القرآن الكريم هو أول رافع لمنار الخط العربي لأن أول ما نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  قول الله تعالى: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١]، وأقسم الله تعالى بالقلم: {ن« وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: ١]؛  فمع بداية الإسلام بدأ انتشار الخط العربي للحاجة إليه في كتابة الوحي والرسائل التي كان ينفذها النبي صلى الله عليه وسلم  إلى الملوك والأمراء. والنبي كان محبّاً لانتشار الكتابة وتعميمها بين الأمة العربية، وما فعله مع أسرى غزوة بدر كان خير دليل؛ إذ جعل فدية الكاتبين من المشركين أن يُعَلِّم كلُّ واحد عشرة من صبية أهل المدينة، ونهج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  وخلفاؤه من بعده هذا المنهج؛ فكان أكثر النشء الذي نشأ في عهدهم يعرف الكتابة فخرج منه كتَّاب الدواوين، وكتَّاب الرسائل، وكتَّاب القرآن[1].

وكان خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأكثر الصحابة يعرفون الكتابة فانتشر بذلك الخط بالتدريج، وسَمَّى العرب من يعرف الخط والرمي والسباحة بـ (الكامل)، لذلك تسابقوا على تعلُّمه، وعندما وصلت مصاحف عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الأمصار أجاد أهل الأمصار في نقلها، وتنافسوا في كتابتها، واتخذ نسَّاخ كل إقليم طريقة لهم في الكتابة وحيئنذٍ أخذ الخط يترقى ويتفرع شأن كل حي[2]. أما عن أصناف الأقلام العربية في الإسلام؛ فبدأ الخط العربي يسمو ويرتقي وكثر عدد المشتغلين به منذ زمن بني أمية[3].

لغات كُتبت بالحرف العربي:

اللغة العربية إحدى اللغات العالمية الستِّ الرسمية المعترَف بها لدى الأمم المتحدة، وهي اللغة الرسمية في جميع الدول العربية، وهي من أقدم اللغات المعاصرة، وهي لا تمثل منطقة معيَّنة؛ وقد كانت هي اللغة الرسمية في الأندلس، وإحدى اللغات الرسمية في آسيا الوسطى وبلاد فارس وأرمينيا والبلقان وممالك إفريقيـا. والخط العربي كتب به العرب وغير العرب، وكتب به المسلمون وغير المسلمين[4].

لقد قام مركز يوسف الخليفة لكتابة اللغات بالحرف العربي بدراسة حول عدد اللغات التي كتبت بالحرف العربي فوجدها تزيد عن مائة لغة[5]، منها أربعون لغة في إفريقيا، وست وثلاثون لغة في آسيا الوسطى وتركيا وما جاورها من لغات تركمانية، وتشمل الفارسية وما جاورها، وعشر لغات في أوروبا والبقية في جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية والصين[6].

من هذه اللغات لغات كتبت حديثاً (أي في القرن العشرين)، منها تسع لغات في جنوب السودان كتبت بالحروف العربية في منتصف القرن العشرين، ولغات أخرى كتبت في شرق السودان وشماله، وفي غرب إفريقيا، وهي لغات (البجا، والنوبية، والدنقلاوية، ولغة مودي في بوركينا فاسو). وقد تنبهت جماعات كثيرة لم تحظَ لغاتهم بالكتابة، ويرغبون في أن تكتب بالحرف العربي المنمَّط الذي طورته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) ويلجؤون إلى جامعة إفريقيا العالمية باعتبارها الجهة المعنية الفنية لمشروع الحرف العربي تأليفاً وتدريباً وتقنية[7].

ولا غرابة في أن الخط العربي استطاع أن يحتوي لغات كثيرة؛ فقد أحصى مركز خليفة عدد الحروف العربية المعدَّلة التي كتبت بها هذه الشعوب لغاتها فكانت أكثر من ثمانين حرفاً، وكان التعديل بنسبة 90% عن طريق النقط، فدل ذلك على المرونة الفائقة للحرف العربي الذي أمكن أن تُكتب به تلك اللغات[8].

محاربة دول الاحتلال للحرف العربي:

أُعلِنت الحرب على الخط العربي؛ إذ تنادى الغرب بتنفيذ إستراتيجيتهم الخاصة بكتابة لغات المسلمين بالحرف اللاتيني بدلاً من الحرف العربي في إفريقيا وآسيا وأوروبا؛ حيث كانت لغات المسلمين تكتب بالحرف العربي حتى الربع الأول من القرن العشرين، وكان هدفهم تقريبَ المسلمين من الثقافة والحضارة الغربية[9].

حاولت دول الاحتلال فرض كتابة اللغة العربية بالحرف اللاتيني؛ فقد روى الدكتور خليفة (رئيس مجمع اللغة العربية الأردني) أن حكومة المستعمرات الإنجليزية قد أوفدت الأستاذ (مرغيليوث) Margoliouth من جامعة أكسفورد إلى بعض البلاد العربية وإيران ليقترح إبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وقال: إن العرب قد أضاعوا فرصة تقدُّم باهر بعدم اقتدائهم بتركيا في اتخاذ الحرف اللاتيني في كتابة اللغة العربية، وعندما ردَّ عليه مَن كان يحدثهم بأن في اتخاذ الحرف اللاتيني ضرراً كبيراً على العرب، وأن الأتراك أنفسهم أضاعوا مركزهم في الشرق بتبـديل حروفهـم. رد عليه قائلاً: «إن العرب لا يحملهم على تغيير كتابتهم إلا حاكم قوي مثل أتاتورك، وأن أمله وطيد في أن شاه إيران يحذو حذو أتاتورك، وأنه مسافر إلى طهران لدراسة تأخُّر شاه بهلوي عن المبادرة بفرض الحروف اللاتينية»[10].

وسعى الغرب إلى طمس هوية الأمم المستعمَرة وسلب إرثها العلمي والثقافي وفرض لغاته ونظم كتابتها؛ إلا أن هذه المحاولات وجدت مقاومة قوية، فماتت في مهدها بالنسبة للغة العربية، وصمدت الفارسية والأردية والباشتو والسندية ضد التحول إلى الحروف اللاتينية[11].

أما عن محاولات محاربة الحرف العربي؛ فلقد صدر قانون الاتحاد السوفييتي سابقاً لمنع كتابة لغات آسيا الوسطى بالحرف العربي. وفرض الاتحاد السوفييتي الحروف الكريلية (الروسية) على شعوبه. وفرضت الحكومة الإثيوبية الحروف الجعزية في كتابة بعض اللغات في إثيوبيا. ولم تتردد الحكومة الهندية في فرض حروفها على بعض اللغات التي كانت تكتب بالحروف العربية. وهذا يدل على أن هؤلاء رفضوا استمرار كتابة لغاتهم بالحروف العربية لئلا يقال عنهم إنهم عرب، كما فرض الاتحاد السوفييتي الحروف اللاتينية على كل الشعوب المسلمة حتى يقطع صلتهم بالمسلمين[12].

وسعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عام 1965م على تشجيع محو الأمية في العالم بالحرف اللاتيني، وكانت تقوم بإحصاء الأميين في غرب إفريقيا فإنهم لا يعدون الذين يكتبون لغاتهم بالحرف العربي في عداد من انمحت أميتهم، بل يعدونهم في عداد الأميين[13].

ولم يقف الغيورون على الحرف العربي مكتوفي الأيدي؛ بل إن أحد أبناء سيراليون (وهو كريم نوري) حاضر في جامعة لندن، وهاجم اتجاه منظمة اليونسكو في عدم اعترافها بالحرف العربي الذي تُكتب به لغات غرب إفريقيا. وعندما تولى رئاسة اليونسكو أحد أبناء دولة السنغال (وهو الدكتور حمد مختار أمبو، الذي عُين في أوائل ثمانينيـات القرن العشرين أميناً عامّاً لمنظمة اليونسكو) خاطب المؤتمر العام لليونسكو - وهو الذي يجتمع فيه جميع وزراء التربية في العالم - وحدثهم عن أهمية كتابة اللغات بالحرف العربي في تنمية المجتمعات التي تكتب لغاتها بالحرف العربي، وأخذ من المؤتمر العام موافقة على تشجيع منظمة اليونسكو المجتمعات التي تكتب لغاتها بالحرف العربي على محو الأمية بالحرف العربي، وبعد هذا المؤتمر اتفق الدكتور (أحمد مختار أميو) مع الدكتور (أحمد محمد علي) رئيس البنك الإسلامي للتنمية في جدة بالمملكة العربية السعودية على تمويل مشروع الحرف العربي في كتابة لغات المسلمين في غرب إفريقيا وغيرها[14].

بعض اللغات التي تكتب بالحروف العربية:

الحروف العربية للغة الآتشية: كانت اللغة الآتشية تكتب بالحروف العربية، وأقدم المخطوطات التي وجدت لها تعود إلى عام 1069هـ/ 1658م. وبعد الاستعمار الهولندي ما بين (1873- 1942م) ظهرت كتابة بعض اللغات الإندونيسية بالحروف اللاتينية، وبعد استقلال إندونيسيا تبنَّت الحكومة الإندونيسية الحروف اللاتينية، وهو ما جعل الحروف العربية تتراجع مع مرور الوقت وتختفي في بعض اللغات الإندونيسية. والحروف العربية تقتصر على الكتابات الدينية، ولم تنتهِ بعد، لكنها في طريقها للاندثار لأن الأجيال الآتشية لا تتعلم الحروف العربية.

الحروف العربية للغة الأديغية: كانت تُكتب بالحروف العربية حتى عام 1926م عندما فرض الاتحاد السوفييتي (سابقاً) كتابتها بالحروف اللاتينية، ثم بالحروف الروسية عام 1938م. بعد إلغاء الحروف العربية استمرت الطباعة بالحروف العربية خارج الاتحاد السوفييتي إلى أن انتهت نهائياً.

الأبجدية العربية للغة الأذربيجانية: كتبت اللغة الأذربيجانية بالحروف العربية متأثرة باللغة الفارسية، واستخدمت الحروف العربية نفسها مع ما أضافته اللغة الفارسية (پ چ ژ گ)؛ ولكن بعد احتلال الروس لأذربيجان اختلف الوضع؛ ففي عام 1922م فرضت الحكومة السوفييتية كتابتها بالحروف اللاتينية، وفي عام 1940م أمرت الحكومة السوفييتية بكتابتها بالحروف الكريلية (الروسية)، وفي عام 1991م تبنَّت مرةً أخرى الحروف اللايتينية بعد استقلال جمهورية أذربيجان عن الاتحاد السوفييتي.

الحروف العربية للغة الأراكونية: تُكتب الأراكونية بالحروف اللاتينية منذ نشأتها ولم تكتب بالحروف العربية، لكن هناك مخطوطات تدل على أن بعض المسلمين كتبوها بالحروف العربية، وطرد المسلمين من الأندلس نهائياً وإحراق مخطوطاتهم جعل الصورة غير واضحة حول كمية التراث الذي خُلِّف بالحروف العربية، وحول هوية المستخدمين له.

الحروف العربية للغة آري: كانت لغة آري تُكتب بالحروف العربية، ثم بدأت الحكومة الإثيوبية والمنظمات التبشيرية دعم كتابتها بالحروف الجأزية (الإثيوبية)، مع انتقال الكثير من شعب الآري إلى بلاد المهجر، وعدم توافر الحروف الجأزية (وخاصة مع انتشار الإنترنت) بدأت تظهر كتابتها بالحروف اللاتينية، وحالياً بدأت الحروف اللاتينية تسيطر أكثر وانتهت كتابتها بالحروف العربية.

الحروف العربية للغة الأفريكانية: اللغة الأفريكانية في الأساس لغة هولندية؛ فقد جاء المستعمرون الهولنديون إلى جنوب إفريقيا فاختلطت لغتهم بلغة الأفارقة، واكتسبت بعض المفردات الجديدة، ومع مرور الوقت أصبحت لهجة مختلفة عن اللغة الهولندية في أوروبا، فسميت بـ (الأفريكانية)، ومع مرور الوقت أصبح يستخدم اللغة الأفريكانية بعض المسلمين الذين كتبوا هذه اللغة بالحروف العربية منذ 1815م، واستمر المسلمون الأفريكانز يستخدمون الحروف العربية حتى عام 1957م، وما تزال معظم نصوصها موجودة في مكتبات جنوب إفريقيا.

الأبجدية العربية للغة الألبانية: مع اعتناق الألبان للإسلام تحت الحكم العثماني بدأ الألبان بكتابة لغتهم بالحروف العربية، وأقدم النصوص المكتوبة باللغة الألبانية بالحروف العريية تعود إلى بداية القرن الثامن عشر الميلادي؛ حيث وجدت قصيدة مكتوبة 1137هـ/ 1725م، وبعض الباحثين يرى أن كتابة اللغة الألبانية بالحروف العربية ترجع إلى أقدم من ذلك التاريخ.

الأبجدية العربية للغة الأمازيغية: كتب بعض البربر لغتهم بخط قديم يدعى (تافيناغ)، لكن لم تنتشر تلك الحروف بشكل واسع ولم يكتب البربر أدبهم ووثائقهم بهذه الحروف إلا بشكل محدود لدى الطوارق فقط، ومع انتشار العرب في شمال إفريقيا أصبحت اللغة العربية هي لغتهم الأدبية والرسمية، ومع الاستعمار الغربي بدأت تظهر الدعوات لكتابة اللغة الأمازيغية بالحروف اللاتينية، وهنا ظهرت عدة اتجاهات تدعو لكتابتها بالحروف العربية أو اللاتينية أو التافيناغ، كما ظهر التعدد اللهجي للسطح حيث أصبحت كل مجموعة تؤكد أحقية لهجتها بالكتابة، مع هذا الخليط أصبحت بعض اللهجات تكتب بالأبجديات الثلاث وبعضها بأبجديتين.

ومن اللغات المستمرة حتى الآن اللغة الأورمرية يتحدث بها البعض من شعب بركي في باكستان في مدينة كانيجوران جنوب وزيرستان؛ وهي لغة مستخدمة من بعد استقلال باكستان، وإلى الآن تُستخدَم الحروف العربية في كتابتها.

وأما اللغة الأوزبكية في أفغانستان فتُكتب بالحروف العربية حتى الآن. وعن اللغة الأُويْغُورية فهي لغة رسمية في إقليم شينغيانغ غرب الصين يتحدث بها في حدود 10 ملايين إنسان وتُكتب بالحروف العربية من القرن العاشر الميلادي وإلى الآن.

وبخصوص لغة الأينو: فيتحدث بها عدد من سكان إقليم شينغيانغ غرب الصين، وتُكتب هذه اللغة بالحرف العربي من منتصف القرن العشرين حتى الآن.

أما اللغة الباركرية: فيتحدث بها حوالي 280 ألفاً في إقليم السند الباكستاني على الحدود الهندية. وتُكتب لغتهم بالحروف العربية منذ عام 1983م حتى الوقت الحالي[15].

وفي نهاية هذا المطاف القصير يمكن القول: إن اللغات التي كُتبت بالحروف العربية يصعب حصرها في مقال صغير، والذي يتأكد أن انتشار الإسلام في تلك الأصقاع كان هو السبب الرئيس في انتشار الحروف العربية، واستخدامها في كتابة لغة هؤلاء الأقوام. كما يتضح أيضاً تميز الحروف العربية بمرونة في استحداث أحرف جديدة تلبي صوتيات لكتابة تلك اللغات.


 


[1] عبادة، عبد الفتاح، انتشار الخط العربي في العالم الشرقي والعالم الغربي، القاهرة، مطبعة هنية بالموسكي، 1915م، ص12.

[2] نفسه، ص12، 14.

[3] تنوع الخط وتعدده منذ الدولة الأموية. يُراجع، عبادة، عبدالفتاح، المرجع السابق، ص14 وما بعدها.

[4] القوسي، عبد الرزاق، عالمية الأبجدية العربية وتعريف باللغات التي كتبت بها، الجزء الأول، الرياض، مركز عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، 2015م، ص79.

[5] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، إشكالية كتابة المصطلح الأجنبي بالحروف العربية، حولية الحرف العربي، العدد الأول، أغسطس 2015م، ص332.

[6] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، رحلة الحرف العربي بين لغات الشعوب الإسلامية، الرياضي، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، 2015م، ص17.

[7] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، رحلة الحرف العربي بين لغات الشعوب الإسلامية، ص17، 18.

[8] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، إشكالية كتابة المصطلح الأجنبي بالحروف العربية، حولية الحرف العربي، العدد الأول أغسطس، 2015م، ص333.

[9] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، رحلة الحرف العربي بين لغات الشعوب الإسلامية، ص23.

[10] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، رحلة الحرف العربي بين لغات الشعوب الإسلامية، ص24، 25.

[11] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، رحلة الحرف العربي بين لغات الشعوب الإسلامية، ص25.

[12] القوسي، عبد الرزاق، عالمية الأبجدية العربية وتعريف باللغات التي كتبت بها، الجزء الأول، ص44.

[13] القوسي، عبد الرزاق، عالمية الأبجدية العربية وتعريف باللغات التي كتبت بها، ص44.

[14] أبو بكر، يوسف بن الخليفة، رحلة الخط العربي بين لغات الشعوب الإسلامية، ص27.

[15] القوسي، عبد الرزاق، عالمية الأبجدية العربية وتعريف باللغات التي كتبت بها، صفحات 112، 119، 125، 134، 137 - 138، 157، 165، 173، 188، 196، 205- 206، 212، 215.