تمثل تدهور النظام السياسي في فشل الدولة في السيطرة على كافة شؤون البلاد، وانعكس هذا الفشل على حالة الأمن وتزايد الظلم في البلاد، فيصف لنا السبكي ما يفعله رجال السلطة بقوله: «إنك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال هذا جامع فلان...»[1]. ومثال لذلك عندما عُيِّن ذخيرة الملك جعفر[2] في ولاية القاهرة والحسبة عام (509هـ/1115م) «فظلم وعسف»[3].

وفي عام (516هـ/1122م) جرى من ظلمه ما هو مشهور؛ فقد بنى مسجداً ما بين الباب الجديد إلى الجبل وعرف باسم (مسجد: لا بالله) بحكم أنه كان يقبض الناس من الطريق ويقولون له: (لا بالله) فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلا صانع مُكْرَه أو فاعل مقيد[4]، وكان ذلك في عهد الخليفة الآمر فقد كان «فاسقاً ظالماً... ذا كبر وجبروت»[5]. وفي عام (524هـ/1129م) وقع النهب في القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيسارية وكان فيها أكثر ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم « وتكرر الأمر في عامي (526هـ/1131م)، و (533هـ/1138م)[6].

ويظهر تدهور الأمن في الاحتفال بيوم عاشوراء كما حدث في عام (517هـ/1123م)[7] «حيث يتخذونه يوم حزن تتعطل فيه الأسواق»، وكان الفاطميون كبقية الشيعة يجعلون من العاشر من المحرم يوم حزن وبكاء، وفي هذه الذكرى يحتجب الخليفة عن الناس، وتقدم أطعمة الحزن ومنها العدس والملوحات، ويظل الحزن بجميع شوارع وحارات القاهرة [8]؛ فقد كان وبالاً على الشعب المصري، وكان الجنود المغاربة يوجهون السباب إلى من يتجرأ على فتح حانوته، وممارسة العمل مع الناس؛ حيث «أغلق البياعون حوانيتهم إلى بعد العصر»، وهو ما أدى للاشتباكات بين الجنود، وأصحاب الحوانيت[9] فكان المجتمع المصري لا يهتم بهذا اليوم؛ ولكنْ حرص الفاطميون على إقناعهم بالمذهب الشيعي عن طريق إقامة العديد من الاحتفالات الخاصة بهم على مدار العام  دون النظر إلى ما يسببه ذلك من ضرر لفئات المجتمع المصري.

وفي (22 محرم 558هـ/ ديسمبر1162م) عندما تولى شاور الوزارة بعد قتله للوزير رزيك بن طلائع عام (556هـ/1160م) أساء السيرة في الرعية[10]، وأكثر من سفك الدماء وكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان بدار الوزارة[11] وربما وصل شاور لهذه القوة استناداً لسلطته أو بدء غروب شمس الفاطميين، ومن ناحية أخرى ضعف آخر الخلفاء الفاطميين العاضد.

وظهر تدهور الأمن في الخطاب الذي أرسله الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي، وذلك بأن يمحـو الظلمات التي وقعت على كاهل الشعب المصري من قبل الفاطميين كالمكوس مثلاً. وقس على ذلك غيرها من المظالم والرسوم[12]. ومع ذلك كان رجال الأمن في عهده يعترضون طريق الحجاج والمسافرين بأخميم وقوص «من التعرض لمراكب المسافرين... وإدخال الأيدي إلى أوساط التجار» بحثاً عما احتضنوه من أموال، غير ما يتعرض له الحجاج من مواقف الخزي الأخرى[13]

وعندما أتم أسد الدين قراقوش بناء القلعة في عام (579هـ/1183م) استخدم أسرى الحرب وعدداً غير محدد من الفلاحين الذين سُخِّروا لهذا الغرض للحصول على أيدي عاملة مجانية[14]. وفي شوال عام (592هـ/ أغسطس1195م) عهد العزيز عثمان «كثر القتل بالقاهرة بأيدي السكارى... حتى خطفت الأمتعة والمآكل من الأسواق» وتكرر الأمر في ذي القعدة، وعجز والي القاهرة عن ردعهم[15]، وعندما استكثر الصالح من شراء المماليك عام (630هـ/1232م)، وصاروا يشوِّشون على الناس، وينهبون بضائعهم، قام الصالح بصدهم بأن «بنى لهم قلعة في الروضة... لا يخالطون الناس بالمدينة»[16].

وفي عام (648هـ/1250م) كثر ضرر رجال السلطة بمصر، فقتلوا ونهبوا الأموال وسَبَوا الحريم، وزاد فسادهم بالعباد[17]. وعام (649هـ/1251م) كثر الظلم وعظم الجور والمصادرات حتى أخذوا مال الأوقاف والأيتام على نية القرض[18]. وفي عام (652هـ/1254م) استفحل أمر الأمير فارس الدين أقطاي، وكانت أصحابه تأخذ أموال الناس «ويدخلون الحمامات ويأخذون النساء منها غصباً وكثر ضررهم»، بالإضافة لذلك كان المعز أيبك يُحصِّل الأموال بشتى الطرق من كل فئات المجتمع[19] بعد تعيينه القاضي الأسعد شرف الدين بن صاعد الفائزي وزيراً[20].

وفي عام (663هـ/1264م)، طاف السلطان الظاهر بيبرس ليلاً بالقاهرة متنكراً ليعرف أحوال رعيته، ورأى بعض المقدمين قد عرَّوا امرأة سروالها بيدهم، ففي الصباح «قطع أيدي جماعة من نواب الولاة، والمقدمين، والخفراء، وأصحاب الرباع بالقاهرة» وجعل العيون له على من يشك في أفعاله[21]، بينما في عام (678هـ/ 1279م) ظهر بالقاهرة ومصر رجلان من رجال الأمير جمال الدين أقوش، وأفسدا فساداً كثيراً وشغفا بشرب الخمر، وصارا يكتبان الأوراق للأعيان بطلب شيء من إحسانهم، وإلا أتوه ليلاً، واستمر الحال حتى قبض عليهم، وأمر السلطان المنصور قلاوون بتسميرهما عند باب زويلة [22] وفي عامي (692هـ/1292م، 694هـ/1294م) هجم المماليك على إسطبلات الناس وأخذوا خيولهم، وتعدَّوا على كثير من الناس[23].

بينما شهد عصر المماليك الجراكسة تصاعداً مطرداً في تدهور الأمن والظلم بحيث صار واقعاً ملموساً في السنوات الأخيرة حتى سقوط الدولة. ففي عام (824هـ/1421م) جار المماليك على الناس، وتعدَّوا على أموال التجار، وعجز السلطان الظاهر ططر عن كف أيديهم عن الناس، فمنع الأفراح عام (832هـ/ 1428م) خوفاً عليهم من شر مماليكه، وتكرر ذلك بشكل آخر بمنع مماليكه من الخروج من الطباق في عامي (841هـ/1437م، 860هـ/1455م)، ولكنهم لم ينفِّذوا الأمر وكانت النتيجة زيادة أسعار المأكولات[24].

وفي الفترة الأخيرة من عمر الدولة زادت تعدياتهم؛ لكن ذلك كان بسبب قلة النفقة عليهم من أجل التجريدات والحروب، كما حدث في (محرم 916هـ/ إبريل 1510م)، حيث نهبوا دكاكين سوق ابن طولون وتحت الربع، حتى كادت أن تخرب مصر، ولم تخلُ سنة بعد ذلك إلا وتكرر الأمر بسبب النفقة[25].

بينما كانت هناك طريقة أخرى للتعدي على أموال الناس وترويعهم؛ حيث ابتكر المماليك بدعة جديدة هي «عفاريت[26] المحمل»؛ وهم مجموعة من المماليك يركبون خيولهم وينال إهانتَهم، وفسادَهم جميع طبقات المجتمع المصري، ووصل الأمر حتى صار العفريت منهم يجبي الدكاكين، فترك الناس فرجة المحمل حتى أصدر السلطان الأشرف برسباي عام (862هـ/ 1457م) أوامره بمنع المماليك الأجلاب بعمل أحد منهم عفاريت المحمل، لكن تكرر بعد ذلك في عام (871هـ/ 1466م)[27].

وقد كان هناك عامل آخر من شأنه ترويع المجتمع المصري؛ وذلك أثناء اختفاء سلطان أو هروب الأمراء، كما حدث في (ذو القعدة 778هـ/ مارس1376م) حيث قامت جماعة الوالي بالقبض على السلطان الأشرف شعبان الثاني في البيت الذي اختبأ فيه، ونهبوا الرخام الذي فيه وفي البيوت المجاورة، بينما في رمضان (906هـ/ 1500م) صار السلطان العادل طومان باي يهجم على البيوت، والحارات بسبب الأمراء الذين اختفوا؛ فصار المماليك يشوِّشون على الناس حياتهم، وفي شوال من العام نفسه دارت الدائرة على العادل، حيث زاد أمر التفتيش عليه فصار المماليك يفعلون في الأهالي كما فعلوا من قبل.

ولذا انعكس تدهور النظام السياسي في فشل الدولة في السيطرة على حالة البلاد. فالواقع التاريخي يقتضي أن نقرر أن عصر المماليك البحرية، قد شهد فترات من اضطراب الأمن لا سيما في عهود السلاطين الضعاف، بينما كان التدهور الأمني قد اتخذ صفة الدوام في عصر المماليك الجراكسة، وبالأخص في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي؛ فإن حوادث سرقات الأطفال، والتجار، والعامة على أيدي عصابات كبيرة العدد من المنسر، والزعر قد أصبحت مادة ثابتة في حولية ابن إياس التي تؤرخ لأواخر عصر المماليك في ما يشبه اليوميات، وكانت تلك العصابات تنهب البضائع من الأسواق، وتقتل الخفراء دون أن تجد من يتعقبها، وكان أكبر دليل على الوضع السيئ في البلاد أنه في (جمادى الأولى 922هـ/ يونيو 1516م) عجز رجال السلطة في ظل غياب القانون عن ملاحقة المناسر والعصابات، حيث صدرت الأوامر من السلطة بعدم خروج أحد من بيته بعد العشاء ولا يمشي بسلاح، وقد استمرت أعمال اللصوصية حتى بعد انهيار الدولة، ودخول العثمانيين مصر.


 


[1] السبكي، معيد النعم ومبيد النقم، (تحقيق محمد علي النجار وآخرون، الطبعة الثالثة، الخانكي، القاهرة، 1996م)، ص20، قاسم عبده قاسم، دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي عصر سلاطين المماليك، (ط1، المعارف، القاهرة، 1983م)، ص59.

[2] ذخيرة الملك جعفر: ابتدع في عذاب الجناة وخرج عن حكم الدين الإسلامي فابتلي بالأمراض الخارجة عن المعتاد وعند موته تجنب الناس الصلاة عليه لشدة ظلمه. انظر المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، (مكتبة الآداب، القاهرة، 1996م)، 4/ 268.

[3] المقريزي، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا،(تحقيق جمال الدين الشيال، لجنة إحياء التراث، القاهرة، 1967م)، (تحقيق، محمد حلمي محمد أحمد، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1973م)، 3/ 55. 

[4] ابن المأمون، نصوص من أخبار مصر، (تحقيق أيمن فؤاد سيد، المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة، 1983م )، ص47، المقريزي، الخطط، 4/ 267.

[5] ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الطبعة الأولى، (دار الكتب المصرية، القاهرة، 1938م)، 5/ 170.

[6] المقريزي، اتعاظ الحنفا ، 3/ 139، 143، 171. 

[7] هو يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي لأنه استشهد فيه، انظر المقريزي، الخطط، 2/ 385، اتعاظ الحنفا، 3/ 97، هامش(3)، ابن تغري بردي، المصدر السابق، 5/ 153، 154.

[8] المقريزي ، الخطط،  2/ 385. 

[9] ابن تغري بردي، المصدر السابق، 5/ 154، جمال الدين الشبال، دراسات في التاريخ الإسلامي، (ط أولى، الثقافية الدينية، بورسعيد، 2000م)، ص85، 86، عبد المنعم سلطان، المجتمع المصري في العصر الفاطمي، (المعارف، القاهرة، 1985م)، ص155.

[10] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون (ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، قدمها عبادة كحيلة، (الذخائر، هيئة قصور الثقافة، القاهرة، 2007م)، 5/ 246، ابن تغري بردي، المصدر السابق، 5/ 346 .

[11] عمارة اليمني، النكت العصرية في أخبار الوزارة المصرية، (نشرة هرتويغ درنبرغ، ط مرسو، مدينة شالون، 1897م)، ص87. 

[12] ابن تغري بردي، مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة، (تحقيق نبيل محمد عبد العزيز، ط2، دار الكتب، القاهرة، 2012م)، 2/ 4، السيوطي، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، (طبعة الموسوعات، القاهرة، 1321هـ)، 2/ 24-26؛ ابن إياس، كتاب تاريخ مصر المشهور ببدائع الزهور في وقائع الدهور، (تحقيق محمد مصطفى العجمي، ط2، دار الكتب، القاهرة، 2008م)، 1/234، 235. 

[13] ابن جبير، رحلة ابن جبير، (ضبطه محمد زينهم محمد عزب، ذخائر العرب، ع 77، دار المعارف، القاهرة، 2000م)، ص68، 69 .

[14] أولج فولكف، القاهرة (مدينة ألف ليلة وليلة)، (ترجمة أحمد صليحة، الهيئة، 1986م)، ص83، الجزيري الأنصاري، درر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المكرمة، (المطبعة السلفية، القاهرة، 1384هــ)، ص261، 263.

[15] المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، (تحقيق محمد مصطفى زيادة، والثاني، دار الكتب، القاهرة، 1943م)، 1/137،  138.

[16] المقريزي، السلوك، 1/ 339؛ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، 6/ 341؛ السيوطي، كوكب الروضة في تاريخ النيل وجزيرة الروضة، (تحقيق محمد الششتاوي، دار الآفاق العربية، القاهرة، 2002م)، ص85؛ ابن إياس، بدائع الزهور، 1/269 ، 270.

[17] المقريزي، السلوك،  1/380؛ الخطط، 3/386.

[18] ابن تغري بردي، المصدر السابق، 7/23.

[19] بيبرس المنصوري، التحفة المملوكية في الدولة التركية، (تحقيق عبد الحميد صالح حمدان، الطبعة الأولى، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1987م)،ص34، المقريزي، السلوك، 1/ 389، 390.

[20] المقريزي، المصدر السابق، 1/ 404.

[21] عز الدين ابن شداد، كتاب تاريخ الملك الظاهر بيبرس، (تحقيق أحمد حطيط، الذخائر، ع190، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2000م)، ص311، 314؛ المقريزي، المصدر السابق، 1/540.

[22] المقريزي، المصدر السابق، 1/ 672، 673.

[23] العيني، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، (تحقيق محمد محمد أمين، العصر المملوكي، دار الكتب، القاهرة،2010م)، 3/ 169، ابن إياس، المصدر السابق، 1/385.

[24] ابن تغري بردي، حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور، (تحقيق فهيم محمد شلتوت، ج1، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1990م)، 1/ 491، 495، 509، 510، 515، ابن الصيرفي، نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان، (تحقيق حسن حبشي، ط2، 2010م)، 3/ 160،161،400، 401، ابن إياس، المصدر السابق، 2/ 71،125،180، 335.

[25] ابن إياس، المصدر السابق ، 2/ 337،340،428، 3/94، 202، 247، 441 ، 4/ 177، 178، 278، 295، 368، 371، 427-431، 484.

[26] كان الهدف من عفاريت المحمل إضحاك العوام والتفتيش عن الناس، وبسبب قلة الأمن صار المماليك الأجلاب يتعدون على الناس حيث قال ابن تغري بردي: «وما كفاهم ذلك حتى صار العفريت منهم إذا مر بالشارع على فرسه بتلك الهيئة المزعجة يجبي الدكاكين، وإذا صدف رئيساً من بياض الناس أمسكه وأخذ منه ما شاء غصباً... فضر ذلك بحال الناس كثيراً، وتركوا فُرجة المحمل. بل صاروا يترقبون فراغ المحمل، ليستريحوا من هذه الأنواع القبيحة». انظر ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة ، 16/ 123،124، نظير حسان سعداوي، صور ومظالم من عصور المماليك، (النهضة المصرية،القاهرة، 1966م)، ص83.

[27] ابن تغري بردي، المصدر السابق، 16/123؛ ابن الصيرفي، المصدر السابق، 3 /380 ، 400؛ ابن إياس، المصدر السابق ، 2/174، 348، 447.