الاحتلال دائماً هو المسؤول الأول عن محو هوية البلاد المحتلة وثقافتها عبر تشويهه لغات تلك الأمم وتقليص المساحة الممنوحة لها، في مقابل هيمنته اللغوية على التعليم والثقافة. وبالرغم من انتهاء عصر ما يسمى بالاستعمار، الذي طالما عانت منه شعوبٌ عديدةٌ؛ إلا أن آثاره ما تزال باقية؛ إذ يعد أخطر ما يهدد هوية الأمم وثقافتها هو الاستعمار اللغوي والثقافي؛ وذلك عبر حملات وأفكار هدفها الأول والأخير تشويه اللغة الأم في مناهج التعليم وإضعاف مستوى الأداء اللغوي فيها، والتي تُظهر مُستخدمي اللغة الأولى على أنهم متخلفون عن الركب الحضاري. فضلاً عمَّا يتسرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة من تراكيب لغوية بعيدة الصلة عن لغة الدولة التي يعيش فيها أولئك المواطنون. الأمر الذي لا يهدد لغة الدولة فحسب بل يضعف هويتها وثقافتها كذلك.

ارتباط اللغة بالهوية والثقافة:

إن اللغة في ارتباطها بالهوية تتخطى معناها اللغوي والتقني المجرد إلى كونها رمزاً للمجتمع الذي تعبِّر عنه وأداة لتفاعله وطريقة أهله في التفكير والتعبير. إضافة إلى كونها قضيةً اجتماعيةً ذات صلة وثيقة بهوية الدولة وشخصية مواطنيها، وعاملاً حاكماً يسهم في تقوية الانتماء والترابط والولاء لديهم.

وعند تعريف اللغة، نجد جذرها اللغوي يعود إلى كلمة «لغو» أو «لغي»، التي تدور معانيها حول الرمي أو الطرح أو اللفظ. وتعرَّف على أنها أداة للتفكير تؤثر في الإنسان وتتأثر به، كما أنها لسان الجماعة ومرآة فكرها ومنجم عطائها والملمح الرئيسي لخصوصيتها.

أما الهوية، فتشتق من كلمة الـ «هو»، حرف الرباط الـذي يدل في اللغة العربية على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، ويعرفه علماء الاجتماع على أنه الشيء الذي يُشعر الشخص بالاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه والانتماء إليه. ذلك الشعور بالهوية والانتماء، تتضافر من أجل تشكيله مجموعةٌ من العوامل، تقف على رأسها اللغة[1].

بَيْد أن الهوية أعم من اللغة، لأن للهوية تجلياتٌ أخرى غير اللغة؛ فبينما تعد اللغة هوية فإن الهوية ليست لغة، ورغم ذلك فإنهما وجهان لشيء واحد. فقد أثبتت العديد من الدراسات موثوقية العلاقة بين اللغة والهوية الذاتية والجمعية، تلك العلاقة قائمة بالأساس على الإلمام باللغة الأم والتحصيل الشخصي والعلمي. ففي أي مجتمع، لا تمثل اللغة مجرد كلماتٍ وألفاظ، بل تتجلى في كونها وعاءً يحوي مكوناتٍ وجدانيةٍ ومعتقداتٍ وخصوصيات لذلك المجتمع؛ الأمر الذي يفسر سبب اعتزاز كل شعب بلغته.

موقع اللغة في التراث الثقافي:

للتراث الثقافي جانبان أساسيان: أحدهما ملموس يتمثل في المباني والأدوات والمدن والمدارس. والآخر غير ملموس ويشمل المعتقدات والعادات والتقاليد واللغات. وبما أن التراث الثقافي هو الذاكرة الحية لكلٍّ من الفرد والمجتمع، فإن الثقافة لا تنتج إلا من خلال اللغة أيّاً كان نوعهما؛ إذ لا يمكن تخيل ثقافة لا يحتويها ولا يتفاعل معها أو يساهم في نقلها وعاءٌ لغويٌّ معيَّن. وقد حصر المنظرون مسألة الهوية، وَفْقَ العوامل التي تشكلها، في اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا والتكوين النفسي - الثقافي. ومن ثَمَّ فإن الثقافة هي الوعاء الذي يتضمن كل تلك المعايير.

ومن هذا المنطلق تعد الهوية الثقافية تعبيراً في غاية الأهمية؛ إذ تعتبر الحد المكتسب من التصورات والمعارف المختلفة المحيطة بالفرد. فالهوية الثقافية في أمة أو حضارة هي بمثابة القدر الثابت والجوهري الذي يميز حضارة أمة عن غيرها من الحضارات، وهي التي تمنح الشخصية الوطنية قدراً من التميز عن غيرها. ذلك لأن غلبة اللغة تأتي من غلبة أهلها ومنزلة لغتهم بين اللغات، وبطبيعة الحال يمثل ذلك انعكاساً لمنزلة دولتهم بين بقية الدول.

لذا فالحفاظ على التراث الثقافي وبُعْدِه الحضاري واللغة يعد بمثابة دائرتين متداخلتين لا يمكن انفكاك إحداهما عن الأخرى. فإذا كانت اللغة هي الفكر الذي من خلاله يتفاعل الإنسان مع مختلف المواقف؛ فإن الثقافة هي ذلك الكيان المتشابك وغير الملموس الذي يفرض عليه طُرُقاً محددة في التعامل مع الآخرين، ويحدد استجابته تجاه تلك المواقف[2].

دور اللغة في الحفاظ على الهوية والثقافة:

العلاقة الوثيقة بين اللغة والهوية باتت عنـواناً للعـديد من الصراعات في العالم، واستحوذت على اهتمام المفكرين والمؤرخين؛ فاللغة تمثل المعْلَم البارز في تحديد الهوية.ونظراً للانفصام اللغوي الهوياتي بين النخب المثقفة وعموم الشعب؛ فإن قضية الهوية وصِلَتها باللغة، باتت تمثل قضية محورية وسط صراع يشهده العالم تتجاذبه الهويات من ناحية واللغات من ناحية أخرى.

ومع ظهور اتجاه يدعو إلى التعددية والتفاعل الفكري والحضاري وإسقاط مفهوم الهوية والذاتية، وتجنب الحديث عن الغزو الفكري والثقافي؛ فإن لغة وهوية الأمم باتت في خطر محتوم ما لم تستفقْ شعوبها وتعِ خطورة الانسياق وراء حملات تشويه لغاتهم بدعوى التحضر والتمدن.

ولو علمت الشعوب أهمية اللغة ومركزيتها في هويتهم، ما تركوها تتفلت من بين أيديهم؛ فاللغة إرث اجتماعي ومَن يمتلك اللغة يملك الهوية العقلية والروحية. وذلك لقدرة اللغة على الحفاظ على الهوية الخاصة بكل فـرد لا هوية أممهم الدينية والثقافية والاجتماعية فحسب.

وهو الأمر الذي فعلته اللغة العربية تماماً؛ من خلالها حفظ الدين الإسلامي وتعاليمه؛ خاصة في الدول غير الناطقة بالعربية كالهند مثلاً. كما حفظت التراث الثقافي الإسلامي والعربي، وذلك عبر تدوين الكتب والمخطوطات العربية، وكلِّ ما قدمته الحضارة الإسلامية من علوم وفنون وشعر وأدب.

ومن خلال اللغة، تعرَّف البشر على العديد من الحضارات القديمة وتاريخها مثل الحضارة المصرية القديمة، والحضارة البابلية، وحضارة سبأ، وكذلك الهند واليونان؛ إذ دُونت تلك الحضارات من خلال الرسومات والكتابات التي وجدت على جدران آثارها؛ فقد حفظت اللغة هوية تلك الحضارات، والتي لولاها لاندَرَسَ تاريخهم مع أفول حضاراتهم.  

إضافة إلى ذلك، فإن اللغة تحمل هموم متكلميها وتساهم في تنظيم سلوكهم وتفاعلهم وتعبيرهم عن مشاعرهم وتوحيد انتمائهم. فقيمتها ليست محصورة في طبيعتها فقط فهي أكبر من مجرد آلية للتبليغ والتواصل؛ بل في قدرتها على تجسيد وتصوير الثقافة اللسانية وفكرها. وكونها جامعة بين مُعبِّر عن الإبداع وحامل للمعرفة ومنتج لها، ووعاءً للفكر والثقافة.

علاوة على ذلك، فالتمسك باللغة هو السبيل الأول لحماية وتحصين هوية أي أمة، مثلما فعل اليابانيون عندما رفضوا الهيمنة الصينية إبَّان الاحتـلال؛ فقد حافظوا على لغتهم نظراً لمركزيتها في بناء الأمة والقومية اليابانية؛ وإلا لانصهرت هويتها وأصبحت جزءاً من الهوية الصينية.

الاستعمار الثقافي والهيمنة اللغوية:

تُعرَف الهيمنة اللغوية على أنها تلك الظاهرة التي من خلالها تتم السيطرة على عقول وأذهان شعوب معيَّنة؛ وذلك عبر استحواذ لغة الأجنبي على لغة الشعب لدرجة ارتباط استعمال اللغة القومية بالتخلف والرجعية، وعلى العكس تصبح لغة المستعمر مرتبطة بالتقدم، واستخدامها دليل على التحضر ومواكبة العصر وشيوع استخدامها في نظامهم التعليمي، والمعاملات الحكومية والقضائية. والهيمنة اللغوية تتبع في ذلك منهجية تمكنها من بسط سيطرتها ليس فقط على عقول وأفكار العامة، بل النخبة كذلك. حتى يصبح المرء على اعتقاد جازم بأن لغته الأصلية لا ترقى إلى مستوى اللغة المهيمنة وأن العزوف عن استخدامها هو أول الطريق أمام التظاهر بالتحضر والرقي. فيصبح تعلم اللغة الأجنبية بالنسبة له هو الطريق نحو حياة جديدة ذات ثقافة جديدة. فقد خلق الاستعمار الثقافي، عبر سيطرته على عقول الشباب، أجيالاً فارغة من الثقافة وبلا هوية، لا تتقن لغتها الأم بينما تتباهى بقدرتها على التواصل باللغات الأجنبية المختلفة. ومن أجل الوصول إلى تلك الغاية، اتبع الاستعمار الثقافي عدة وسائل، لعل أهمها[3]:

أولاً: خدعة المثاقفة:

يقصد بالمثاقفة: القضاء على ثقافة معينة لصالح ثقافة أخرى، ثم تقليصها داخل ثقافة المركز. وقد أصبح العالم أجمع بفعل العولمة متوحداً تحت إطار هوية واحدة مركزية، وتحت مسمى المثاقفة، اندمجت الهويات الثقافية الخاصة مع الثقافة المركزية. وبدأت مفـاهيم جديدة في الظهـور، كي تمنح لعملية الهيمنة اللغوية صورة أكثر وجاهة كـ (مفهوم التفاعل الثقافي والثقافة العالمية). وقد أصبحت اللغة الإنجليزية بفعل ذلك على نحو مخصوص سمةً مصاحبة للثقافة والفكر، وبات يُنظَر للشخص المثقف والحاصل على درجة تعليمية عالية في أي مجتمع - إذا لم يكن متحدثاً باللغة الإنجليزية - بشيء من الانتقاص، بل قد يُمارَس نوع من الإقصاء ضده.

ولعل جهود الغرب في ذلك، لم تكن قرينة العصر الحديث؛ بل ترجع جذورها إلى الجهود التي بذلتها بريطانيا أثناء استعمارها لعدة دول في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. وما فعله الاستعمار الفرنسي في دول المغرب العربي، حتى باتت اللغة الفرنسية منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا تعامَل معاملة اللغة الأولى وجزءاً لا يتجزأ من الهوية المغاربية. إلى أن برزت الهيمنة الثقافية واللغوية على يد الولايات المتحدة في ثوبها الجديد بفعل العولمة، باعتبارها قوة ناعمة قادرة على فعل ما لا تقوى عليه الجيوش؛ ألا وهو طمس وتدمير الهويات.

ثانياً: السيطرة على مخرجات العلم والبحث العلمي والتقني:

كان الهدف الأول الذي طالما سعى الغرب لتحقيقه من أجل طمس هوية الشعوب، هو إرساء حالة من التبعية اللغوية والعلمية والفكرية؛ وذلك لإعاقة أي سبيل قد يقود نحو التطور والإبداع في الأمة المراد استعمارها ثقافيّاً. لذا حارب الغرب مسألة سيطرة اللغة الأم على المناهج الدراسية ومحاولات تعريب المناهج الغربية بما يتناسب مع الثقافة العربية.

فسعى لبثِّ أفكار التطوير واستبدال اللغات الأجنبية محل اللغة الأم، وتقليص المساحات التي تُمنح فيها للغة الأم. بل بث قنـاعة لدى أولياء الأمـور بأن تفـوق الأبناء لـن يأتي سوى بجعل اللغة الأجنبية هي لغة التعليم الرئيسية وتنحية اللغة الأم جانباً.

وعلى سبيل المثال، فقد اتبع الاستعمار الفرنسي من أجل تحقيق هيمنته اللغوية على التعليم في المغرب، عدة طرق كان على رأسها، السعي إلى إحداث تقسيم عرقي عبر خلق الهوة والصراع بين البربر والعرب. وعملت فرنسة على إجهاض اللغة العربية من خلال إقصائها من المدرسة المغربية والأمازيغية، وفي المقابل تثبيت الفرنسية لغةً مشتركة وموحدة.

ليس ذلك فحسب، بل خلقت لوبيات تنتصر للغة الفرنسية وتدافع عنها، من خلال الدعاية لها في مقابل طمس الحقائق وإخفائها عن المواطنين وإبراز اللغة الفرنسية حلاً وفرصة ذهبية لا بد من تعلمها لتحسين حياة المواطنين إلى الأفضل.

جدير بالذكر، أن الاستعمار الثقافي لم ينجح في بث أفكاره وسمومه سوى في الأمة العربية؛ فلا يذكر أن دولة أجنبية تميل إلى تدريس العلوم بغير لغتها الأم، كذلك لا يذكر أن اليابان تدرِّس المعارف والعلوم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية. وحدها الأمة العربية، التي باتت اللغة الأجنبية فيها شرط الحداثة والحصول على وظيفة وعلامة على الرقي الاجتماعي. وإذا ما أرادت الأمة العربية التخلص من التبعية اللغوية حفاظاً على ما تبقى من هويتها، فعليها استجماع قواها اللغوية وقوى أبنائها للتدريس باللغة الأم والسعي نحو إنتاج بحث علمي متطور بعيداً عن أي هيمنة من اللغات الأخرى.

ختاماً:

تضيع ثقافة الأمم وتُطمَس هوياتها عندما يتخلى أهلها عن لغتهم الأم، ويستعيضوا عنها بلغات أخرى أجنبية، تصبح بالنسبة لهم علامةً على التقدم والرقي. فللغة مكانة مركزية في هوية وثقافة أي أمة، وأي تخلٍّ أو تهاونٍ قد يحدث بحق اللغة تنعكس آثاره على هويتهم؛ إذ تمثل اللغة الوعاء الحاوي للثقافة والهوية، فإذا ما تبدل ذلك الوعاء تبدلت معه الثقافة والهوية. وهو ما يجعل من معرفة اللغة درعاً واقياً وحصناً آمناً لهوية وثقافة أي أمة، بل يمنحها المكانة التي تستحقها بين بقية الأمم انطلاقاً مما يميزها.

 


 


[1] ضياء الدين زاهر، اللغة ومستقبل الهوية: التعليم نموذجاً، الإسكندرية، مصر: مكتبة الإسكندرية، وحدة الدراسات المستقبلية، 2017، ص30.

[2] كريمة محمد كريبة، اللغة والهوية، جامعة سلمان بن عبد العزيز: كلية التربية، قسم اللغة العربية، 1435هـ.

[3] نورالدين لبصير، تجاذبات اللغة والهوية بين الأصالة والاغتراب، الجزائر: جامعة حسيبة بن بوعلي، ص31-40.