الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

 الوقوع في الأخطاء سُنة كونية لا يمكن أن ينفكَّ عنها أيُّ تجمع بشري؛ فكل الناس عُرضَة للوقوع فيها، ويسمو مقامهم وترتفع مكانتهم بحسب كثرة أعمالهم الصالحة، وقلة أعمالهم السيئة، وأما السلامة من الخطأ فمن المحال.

ولهذا، فإن من المهم على كل عاملٍ لدين الله أن يكون واعياً بكيفية التعامل مع هذه الأخطاء، حتى يسلك الطريق العمليَّ الصحيح في ذلك، بما يقلل هـذه الأخطاء، ويخفف من غلوائها، ويكثر الحسنات المزاحمة لها.

ومن أهم الأصول في التعامل مع الأخطاء: البيان والوضوح في معرفة الخطأ، والاعتراف به، والإنكار على صاحبه بالحكمة والموعظة الحسنة، ومهما وقعنا في أخطاء في التعامل مع الأخطاء فإنه لن يتجاوز في خطورته خطأ إنكار وقوع الخطأ، والتمحل منه، والبحث عن المخارج والمداخل التي تبعد عن الاعتراف بحقيقة الخطأ.

يلفت نظرك في خطاب القرآن أن الله عاتب المؤمنين من أكارم الناس في مواضع كثيرة على أمورٍ وقعت منهم، وكان الخطاب لهم بالعموم؛ فقال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٥٢].

وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: ٢].

كما عاتب الله تعالى بعض الصحابة على بعض الأعمال المحرَّمة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْـمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْـحَقِّ } [الممتحنة: ١].

مع أن الفعل كان متعلقاً بخطأ شخص واحد، لكن التنبيه جاء عاماً للجميع، وهو درس في التعامل مع الأخطاء أن يستفاد منه في توعية الجميع منه، فوقوع الخطأ من شخص قد يكون نافعاً للجميع إذا نصحوا منه وانتبهوا من آثاره.

ويوجه ربنا في القرآن بعض الصحابة إلى ما هو أكمل من فعلهم، كما قال تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْـمَسَاكِينَ وَالْـمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبـُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: ٢٢].

وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم  من وقائع تصحيح الأخطاء وتعليم المؤمنين كيفية التعامل الشيء الكثير، فمن ذلك:

أنَّ بعض الصحابة - رضي الله عنهم - لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم حنين: «اجعل لنا ذات أنواط كما لَهم ذاتُ أنواطٍ، قال: سبحانَ اللهِ! هذا كما قالَ قومُ موسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، والَّذي نفسي بيدِهِ! لترْكبُنَّ سنَّةَ مَن كانَ قبلَكم»[1].

وحين جاء ثلاثُ رهطٍ إلـى بُيوتِ أزواجِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم ، يَسأَلونَ عن عبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فلما أُخبِروا، كأنهم تَقالُّوها، فقال أحدُهم: أما أنا فإني أُصلِّي الليلَ أبداً، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطِر، وقال آخَرُ: أنا أعتزِلُ النساءَ فلا أتزوَّجُ أبداً، فجاء رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم  فقال: «أنتمُ الذين قلتُم كذا وكذا؟ أما واللهِ! إني لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطِر، وأُصلِّي وأرقُدُ، وأتزوَّجُ النساءَ ، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني»[2].

ولَـمَّا كان عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه يأكل، وتطيش يده في الصحفة، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك وكل مما يليك»[3].

ولَـمَّا صلى معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعطس رجل وقال الحمد الله، قال معاوية: يرحمُك اللهُ! فرماه الصحابة بأبصارهم، فقال: واثُكلَ أُمِّياه! ما شأنُكم؟ تَنظُرونَ إليَّ؟ فجعَلوا يَضرِبونَ بأيديهم على أفخاذِهم. فقال معاوية: فبِأبي هو وأمِّي! ما رأيتُ مُعَلِّماً قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعليماً منه. فواللهِ! ما كهَرَني ولا ضرَبَني ولا شتَمَني. قال: «إنَّ هذه الصلاةَ لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآنِ»[4].

ولَـمَّا جاء أعرابي فبال في المسجد، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لا تُزْرِمُوه، دَعُوهُ، فتركوه حتى بال، ثم إن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم  دعاه فقال له: إن هذه المساجدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ من هذا البولِ ولا القَذَرِ، إنمـا هـي لِذِكـرِ اللهِ عز وجـل، والصلاةِ، وقِراءةِ القرآنِ»[5].

ولَـمَّا سمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  في خصومة يتنادون: يا للأنصار! ويا للمهاجرين! خَرَج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  فَقال: «ما بالُ دَعـوى أهلِ الجاهليَّةِ»[6]. وأنكر على أبي ذر رضي الله عنه حين عيَّر رجلاً بأمه فقال: «إِنَّك امْرُؤٌ فيك جاهليةٌ»[7].

وحين قدم عليه وفد بني عامر فقالوا له: أنت سيدنا، قال لهم: «السيد الله تبارك وتعالى». قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً، فقال: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان»[8].

ووقائع ذلك كثيرة جداً في السنة النبوية.

وهذا يدعونا إلى ضرورة أن يضع كلُّ مصلح لنفسه منهجاً في كيفية تعامله مع أخطائه، ومع أخطاء غيره، ويمكن أن نضع له ملامح مختصرة هنا:

ضرورة الاعتراف بالخطأ، والمبادرة إلى تصحيحه، والابتعاد عن الأعذار المنكِرة له أو المهوِّنة من أثره.

الرفق في التعامل مع الأخطاء، وهذا هو الأصل وفي غالب الأحوال، وقد يحتاج العلاج أحياناً إلى شدة وحسم بحسبه.

وضـع الخطأ فـي نصــابه الطبيعـي؛ فالخطأ لا يُسقط قيمـة الشـخص، ولا يلغـي مكانته، بل قد يكون حاله بعد الخطأ خيراً من حاله قبل ذلك بسبب ما تبع الخطأ من توبة وحسن عمل.

أهمية التعليم العام الذي ينتفع به الجميع، وأن لا يقتصر الأمر على فئة معينة تدرك الخطأ وصوابه، بينما يخفى الحال على عموم الناس.

أهمية العناية بالعمل، والدعوة، ونشر الخير، الذي تكون فيه الأخطاء والأغلاط والتجاوزات من الأمور العارضة لِـمَعين الإصلاح والخير والنفع العام، ومن اليسير الذي لا يضر.

تقبُّل النقد وتقويم الأخطاء، وتعويد النفس على سعة الصدر في تحمُّل الأخطاء، حتى وإن تضمَّن النقد خطأ، أو تُحفِّظ على أسلوبه أو وقته أو سياقه، فلن يُصلِح من خطئه ولن ينتفع من النصح من يلاحظ أخطاء الناصحين.

 


 


[1] أخرجه الترمذي: 2180، وقال: حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح.

[2] أخرجه البخاري: 5063.

[3] أخرجه مسلم: 2022.

[4] أخرجه مسلم: 537.

[5] أخرجه مسلم: 285.

[6] أخرجه البخاري: 3518.

[7] أخرجه البخاري: 6050.

[8] أخرجه أبو داود: 4806. وقال الألباني: صحيح.