء القوات المتبقية في أفغانستان، وما هي الشروط التي تحدثت عنها الإدارة الأمريكية، والأطر الموضوعية الكفيلة بإنجاحها، وما هو الضمان في إلزام حركة طالبان بمنع تنظيم القاعدة المتحالف معها منذ عقود أو الجماعات الأخرى من اتخاذ أفغانستان منصة انطلاق لشن هجمات على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

كـذلك ما كشفته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية[2] من الخلافات بين مسؤولي الإدارة التي خرجت للعلن، وتقول الصحيفة: إن التوترات بشأن الصفقة المحتملة وضعت وزير الخارجية مايك بومبيو والمفاوض الأمريكي زلماي خليل زاد ضد مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي عارض الاتفاق.

فبولتون - وَفْقاً للصحيفة الأمريكية - لم يعارض تخفيض مستوى القوات الحالي؛ ولكنه عارض اتفاقاً مع طالبان. وموقفه هو أن الرئيس يستطيع الوفاء بحملته الانتخابية من خلال تخفيف الوجود الأمريكي في أفغانستان دون أن يعقد اتفاقاً مع طالبان.

بينما صرح بومبيو وزير الخارجية أن الرئيس لديه استعداد للمخاطرة من أجل خفض القوات الأمريكية في أفغانستان. وقال في برنامج (هذا الأسبوع) على شبكة إي بي سي: «لو كنت تتفاوض من أجل السلام فعليك أن تتعامل مع شخصيات سيئة».

كل ذلك من الأسباب - وربمـا ثمة أسباب أخرى غير معلنة - التي دفعت ترامب إلى إلغاء المفاوضات.

ولكن هل ستستمر إدارة ترامب في موقفها الرافض للتفاوض؟

يكاد يُجمِع المراقبون للشأن الأفغاني والأمريكي على أن هذه المفاوضات ستستمر في أقرب فرصة لعدة اعتبارات، أهمها: أن الانسحاب العسكري من مناطق النزاع التي تكلف أمريكا أرواحاً وأموالاً هو إستراتيجية أصيلة لترامب ووعد انتخابي؛ وهذا الانسحاب لن يكون آمناً إذا تم من طرف واحد، لذلك اعتبر مايكل كوغلمان من مركز ويلسون للدراسات، أن المشكلة تكمن في أن «الحكومة الأمريكية كانت على استعداد للتفاوض من موقع ضعف» وتساءل عبر تويتر: «ترامب يريد مغادرة أفغانستان؛ فهل ينسحب حتى بدون اتفاق؟» متوقِّعاً استئناف المفاوضات.

ويقول المحلل السياسي الأمريكي أندرو كوريبكو - وهو متخصص في الإستراتيجية الأمريكية في الأفرو/ أوروآسيا -: إنه بينما انهارت محادثات سلام طالبان بشكل غير متوقع بعد هجوم كابول، إلا أنه ما يزال من الممكن إحياؤها إذا تم استغلال خروج بولتون كحل وسط (لإنقاذ ماء الوجه) من قبل ترامب للقيام بذلك وراء الكواليـس. وبالرغم من أنه ما يزال هنـاك ضغط شديد على ترامب لتكثيف الهجمات ضد طالبان، ولكن أي تحرك في هذا الاتجاه قد يكون محدوداً بعد اللقاء بين قائد القيادة المركزية الأمريكية مع نظيره في الجيش الباكستاني، الذي نتج عنه إدراك ترامب عدم جدوى القيام بذلك.

ولعل ما يدعم هذا الاتجاه الإفراج عن عدد من كبار أعضاء حركة طالبان أفغانستان، مقابل إطلاق سراح ثلاثة مهندسين هنود كانوا مختطفين لدى طالبان، كما أورد موقع البي بي سي، أنه كان من بين أعضاء طالبان المفرج عنهم، والبالغ عددهم 11 شخصاً، عضو في جماعة حقاني المتشددة. ويعد الهنود الذين أطلق سراحهم يوم الأحد جزءاً من مجموعة تضم سبعة مهندسين اختطفوا قبل أكثر من عام مع سائقهم في شمالي أفغانستان، وقد جاءت هذه الأنباء بعد تقارير تفيد بأن طالبان التقت المبعوث الأمريكي للسلام، زلماي خليل زاده، للمرة الأولى منذ انهيار المحادثات.

كذلك تصريحات المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة طالبان سهيل شاهين الذي ذكر فيها أن وفداً من المكتب السياسي للحركة برئاسة نائب زعيمها، الملا عبد الغني برادر، اختتم جولة قام خلالها بزيارة إلى روسيا والصين وإيران وباكستان «قد تلقى دعماً لموقف حركة طالبان»، لافتاً إلى أن «هذه الدول تطالب أمريكا بالعودة إلى طاولة المفاوضات وتوقيع اتفاق السلام».

وعلى ما يبدو فإن ترامب يتمتع بالمغامرة كرجل أعمال، وكما يقول بومبيو وزير الخارجية الأمريكي فإن الأمر يستحق المغامرة. فضلاً عن حسابات ترامب ومصالحه من هذا الاتفاق التي تتغلب على سلبياته وهذا في الغالب ما سوف يتحقق في المستقبل القريب.

 


 


[1] https://cutt.us/WKedO

[2]https://www.washingtonpost.com/national-security/collapse-of-afghanistan-peace-talks-spotlights-internal-trump-administration-divisions/2019/09/08/c7d57412-d24b-11e9-86ac-0f250cc91758_story.html