صدر منذ وقت طويل عددٌ من الدراسات تتناول قضية استخدام اللغة العامية في حياة العرب اليومية وأثرها على تطور اللغة العربية.

واتفق عدد من الكتاب الذين اشتهرت أسماؤهم كأعلام للفكر الإسلامي على خطورة العامية وأثرها المدمر للغة القرآن ومن هؤلاء: محمود محمد شاكر في كتابه (أباطيل وأسمار)، والدكتور محمد محمد حسين في (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) في مصر، والدكتورة عائشة عبد الرحمن في كتابها (لغتنا والحياة)، وكذلك أنور الجندي الذي ألف كتابين في هذا الموضوع أحدهما (الفصحى لغة القرآن) وكذلك كتابه (اللغة العربية بين حماتها وخصومها)، وهناك أيضاً كتاب (القومية الفصحى) للدكتور عمر فروخ.

والكتاب الذي بأيدينا اليوم (تاريخ الدعوة إلى العامية وأثرها في مصر)[1] للدكتورة نفوسة زكريا سعيد يأتي في إطار الاستشعار بخطورة الدعوة إلى العامية وأثرها على اللغة العربية ومن ثَمَّ التأثير المدمر التربوي للأجيال الناشئة.

ويتفرد كتاب الدكتورة نفوسة عما سبقه من كتب بميزتين هامتين:

الأولى: أنه أول كتاب مستقل يستغرق كله في هذا الموضوع وليس فصلاً أو في ثنايا الكتاب.

أما الميزة الثانية للكتاب فهو جديته وأسلوبه السلس مع التزامه بخطوات البحث العلمي.

يقول الدكتور محمود محمد شاكر[2] عن كتاب الدكتورة نفوسة: «إن الجهد المبذول في جمع مادة هذا الكتابِ جهد يدل على التجرد الصحيح السليم في طلب المعرفة وعلى الصدق في السعي إلى الحقيقة وعلى النفاذ في إدراك الحقائق وعلى الصبر في معاناة التنقيب بلا كلل ولا ملل. ولا أظنني قرأت منذ سنوات طوال كتاباً يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة بذل فيـه صاحبـه من الوقت والجهد والأناة ما بذلت الدكتورة نفوسة في كتابها هذا ولا أظنني قرأت أيضاً في الدهر كتاباً ينبغي لكل عربي وكل مسلم أن يقرأه من ألِفه إلى يائه يضارِع هذا الكتاب. وحسبها أنها استطاعت أن تجلو للناس صوراً صحيحة صادقة مؤيدة بالأسانيد بلا تزيُّد ولا كذب ولا ادعاء عن أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي وهي معركة البناء أو الهدم معركة الحياة أو الموت معركة الحرية أو الاستعباد معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي الفصحى أو تفرق العرب والمسلمين أشتاتاً بلغات متنابذة هي العامية. ولو أن لي من الأمرِ شيء لأمرت أن يطبع هذا الكتاب ليكون في يدِ كل شاب وشابة وكل رجل وامرأة ويكون له مختصر ميسر لكل من مكنه الله من القراءة».

ولِدت (د. نفوسة) في الإسكندرية في 3 نوفمبر 1921م وفي عام 1946م نالت درجة الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة الإسكندرية بتقدير ممتاز، لتكون أول معيدة بالقسم وبالكلية. وفي عام 1959م نالت درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى عن رسالتها «تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر» ونشرت الرسالة عام 1964م ثم درَّست في كلية الآداب جامعة الكويت وفي السعودية في كلية البنات في الرياض وفي الدمام، وكانت أول عميدة لكلـية البنـات في القصــيم وقد توفيت (د. نفوسة) في 18 أكتوبر 1989م عن عمر يناهز الثامنة والستين.

وتقول الدكتورة عن سبب بحثها في موضوع انتشار العامية إن هذا الموضوع وعلى الرغم من خطورته وما أحدثه من ضجة في مختلف البلاد العربية لم يحظ بدراسة علمية منظمة تكشف عن بواعثه وأهدافه والنتائج التي تترتب عليه.

وعن الصعوبات التي واجهتها في دراسة العامية تذكر الدكتورة نفوسة أن منها: تشعُّب مواد البحث الأوليـة في عدد كبير من المراجع لم يكن العثور عليها متيسراً؛ فبعضها كتب لمستشرقين وشرقيين منها المخلوط ومنها المطبوع الذي لم يبق منه سوى نسخة وحيدة في مكتبات مصر أو في دار الكتب وحدها، وبعضها مقالات ونصوص كانت موزعة في طبعات قديمة أو مبعثرة في الصحف والمجلات.

وتضيف الدكتورة أن الصعوبة لم تكن فقط في العثور على هذه المراجع وجمعها بل ما تطلبته دراستها من حذر شديد لمعرفة نوايا أصحابها وأهدافهم من دراسة الفصحى وأدبها ومن دراسة العامية وأدبها لأن هذه النوايا والأهداف لم تكن كلها بريئة تقصد العلم لوجه الله.

تمثلت المشكلة الرئيسة لهذا البحث في الآثار السيئة التي ترتبت على استخدام اللهجة العامية في مصر وحاولت الكاتبة حل هذه الإشكالية من خلال تمهيد شرحت فيه مصطلحَي الفصحى والعامية ثم تناولت خمسة أفكار رئيسة وتناولت كل فكرة في باب يندرج تحته عدة فصول والأبواب الخمسة هي:

الأول: الدعوة إلى العامية في أصولها الأولى من مصادرها الأجنبية.

الثاني: الدعوة إلى العامية في مرحلتها الثانية على ألسن العرب في مصر.

الثالث: أثر الدعوة في الدراسات اللغوية.

الرابع: أثر الدعوة فــي انتشــــار المؤلفــات المدونة بالعامية.

الخامس: التجربة تردُّ اعتبار الفصحى.

يلاحظ أن الكاتبة حاولت في الباب الأول والثاني وصفَ وتتبُّعَ تاريخ انتشار العامية وقسمتها إلى مرحلتين: الأولى بواسطة الأجانب، ثم الثانية كانت بفعل المصريين والعرب.

ثم في البـابين الثالث والـرابع حللت نتـائج وآثار انتشار العامية في مجالين: أحدهما في مجال الدراسات اللغوية، والمجال الثاني في ظاهرة المؤلفات العامية.

وفي الباب الأخير قامت الكاتبة بتقويم انتشار العامية وأن هناك من تصدى لها.

وفي الختام كتبت الدكتورة توصياتها بخصوص مواجهة هذه المشكلة.

بدأت الباحثـة بتمهيـد عـرَّفت فيه بالفصحى والعامية، وأشارت إلى وجودهما في اللغات الأوروبية وأبحاث العلماء الأوروبيين الذين درسوا العامية في لغاتهم. ثم أخذت تتتبع نشأة العامية في اللغة العربية وهي نشأة قديمة تتصل بتاريخ اللغة العربية منذ أقدم عصورها وذكرت الأسباب التي أدت إلى اتساع الخلاف بين الفصحى والعامية وهو ما دفع علماء العربية القدامى إلى الاهتمام بدراسة العامية والتأليف فيها، وبيَّنت أن اهتمامهم بدراسة العامية لم يكن من أجل تدوينها بل من أجل تصحيحها، ولذلك كانت دراستهم للعامية فرعاً عن دراستهم للفصحى ثم بينت كيف عاشت العـامية بجـانب الفصحى على ما بينهما من اختلاف دون أن يحدث بينهما تنافس في الميدان الأدبي الذي اختصت به الفصحى، إلى أن بدأت العامية تزاحم الفصحى في ميدانها عقب الدعوة إلى اتخاذها أداة للتعبير الأدبي في أواخر القرن التاسع عشر.

في الباب الأول الذي وضعته تحت عنوان «الدعوة إلى العامية في أصولها الأولى من مصادرها الأجنبية» وقسمته إلى ثلاثة فصول، كشفت عن منبع الدعوة، وعرَّفت بأوائل دعاتها وذكرت الحجج التي أقاموا عليها دعوتهم وبينت الجهود التي بذلوها في تدعيمها. أما منبع الدعوة فقد كشفت عنه وتتبعته في الفصل الأول الذي جاء بعنوان (المؤلفات الأجنبية التي تناولت دراسة اللهجة المصرية) حيث استطاعت بعد بحث في كتب القدماء والمحدَثين من عرب ومستشرقين ممن درسوا العامية في اللغة العربية، وبعد بحث في الصحف التي سجلت أدوار الصراع بين الفصحى والعامية، استطاعت أن تقف على المصدر الذي نبعت منه الدعوة إلى العامية، ووجدته في أول مؤلف أجنبي خصص لدراسة العامية المصرية، وهو (قواعد العربية العامية في مصر) الذي ظهر سنة 1880م للدكتور (ولهلم سبيتا).

وتصف الكاتبة المؤلفات الأجنبية التي تناولت دراسة العامية المصرية والتي قُدِّمَت لنا في أثواب علميـة؛ بأنهـا انطوت جميعها على أهداف مغرضة لا تمتُّ إلى العلم بنسب، ثم تكلمت أولاً عن اهتمام الأوروبيين بدراسة اللهجات العربية المحلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فبيَّنت كيف أدخلوا دراستها في مدارسهم وجامعاتهم، وكيف اهتموا بالتأليف فيها، وكيف استعانوا بأبناء العربية الذين يعملون في بلادهم سواء في تدريسها أم في التأليف فيها، إلى أن توافرت لهم الوسائل فأخذوا يؤلفون في كل لهجة من اللهجات العربية المحلية: اللهجة (المصرية، والعراقية، والسورية، والتونسية، والمراكشية). كما درست عدداً من الكتب في هذا المجال كتبها الألمان والإنجليز ممن عاشوا في مصر مدة طويلة وتولوا فيها مناصب عالية وخاصة إبَّان عهد الاحتلال البريطاني. ولقد وجدت هؤلاء المؤلفين على اختلاف الموضوعات التي عالجوها في دراستهم للهجة المصرية من بحث في قواعدها إلى بحث في خصائصها ومميزاتها إلى بحث في أصلها... وجدتهم قد اتحدوا في هدف واحد هو السعي لإقصاء العربية الفصحى عن الميدان الأدبي وإحلال العامية محلها. ثم واصلت البحث في الكشف عن الجهود التي بذلها الأوروبيون لتدعيم دعوتهم إلى العامية، فكان أهم ما يعوز العامية في رأيهم أن يكون لها أدب مدون وأن تستخدَم في معالجة الموضوعات العلمية والأدبية الرفيعة؛ فحاولوا أن يملؤوا هذه الثغرة التي تحول بين العامية وبين الظهور والرواج في الميدان الأدبي. فتتبعت هذه المحاولات في الفصلين الثاني والثالث من هذا الباب.

فتكلمت في الفصل الثاني (الآثار العامية التي قام الأجانب بتسجيلها ونشرها) عن الأدب العامي الذي قام الأجانب بتسجيله ونشره من أزجال ومواويل وقصص، كان أغلبه مما التقطوه من أفواه العامة.

وتكلمت في الفصل الثالث (المحاولات التي قام بها الأجانب لإدخال العامية في نماذج أدبية وعلمية) عن التجارب العملية التي قام بها وليم ويلكوكوس أحد رجال الاستعمار البريطاني في مصر لتأييد دعوته إلى العامية فتناولت بالتحليل ما نقله إلى العامية من الروايات الأدبية مثل روايات شكسبير.

أما الباب الثاني (الدعوة إلى العامية في مرحلتها الثانية على ألسن العرب في مصر) فقد قسمته إلى ثلاثة فصول:

تناولت الكاتبة في الفصل الأول (المصريون الذين فكروا في ضبط العامية واستخدامها قبل الدعوة الأجنبية) وبينت الفرق بينهم وبين الأجانب الذين كانوا يستهدفون القضاء على العربية وإحلال العامية مكانها، أما المصريون في تلك الحقبة فكانوا يهدفون إلى تثقيف العامة والترفيه عنهم على أن تظل للفصحى مكانتها في الميدان الأدبي ومن بين هؤلاء رفاعة الطهطاوي وثلاثة من أصحاب المجلات وهم يعقوب صنوع في مجلة أبو نظارة، وجورجي زنانيري صاحب مجلة الغزالة، ومحمد النجار في مجلة الأرغول.

وفي الفصل الثاني (صدى الدعوة الأجنبية في صحف مصر) استعرضت المؤلفة كيف بدأت الدعوة الأجنبية تشق طريقها في مصر وما ترتب عليها من انشقاق في صفوف أبناء العربية لا في مصر وحدها بل في مختلف البلاد العربية، وما استتبع ذلك من قيام معارك عنيفة بين مؤيدي الدعوة ومعارضيها، وكان للصحف المصرية فضل كبير في تسجيلها وتتبعت المؤلفة ما كتب في هذه الصحف بدقة متناهية.

وفي الفصل الثالث (اقتران الدعوة بحركات التجديد والإصلاح) أشارت إلى الطرق الملتوية التي لجأ إليها بعض من استجابوا للدعوة في مصر لإفساح المجال أمام العامية في ميدان الكتابة عن طريق إيهامنا بخدمة العربية الفصحى وكيف اقترنت هذه الدعوات بحركة تجديد الأدب العربي، واستشهدت المؤلفة بآراء أشهر القائمين بها مثل أحمد لطفي السيد في اقتراحه بتمصير اللغة العربية، وعبد العزيز فهمي في اقتراحه لاستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وسلامة موسى في رأيه عن لغة الأدب الجديد.

ثم انتقلـت الكاتبة إلـى الباب الثالـث (أثر الدعوة في الدراسات اللغوية) فقسمته إلى فصلين:

في الفصل الأول (أثر الدعوة في الدراسات التي تناولت العامية) حيث بيَّنت الكاتبة كيف أثارت الدعوة إلى العامية اهتمام الباحثين بدراسة العامية التي جعل منها دعاتها منافساً قوياً للفصحى بما أضفوه عليها من مميزات فقاموا ينقِّبون عن تلك المميزات تحثهم قوى أجنبية حيناً ورغبة في المعرفة حيناً آخر فتكلمت عن المؤلفات التي تناولت دراسة العامية استجابة لرغبة أجنبية وتكلمت عن المؤلفات التي تناولت دراسة العامية بدافع من الرغبة في الوقوف على حقيقة العامية وجمع خصائصها أو من أجل تصحيحها والاستعانة بها في تطوير الفصحى.

وفي الفصل الثاني (أثر الدعوة في الدراسات التي تناولت العربية الفصحى) بينت الكاتبة كيف أثارت الدعوة إلى العامية اهتمام الباحثين بدراسة العربية الفصحى التي وجَّه إليها أعداؤها مختلف الاتهامات؛ حيث اتهموها بالجمود والصعوبة وأرجعوا هذه الصعوبة إلى نحوها وحروف كتابتها ومادتها؛ وهو ما دفع الباحثين في الفصحى إلى تيسـير النحو والكتـابة ومـادة اللغـة وذكرت الكاتبة نماذج من هذه المحاولات والوسائل المختلفة التي لجؤوا إليها في الإصلاح والتيسير.

تتبعت الكاتبة في الباب الرابع (أثر الدعوة في انتشار المؤلفات المدونة بالعامية) المؤلفات المدونة بالعامية قبل الدعوة وبعدها لتكشف ما بلغته تلك الدعوة من رواج وانتشار ولم تكن مهمتها في هذا الباب قاصرة على مجرد حصر هذه المؤلفات ولكن اهتمت فيها بدراسة العامية نفسها لمعرفة طبيعتها وخصائصها وتطورها وألوان الموضوعات التي طرقتها ومدى قدرتها على معالجة هذه الموضوعات، فقسمت هذا الباب إلى أربعة فصول.

في الفصل الأول (العامية في كتب المفاكهة والمسامرة) تناولت كتابين: الأول (هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف)، والثاني كتاب (ترويح النفوس ومضحك العبوس)، وهما كتابان ظهرا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر فقامت الكاتبة بالتعريف بكل كتاب وذكرت نماذج من محتوياته وبينت الأسباب التي دفعت مؤلفه إلى الكتابة بالعامية.

وفي الفصل الثاني (العامية في المسرحية) تناولت بالشرح والتحليل عدداً من المسرحيات لثلاثة من رواد كتاب المسرح، وهم يعقوب صنوع مؤسس المسرح العربي في مصر وأول من كتب مسرحيات بالعامية، ومحمد عثمان جلال رائد حركة تمصير الأدب في أواخر القرن التاسع عشر، ومحمد تيمور الذي تزعم حركة تمصير المسرح في بداية القرن العشرين.

وفي الفصل الثالث (العامية في القصة) تكلمت المؤلفة عن القصص التي كتبت بالعامية وهي كثيرة متنوعة منها مذكرات وأحاديث وأقاصيص وذكرت أمثلة منها، ولكنها توقفت عند اثنين منها هما: مذكرات فتوة ليوسف أبو حجاج، ومذكرات عربجي لحنفي أبو محمود وقد شككت في صحة نسبة هاتين القصتين إلى مؤلفيهما.

وفي الفصل الرابع (العامية في الزجل) درست الكاتبة الوزن الشعبي في الزجل وتتبعت مراحله المختلفة وكيف أخذت لغتُه تقترب حيناً من الفصحى وحيناً من العامية في أواخر القرن التاسع عشر، ثم حينما اشتدت الدعوة إلى العامية تدهورت لغته وهو ما أدى إلى نشوب معركة بين فريقين أحدهما يدعو إلى الرقي بالزجل ليقترب من الفصحى والآخر يريد أن يكون الزجل عاميّاً كاملاً.

وفي الباب الخامس والأخير (التجربة ترد للفصحى اعتبارها) فقد قسمته إلى أربعة فصول.

ففي الفصل الأول (في الشعر) بينت موقف الشعر من قضية الفصحى والعامية؛ ذلك الموقف الذي لم تتسنَّ لها معرفته إلا بعد دراسة تحليلية للمراحل المختلفة التي مر بها الشعر منذ بداية النهضة الحديثة وقسمتها إلى ثلاثة مراحل: التي مر بها الشعر قبل البارودي، ثم أثناء وجوده، وأخيراً المرحلة التي سار فيها الشعر بعده.

وفي الفصل الثاني (في القصة) تكلمت عن تجربتين في القصة استخدمت فيهما العامية، الأولى قصة زينب لمحمد حسين هيكل، والثانية قصة عودة الروح لتوفيق الحكيم؛ فبينت المبررات التي دفعت الكاتبَين لاستخدام العامية وطريقة كل منهما في السرد وفي الحوار ثم نتيجة ذلك.

وفي الفصل الثالث (في الأقصوصة) حيث تكلمت عن اثنين من كبار كتاب الأقصوصة وهما محمود تيمور والمازني، فالأول استخدم العامية في بدء تكوينه الأدبي واستخدمها الثاني بعد تمام نضجه وتكوينه، وحللت أسباب ذلك وطريقة استخدام كل منهما العامية والنتيجة التي أسفرت عن ذلك.

وفي الفصل الرابع (في المسرحية) تكلمت المؤلفة عن التجارب التي أجريت في ميدان المسرحية المحلية، وتبرر ذلك بأن المسرحية المحلية هي التي احتضنت العامية ولذلك كثر الخلاف حول لغتها وذكرت سبب هذا الخلاف وما ترتب عليه، ثم تكلمت عن المحاولات التي بُذلت لتطويع الفصحى في كتابة المسرحية المحلية.

وفي نهاية البحث ذكرت المؤلفة النتائج التي حققتها هذه الدراسة، وأهمها:

أولاً: أن ظاهرة استخدام اللغة العامية موجودة في كل اللغات وليست مشكلة اللغة العربية فقط.

 ثانياً: أن الأوروبيين وخاصة المستعمرين هم الذين جعلوا من وجود هذه الظاهرة في لغتنا مشكلة، ويبدو أن هذا العنصر لم تقم المؤلفة بما يكفي لبحثه وتتبعه فجاءت اتهاماتها أشبه بنظرية المؤامرة دون أدلة واقعية.

ثالثاً: أن الحملة التي قام بها «الأعداء» على اللغة العربية الفصحى لم تستطع أن تنال منها بل كان لها الفضل في الكشف عن أسرار العربية الفصحى ودقائقها وبيان عراقتها وقدرتها على مسايرة ركب الحضارة.

ومن قراءتنا لهذا الكتاب يتبين لنا أنه سِفْر نفيسٌ بذلت فيه الكاتبة مجهوداً جباراً من البحث والتدقيق ويحوي كثيراً من الأبحاث التي يجدر بالقارئ الاطلاع عليها ولم يتسع هذا المقام لعرضها.


 


[1] بين يدي الطبعة الأولى من الكتاب وقد طبعت بدار نشر الثقافة بالإسكندرية عام 1964م.

[2] الدكتور محمود شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي بالقاهرة: 2005م، ص:125، 126.