تعالت أصوات المحذرين من انقراض اللغات؛ مؤكدين أنه في كل عام تموت خمسٌ وعشرون لغة من اللغات المحلية، كما تتوقع منظمة يونسكو أن العالم سيخسر نصف لغاته خلال مائة عام، وفي ظل العولمة تتراجع أعداد الناطقين بلغاتهم الأم بشكل هائل، في الوقت الذي تقبع فيه العديد من اللغات الرسمية وسط دائرة الخطر، فضلاً عن اللغات المحلية.

ورغم هذا التآكل المستمر للغات، استطاعت دول وحضارات وحركات أن تذود عن لغاتها، وتتخذ منها دعامة أساسية لبناء استقرارها وهويتها، وجعلها بوتقة للاندماج الثقافي، وآخرون استطاعوا إحياء لغاتهم من موات.

ونستعرض في هذا المقال ثلاث تجارب هامة في تجديد اللغة والحفاظ عليها ونشرها.

اللسان الفارسي:

اللغة الفارسية عضو أساسي في مجموعة اللغات المتفرعة عن المجموعة الأم (الهندية الأوروبية)، وتُكتب بخط عربي زخرفي، وهي اللغة الرسمية لدولة إيران وأجزاء من أفغانستان وجمهورية طاجيكستان، ويقدَّر مجموع الناطقين بها في العالم بنحو 110 مليونات، من بينهم 70 مليوناً يتحدثون بها لغةً أصليةً[1].

ويوجد غالبية الناطقين باللغة الفارسية في إيران وأفغانستان، مع وجود أعداد كبيرة في باكستان وتركيا والولايات المتحدة والعراق وكندا والخليج العربي.

وترتبط الفارسية ارتباطاً وثيقاً بالطاجيكية، وهناك خلاف حول اعتبار الطاجيكية والفارسية والدارية لغات منفصلة، أو لهجات مرتبطة باللغة الفارسية. وتعرف الفارسية المحكية في أفغانستان باسم الداري، ويشبه بعض الباحثين التباين بين الدارية والفارسية بالتباين بين الفرنسية الأوروبية والفرنسية الكندية، وتعرف الفارسية المحكية في طاجيكستان بالطاجيكية، وخلال الحقبة السوفييتية من القرن الماضي ضعف اتصال الطاجيك مع البلدان الأخرى الناطقة بالفارسية، ودخل إلى لغتهم المحكية والمكتوبة عدد كبير من الكلمات الروسية[2].

وحتى نستوعب مراحل إحياء وانتشار الفارسية، علينا أن نستعرض بشكل موجز تاريخها، حيث مرت بثلاث مراحل أساسية، هي[3]:

الفارسية القديمة، والفارسية الوسيطة (البهلوية)، والفارسية الحديثة.

وما يعنينا هنا هو ما بعد المرحلة الوسيطة، حيث اندثرت البهلوية نتيجة لانتصار المسلمين في موقعة نهاوند عام 21 هـ، وأقبل المسلمون الفرس على تعلم القرآن وعلوم الإسلام وسادت اللغة العربية وهُجِرت البهلوية خطّاً ولفظاً، وساعد على هذا أيضاً الهجرات المتتابعة للقبائل العربية حتى وصلت إلى وجود 200 ألف عربي في خراسان أوائل القرن الثاني الهجري، ومضت 300 عام لم يؤلَّف بالفارسية البهلوية شيء.

وجاء إحياء الفارسية لأسباب سياسية عصبية، حيث عمدت الدول المستقلة جزئياً ثم كليّاً عن الخلافة العباسية إلى إظهار التمايز عن العرب، ورُصدَت المكافآت للعلماء والشعراء للكتابة بها، ونشطت حركة ترجمة التراث الإسلامي من العربية إلى الفارسية.

ويكفي أن نذكر هنا أن الدولة السلجوقية جعلت الفارسية لغة المشرق الإسلامية، وأصبحت هي المعتمدة في السياسة الدولية وترجمان الأدب والثقافة، ولم تعترف باللغة العربية إلا على أنها لغة الدين والفلسفة الكلامية، وكذلك فعلت الدولة المغولية، وتبلورت الفارسية الحديثة مزيجاً من الفارسية الوسيطة التي عاشت بين أتباع زرادشت ثلاثة قرون بعد الفتح الإسلامي ومن العربية التي اتخذها المسلمون لغة لهم لمدة أربعة قرون.

واتخذت الفارسية الحديثة من الخط العربي رسماً لها، ومن بحور الشعر العربي وزناً، ومن آلاف الكلمات العربية حشواً لها، ومن الثقافة الإسلامية معيناً.

دَوْر الأدب في حماية الفارسية ونشرها:

كان حفاظ الفرس على لغتهم ضرورة للإبقاء على هويتهم القومية والإبقاء على الرباط القومي قويّاً في ما بينهم، وعمل الشعراء الفرس الكبار من أمثال الفردوسي وكنجوي وحافظ على تقوية الشعور القومي الفارسي ومدِّ جذور اللغة الفارسية عميقاً في النفوس[4].

أثَّر الشعر الفارسي على حركة الأدب في شبه القارة الهندية، وساعد على ذلك وجود العديد من الكلمات الفارسية باللغة الأردية، كما أثَّر بوضوح على الأدب التركي العثماني، ومما ساعد على رواج اللغة الفارسية بين العناصر التركية هو أن دعاة الإسلام من الفرس عندما لقنوا الترك تعاليم الدين الإسلامي ومبادئه بالعربية حببوا إليهم الآداب الفارسية.

ولا شك أن الأدب الفارسي في العصور الوسطى والحديثة كان له دور هام في نشر وتقوية اللغة الفارسية على مستوى العالم، ومن أهم الأمثلة على ذلك: مثنوي جلال الدين الرومي، وشاهنامه الفردوسي، ورباعيات الخيام.

سياسات إيرانية حاسمة لهيمنة الفارسية:

تعتمد إيران سياسة قاسية في تمكين اللغة الفارسية الرسمية بلهجتها الطهرانية؛ من بسط هيمنتها ونفوذها على سائر اللغات المحلية وباقي اللهجات الإيرانية الأخرى، والحدِّ من دور اللغات الأخرى وإغلاق أبواب القنوات الرسمية في وجهها وعلى رأس هذه اللغات التي تعاني من سياسة قمعية متصاعدة تتربع اللغة العربية ثم اللغة الكردية. وتتضح هذه السياسة بصورة بارزة في التوجهات والتدابير الآتية[5]:

ترويج استعمال اللغة الفارسية ونشرها في المناطق والمواقع التي فيها أكثرية ساحقة من قوميات أخرى غير فارسية.

تكريس اللغة الفارسية لغةً رسمية و (وحيدة) في الدوائر والمؤسسات العامة والخاصة وفي كل مناحي الحياة، وفي وسائل الإعلام بجميع تلاوينها، وفي المقابل تضييق المجال أمام اللغات واللهجات الأخرى وإغلاق أبواب الذيوع والانتشار في وجهها.

عدم السماح باستعمال اللغات واللهجات المحلية في المدارس والمعاهد والمؤسسات الجامعية وغيرها، وحصر مجال تداول هذه اللغات واللهجات في كنف الأسرة فقط.

عدم تشجيع القيام بدراسات علمية وبحوث عن اللهجات الإيرانية بما يقوي وجودها وينتقل بها إلى مجال الأدب الرسمي، وحصر هذه الجهود على اللغة الفارسية الرسمية فقط.

غياب برنامج وتخطيط واضحين - وهو يعكس غياب الإرادة السياسية - من أجل تقوية إمكانيات وقابليات اللغات واللهجات المحلية والنهوض بها.

تدابير وأنشطة أخرى:

التوسع الفني والثقافي: القنوات الإيرانية والأعمال الدرامية لها دور مباشر وغير مباشر في تعزيز تعلم وانتشار الفارسية، وهناك بعض القنوات الفضائية التي تقدم دروساً لتعليم اللغة.

تحظر القوانين الإيرانية إطلاق أسماء أجنبية على المتاجر والعلامات التجارية.

تعمل أكاديمية اللغة والأدب في إيران منذ سنوات طويلة على حماية اللغة الفارسية من المؤثرات الخارجية. وتعود نشأتها إلى عشرينيات القرن العشرين حين أمر الشاه رضا بهلوي بإبدال عبارات عربية وفرنسية كانت شائعة الاستخدام، بعبارات فارسية.

حظر تعليم الإنجليزية[6]: حظرت إيران تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية - حتى بعد ساعات الدوام المدرسي - «لتكريس تلك السنوات المبكرة لتعزيز مهارات الطلاب في اللغة الفارسية والثقافة الإسلامية الإيرانية».

وكان خامنئي (مرشد الثورة الإيرانية) قد أعرب في خطاب ألقاه أمام المعلمين في عام 2016م عن استيائه من انتشار دروس اللغة الإنجليزية في المدارس الإيرانية، وقال إن تدريس اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية الأخرى يرقى إلى الوصف بـ «الغزو الثقافي».

إحياء العبرية من موات:

كان إحياء اللغة العبرية ضرورة للحركة الصهيونية، باعتبارها الخيط الناظم الوحيد الذي يتوقع أن يتجمع فيه الشتات اليهودي عميق الاختلافات والجذور والآراء والثقافات والتوجهات والأعراق، ولكن هذه المهمة شبه المستحيلة واجهت العديد من التحديات الكبرى، على رأسها ضعف اللغة نفسها، واقتصارها لقرون على العبادة والطقوس الدينية، وموقف رجال الدين بحرمة استعمالها والتحدث بها إلا في الأمور الدينية باعتبارها لغة مقدسة؛ فضلاً عن موقف العديد من الأدباء والمثقفين الذين وجدوا في العبرية سجناً لأفكارهم وأدبهم ولم يتخيلوا بحال أن تتمكن هذه اللغة من أن تصبح لغة علم وثقافة، ثم كان الواقع أن الغالبية العظمى من اليهود لم يعرفوا العبرية، ولكن ورغم هذه التحديات تمكنت الحركة الصهيونية من إحياء العبرية ونشرها وجعلها لغةً رسميةً وقاسماً مشتركاً بين أبناء هذا الشتات، بل درَّسوا بها الطب والهندسة وكافة العلوم والآداب.

وانطلقت الحركة الصهيونية من أن اللغة المشتركة من أهم مقومات نشأة القوميات الحديثة، ورفعت شعار «أرضنا ولغتنا» منذ بداية نشاطها في أوروبا، وكان في إحياء العبرية ونشرها بين الجميع تمرداً على الجيتو اليهودي ولغته وحياة اليهود التقليدية في أحياء أوروبا والذين كانوا يعتقدون أن العبرية لغة مقدسة يجب قصرها على الأغراض الدينية فقط.

تعزيز العبرية باعتبارها ركيزة أساسية للهوية القومية الجديدة للجماعات اليهودية غير المتجانسة المهاجرة إلى فلسطين، بالتزامن مع تهميش اللغات الأم أو تركها بالكلية.

تأكيد الحكومات الصهيونية المتعاقبة على شعار «بوتقة الصهر» والتي تُعَدُّ اللغة أهم مكوناتها، والضغط على المهاجرين وتشجيعهم على ترك لغاتهم الأصلية إلى العبرية

ربطت الصهيونية بين الحياة الروحية وبين اللغة العبرية، وأَسَّس (آحاد هعام) ما يعرف باسم «المركز الروحي» والذي اعتبر أن الحديث بالعبرية من شروط الحياة الأبدية، وكان لهذه الحركة إنتاجات، منها: إنشاء دار الكتب العبرية، وإصدار مجلة أدبية عبرية، وجمعية أبناء موسى التي عدت الاهتمام بالثقافة العبرية أحد مبادئها الأساسية.

«استطاعت إسرائيل في أقل من نصف قرن إحياء اللغة العبرية التي كادت أن تنقرض، وجعلتها اللغة الرسمية للكيان الإسرائيلي على جميع المستويات الإدارية والتعليمية والاقتصادية والعلمية، وهي الآن لغة الأبحاث الدقيقة والتكنولوجيات المتقدمة، ولغة الاختراعات العلمية والتقنية. وذلك بفضل السياسة اللغوية التي نهجتها الدولة والتي اعتمدت - بالأساس - على إحياء وبحث اللغة العبرية وتأهيليها وتحديثها، وجعلها لغة العلوم والآداب وكافة المجالات»[7].

روضات الأطفال التي افتتحت عام 1898م درَّست العبرية، وهو ما ساعد على نشرها بين الصغار.

ووُجِّه فيها الأطفال نحو استعمال اللغة العبرية الصحيحة والاستماع إلى الأناشيد والقصص بها وتعليمها بشكل مبسط لأطفال المهاجرين الجدد.

أُنشئت مدارس خاصة عُرفت باسم (אֻלְפָּנִים)[اُلْپَنِيمْ]، وعُهد إليها بمهمة إعطاء هـؤلاء المهاجرين دروساً مكثفة في مبادئ اللغة الشفهية والمكتوبة إلى جانب دروس أخرى في الثقافة والتاريخ والمواطنة وغيرها... وكان الهدف الأساسي من هذه العملية هو مساعدة هؤلاء المهاجرين الجدد على الاندماج بسهولة وسرعة داخل مجتمعهم الجديد ومع أبناء أمتهم على وجه الخصوص.

وتظهر سياسة تعلـيم اللغـة في الكيان الصهيوني مـن خـلال وثيقـة صـدرت عـن وزارة التربيـة والتعلـيم في يونيـو ١٩٩٥م، تـنـص علـى أن اللغــة الأم هـي العبـريـة، ولا يجـوز التعلـيم بغيرهـا كلغـة أولى، وتحـدد هـذه الـسياسة أهـداف معرفـة القـراءة والكتابـة باللغة العبرية بالنسبة للمهاجرين، مع السماح للطلاب المهاجرين والطلاب الذين تعلموا في الخارج لفـترة طويلـة في اختيـار اللغة الثانية. وتنص القوانين على تدريس اللغـة العبريـة للمهـاجرين لمـدة سـنة واحـدة لتطـوير معـرفـة القـراءة والكتـابـة فـي الضفة والقطـاع. وهنـاك اعتمـاد لتـدريس اللغـة العبريـة اختياريـاً في الـصف الأول وإجباريّـاً مـن الـصف الثـاني حـتى الثاني عشر.

ورغم اندراس اللغة العبرية خارج الكيان؛ فإن بعض الكليات حول العالم تحاول نشرها ولو نظريّاً بتدريس الأدب العبري، ومثـال ذلـك أن الولايـات المتحـدة الأمريكيـة تـضم ٣٥٠ قسماً للدراسات العبرية واليهودية في جامعات مختلفة[8].

تعمل منظمـة خدمـة التعلـيم اليهـودي لأمريكـا الـشمالية of Service Education Jewish التي تأسـست عـام 1981م على التخطـيط بعيـد المـدى للتعلـيم الخـاص باليهـود، كما توجد في الولايـات المتحـدة مؤسـسات ثقافيـة اجتماعيـة وشـبابية يهوديـة تعمـل علـى تعلـيم اللغـة العبرية.

تعتبر العبرية لغة التدريس في جميع المراحل بما فيها المرحلة الجامعية والدراسات العليا في جميع الفروع، وقد انعكس ذلك في البيوت؛ إذ إن كثيراً من الآباء قد تعلموا العبرية عن طريق أولادهم.

تقوم المجندات بتعليم اللغة العبرية للأطفال الصغار في المستوطنات الجديدة الذين لم يتقن آباؤهم اللغة العبرية[9].

صدَّق الكنيست في التاسع عشر من شهر يوليو عام 2018م على قانون «أساس القومية» الذي أزال عن اللغة العربية الصفة الرسمية، واعتبر أن العبرية وحدها هي لغة الدولة، بينما للعربية «مكانة خاصة» وسينظم استخدامها بموجب القانون[10].

التجربة اليابانية:

(الوطن الأم للإنسان هو لغته الأم)... تُعبِّر هذه المقولة للأديب اليـاباني (ماساهيكو فوجيوارا) عن توجه اليابان وحرصها على هويتها اللغوية.

وقد أدرك القادة اليابانيون منذ القرن السابع عشر وبعد عصور الانقسامات أهمية اللغة في الحفاظ على وحدة البلاد وحماية خصوصيتها، فلم يخضعوا لضغوط التهميش الثقافي واللغوي في علاقاتهم مع الغرب رغم ما عانته اليـابان من أوقات ضعفها الكثيرة؛ والتي اضطرتها أحياناً للقبول بأشكال للهيمنة الأمريكية، أو التوقيع على اتفاقيات غير متكافئة، ولكن الحفاظ على خصوصية اليابان الثقافية وهويتها لم يتم العبث به، ولعل أهم أسباب ذلك هو الحفاظ على وعاء اللغة.

يتحدث أكثر من 130 مليون شخص اللغة اليابانية، وهو ما يجعلها اللغة التاسعة الأكثر انتشاراً في العالم. خارج اليابان هناك 5 ملايين شخص يتحدثون اليابانية بدرجة من الكفاءة - معظمهم من اليابانيين في هاواي والبرازيل، وهي واحدة من أكثر اللغات انتشاراً على الإنترنت، وتعد خدمات اللغة اليابانية في الترجمة والتعلم في غاية الأهمية في البيئات الاجتماعية والتجارية[11].

كيف حافظت اليابان على هويتها اللغوية[12]؟

توحيد اللغة:

في عصر إيدو الذي يمتد من عام 1603م وحتى 1807م كانت اللهجات المحلية هي السائدة في كل مناطق اليابان، فكان لكل إقطاعية لهجتها الخاصة، لكن مع بداية عصر الإصلاح في عهد (ميجي) الذي عقد العزم على توحيد البلاد؛ أصبح وجود لغة قومية أو وطنية جزءاً رئيسيّاً من عملية توحيد البلاد، وساهم المفكرون اليابانيون في تحقيق هذا الهدف.

إدراك أهمية اللغة في تقوية اليابان إقليمياً ودوليّاً:

كانت اليابان في حرب مع الصين عام 1890م وكانت الإمبراطورية بحاجة إلى لغة موحدة، أصبح استخدام اللهجات مستهجناً، وظهرت فكرة أن اليابانيين يتشاركون اللغة والثقافة نفسها وهي فكرة يرفضها الغربيون ويسمونها أسطورة عظيمة تم تسخيرها لتوحيد المواطنين.

إصلاح اللغة:

تم تشجيع العلماء والخبراء في القرن التاسع عشر على الاهتمام باللغة اليابانية، ووضعت سياسات لإصلاحها وتطويرها، فرغم أن اليابان استعارت طريقة الكتابة من اللغة الصينية خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين، إلا أنها قامت بتطوير رموز الكانجي الصيني وإضافة نوعين من الحروف الهجائية سميت بالكاتاكانا والهيراغانا. كما تطور الاهتمام بالدراسات إلى كلاسيكيات الأدب الياباني منذ القرن الثامن الميلادي، وذهب الأمر إلى حد صياغة الأدبيات اليابانية الخالصة، بوصفها أيديولوجيا قومية، أذكت في الشعب الياباني تلك النزعة القومية، التي تأسست على مفاهيم ومعتقدات ذات مرجعية أسطورية.

التصدي للمشروع الأمريكي للتعليم في اليابان:

بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في اليابان على ثلاثة محاور:

الأول: إبعاد المدرسين ذوي النزعة الوطنية.

الثاني: تفتيت مقررات الجغرافيا والتاريخ بوصفها مقررات مساعدة في إشعال الروح الوطنية.

الثالث: فصل الديانة الوطنية «الشنتو» عن التعليم في ظل إقامة دولة علمانية.

حافظت اليابان على تراثها التعليمي التقليدي ولم تتبنَّ أيّاً من المبادئ الأمريكية أو الغربية لتجعلها قواعد ثابتة في نظام التعليم الياباني، وبرز ذلك في التمسك باللغة الأم وتدريس العلوم بها.

الاهتمام بتعليم وترفيه الناشئة بلغتهم الأم:

تقوم شركات إنتاج لعب الأطفال بتصميم لعب وبرامج لها علاقة بما يدرسه التلاميذ باللغة الأم.

اللغة اليابانية العامل الأهم في حياة التلاميذ اليابانيين منذ الطفولة، وهي الأساس في النشاط الثقافي، وهي الأداة الوحيدة لتدريس المواد العلمية المختلفة، كما أن برامج التسلية والألعاب، ووسائل الإعلام لغتها الافتراضية هي اليابانية ولا تزاحمها لغة أجنبية ولا حتى لهجة عامية[13].

تعلُّم اليابانية حول العالم:

بدأت مؤسسة اليابان[14] منذ عام 1974م بإجراء مسحٍ كلَّ بضع سنوات بهدف الحصول على صورة دقيقة عن وضع تعليم اللغة اليابانية في جميع أنحاء العالم. وفي عام 2012م استهدفت الدراسة الاستقصائية 203 دول، وكشفت عن عدد من النتائج، أهمها:

يتم تعليم اللغة اليابانية في 136 دولة، بزيادة 3 دول عن عام 2009م.

العدد الإجمالي لمتعلمي اليابانية حول العالم يقارب 4 ملايين، وزيادة عدد المتعلمين والمؤسسات والمعلمين بنسبة 9.2% عن عام 2009م.

الاستطلاع استهدف المدارس والمؤسسات الأكاديمية التي تدرس اللغة اليابانية، ولم تُحص الدورات التدريبية، وطرق التعلم الذاتي باستخدام التلفزيون أو الراديو أو الكتب أو الإنترنت وغيرها من الطرق، وهو ما يشير بوضوح إلى أن العدد الفعلي لمن يدرسون اللغة اليابانية أكبر بكثير من هذه الأرقام.

تضاعف عدد متعلمي اليابانية 31 مرة، وعدد المؤسسات 14 مرة خلال الـ 33 عاماً الماضية.

وعلى الرغم من أن اليابانية من أكثر لغات العالم صعوبة في التعلم، إلا أن المزيد من الأشخاص حول العالم يُقبلون على تعلمها، ويمكن حصر أهم أسباب انتشار تعليم اليابانية بـ:

1- فرص العمل: تعلُّم اليابانية يحسِّن فرص العاملين في الشركات اليابانية، ويفتح الباب أمام فرص العمل فيها، وخاصة في ظل عدم تحدث اليابانيين - غالباً - إلا بلغتهم.

2- بحسب الإحصائيات اليابانية الرسمية فإن نسبة متعلمي اليابانية بسبب اهتمامهم بما يُعرف بالمانجا (القصص المصورة اليابانية)، والإنمي (الرسوم المتحركة اليابانية) فاقت نسبة متعلميها لاهتمامهم بالتاريخ والأدب الياباني.

3- يرغب الكثيرون حول العالم في تعلم اليابانية باعتبارها جسراً نحو منتجات الثقافة اليابانية الشائعة، وانبهاراً بإنتاجها السينمائي وألعاب الفيديو، كما أنها مدخل للثقافات الشرقية بشكل عام؛ فهي جسر بين الماندرين والكورية، وبتعلم اللغة اليابانية يمكن معرفة المزيد عن تعاليم الأديان والفلسفات الشرقية الرائجة في الغرب.

الخاتمة

انطلقت النماذج الثلاثة التي عرضناها في هذا المقال من الإيمان بقوة اللغة ودورها المحوري في حفظ تماسك الأمم، وفي حماية هوياتها ومستقبلها، وعلى الرغم من أن اللغات الثلاث (العبرية - اليابانية - الفارسية) عانت من ركود تاريخي، ومزاحمة لغات أخرى، وعجز عن تحقيق هدف اللغة الأساسي في التعبير والتواصل، إلا أنه تم إحياؤها، وترميمها، وتسخير الأدباء والعلماء والمثقفين، والمجامع المتخصصة والهيئات المختلفة لإعادة بنائها بحيث تتلاءم مع الواقع، وتؤدي دورها.

ولعل القارئ الكريم لاحظ كيف أن هذه اللغات الثلاث رغم عجزها واستيرادها لأنساق لغوية ومفردات وتراكيب من لغات أخرى، إلا أنها استطاعت أن تكون لغات تعلُّم، فلا يزاحم الأطفال خاصة لغة أخرى في تعليمهم، لا الإنجليزية ولا غيرها، فلم تقتبس اليابانية من الصينية التي اعتمدت عليها في إعادة البناء، ولا اتكـأت العبرية على العربية في المدارس والجامعات رغم أنها اقتبست منها الكثير في بنائها اللغوي.

ولا يستطيع الباحث العربي أن يمر على هذا الموقف مروراً عابراً لا يثير بداخله الدهشة والألم على واقع منطقتنا العربية التي تعتمد في كثير من مناهجها التعليمية على لغات أخرى، رغم أن العربية لغة حية غنية نابضة، لم يصبها قط موات ولا افتقار.

ومن الملاحظ أن الأمم في نشرها للغاتها تعتمد على الدين والثقافة والشعر والأدب، بل على ألعاب الفيديو والمنتجات الكارتونية والفنية، وغيرها من أدوات الانتشار الثقافي التي قد تتفوق على العامل الاقتصادي في إقبال الناس على تعلم اللغات.

كما أنه من الملاحظ في التجارب الثلاث موضوعِ البحث أنها رسخت للغاتها ونشرتها عبر مسارات عديدة، أولها القرار السياسي والتوجه العام للدولة، بالتعاضد مع المسار الأدبي والفكري والثقافي بفروعه الفنية والترفيهية، وقد أولت جميعها اهتماماً فائقاً بتعليم الناشئة لغاتهم الأم دون مشوش من لغات أخرى، وآمنت بقدرة لغاتها - رغم ضعفها - على أن تكون لغات علم وثقافة وتجارة ودبلوماسية.


 


[1] معهد الدراسات الآسيوية، جامعة نورث كارولينا shorturl.at/fpxFG.

[2] موقع وورلد مابر shorturl.at/fistM .

[3] أثر العربية في أهم اللغات في آسيا - الدكتور سلمان بن سالم بن رجاء السحيمي.

[4] مجلة كلية اللغة العربية الزقازيق - العدد 27 - 2007م (مستفاد مع إعادة الصياغة والتلخيص).

[5] مقال نزار آغري مراجعة لكتاب: الهوية الإيرانية واللغة الفارسية: حنين إمبراطوري - شاهرخ مسكوب- صحيفة الحياة.

التوظيف الإيراني للفارسية دور اللغة في تصدير الثقافة والثورة/ د. أحمد موسى- مجلة الدراسات الإيرانية - 2017م السنة الثانية - العدد الخامس – ص: 58- 59.

[6] واشنطن بوست/ يناير 2018م.

[7] اللغة العربية والتنمية: الميسرات والمعيقات - د. بوجمعة وعلي- الطبعة الأولى 2018م الناشر: e-kutub ltd- ص 109.

[8] جروفز جودي، وماهرجون، اللغة والسياسة، ص٤٢.

[9] مستفاد من «المدرسة العنصرية: بحث في واقع المؤسسة التعليمية اليهودية» - الدكتور محمد مختار المفتي- دار نشر أمواج.

[10] مقال « د. حسيب شحادة: نظرات قانوية في (قانون القومية) الإسرائيلي» موقع صحيفة رأي اليوم.

[11] تاريخ اللغة اليابانية - موقع todaytranslations.com

[12] مراجعة كتاب التجربة اليابانية دراسة في أسس النموذج النهضوي سلمان بونعمان - مركز حرمون للدراسات المعاصرة.

[13] التعلم باللغة الأم والحفاظ على الهوية القومية في اليابان د. سمير عبد الحميد إبراهيم نوح- المؤتمر السنوي الرابع عشر لتعريب العلوم بالقاهرة 2008

[14] مؤسسة اليابان shorturl.at/gkt68 مؤسسة عامة تروج لمشاريع التبادل الثقافي الدولي.