تعد منابر التواصل الاجتماعي العشرة ومن أشهرها (تويتر وفيس بوك)، إحدى إفرازات التطور الهائل في مجال الاتصالات ومع الانتشار الهائل لها تنوعت من ثَمَّ استعمالاتُها من وسيلة تواصل مع الأصدقاء والأقارب إلى نشر الرؤى والأفكار والمقاطع في الفضاء الواسع، وتم من خلالها كسر احتكار المنابر الإعلامية التي كانت حكراً على الدول ومجموعات إعلامية أخطبوطيه تتحكم في إنتاج وبثِّ المنتجات الإعلامية من المقالة الصحيفة إلى الأفلام مروراً بالأخبار والبرامج، وأصبح بإمكان الأفراد والجماعات المهمَّشة الوصول إلى الناس بتكلفة منخفضة...

  ومع تطور محركات البحث أصبح بإمكان الفرد البحث بسهولة عن المعلومة المكتوبة أو المقاطع في كل فن؛ وهو ما أدى إلى ارتفاعٍ هائلٍ في المعروض وهي سلسلة متصلة من حاجة المستخدم وهدف المنتج، وتطور الأمر حتى إنه يمكن للفرد أن تكون له قناته الإعلامية الخاصة وصحيفته الخاصة في تنوعٍ مدهشٍ وأرقامِ متابعةٍ مدهشةٍ تصل الملايين. ومع الوقت دخل في هذا المجال الباحثون عن الشهرة والمجد الشخصي والمال، وتطور الأمر حتى أن الملوك والرؤساء وأصحاب النفوذ أصبح لهم صفحات ومنابر خاصة بهم تقتصر في غالبها على الدعاية الشخصية والتواصل الخفيف مع الأفراد؛ ولكن هناك حالة واحدة استثنائية تجاوزت الحدود المعقولة في استخدام صفحة التويتر الشخصية ألا وهو الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)؛ الذي يبدو أنه أصيب بحالة إدمان على استخدام هذه المنصة وما يصاحب ذلك من هجومه المستمر على الإعلام الأمريكي واصفاً إياه بالكذب والافتراء، وتكرار طرد الصحفيين المشاغبين من لقاءاته الصحفية، ونمو العداء مع الإعلام الأمريكي بحيث لا يمكن وصف أي قناة بالمؤيدة له إلا قناة (فوكس نيوز) اليمينية؛ وهو ما يبرر تركيزه على بناء هالة إعلامية قائمة على منبر باسمه الشخصي، وأصبح لديه مشاركات مستمرة ليلاً ونهاراً طوال أيام الأسبوع... ولنا أن نتخيل مستوى التغريدات لشخص انفعالي كبير في السن يخوض صراعاً مستمراً على جبهات كثيرة، وسواء كانت التغريدات منه شخصياً أو أن بعضها تكتب باسمه فإنه مسؤول عنها؛ ولذا أصبح هدفاً سهلاً لمن يريد أن يتصيد التناقضات والأخطاء المعلوماتية والإملائية التي من كثرتها لم تعد مجالاً للبحوث الجادة؛ بل أصبحت أقرب إلى المجال الهزلي وهذا خطر على مقام الرئاسة؛ فمثلاً قام أحد متصيدي الفرص الاستثمارية الأذكياء واسمه (سام موريسون) بطباعة تغريدات ترامب التي يرى أنها متناقضة والتي وصلت لـ40 ألف تغريدة، على أحذية وبيع كل زوج بحوالي 30 دولاراً، وقال موريسون إنه تمكن من بيع جميع الأحذية التي لديه، حيث تم شراؤها من 47 ولاية أمريكية.

خلال متابعتي لتغريدات ترامب على مدى أكثر من سنة دهشتُ من قدرته على تحمل الضغوط الناشئة من الكم الهائل من المواضيع المختلفة التي يتناولها وهي كلها شائكة ومرهقة، وإليكم - مثلاً - تناول الخلافات داخل إدارته حيث تم إبعاد أو استقالة واحد وعشرين وزيراً في سابقة تاريخية، بالإضافة إلى كثير من المقربين في البيت الأبيض، ويتراوح السبب بين خلاف شخصي مع ترامب مثل وزير الخارجية (تيلرسون) الذي كان يشكك في قدرات ترامب وهو ما أدى إلى تهميشه وإقالته عن طريق تغريدة على التويتر، أو بسبب التورط في فضيحة ما؛ فمثلاً آخِر من استقال هو وزير العدل لدوره قبل سنوات عندما كان محامياً في التغطية على فضيحة كبيرة ظاهرها أخلاقي ولها امتدادات سياسية ومخابراتية خطيرة تمسُّ الكثير من المشاهير ومن بينهم ترامب. إن كل شخص استقال أو تم استبعاده نال نصيباً من تغريدات ترامب الهجومية التي أقل ما فيها الرمي بعدم الكفاءة وبالغباء على الرغم من أنه هو من اختارهم بعد معرفة واختبار لمناسبتهم لمناصبهم.

وإذا خرجنا من مشاكله مع إدارته ننتقل إلى هجومه اللاذع والمستمر على خصومه السياسيين خاصة الرئيس السابق (باراك أوباما) ومنافسته (هيلاري كلينتون)، وكفاحه لتحقيق وعوده الانتخابية من الجدار الفاصل مع المكسيك إلى إعادة توطين الصناعة الأمريكية وما صاحبَها من الحواجز الجمركية ونُذُر الحرب الاقتصادية... كل هذا يُدار ابتداءً بتغريدات رئاسية يعقبها مفاوضات وقمم يحضرها جزئياً بصورة استعراضية؛ فهو لا يتحمل الدخول في التفاصيل؛ فقد انسحب من مؤتمر الدول السبع في كندا، ولم يحضر مراسم الاحتفال مع زعماء الدول المتحاربة بمرور مئة سنة على نهاية الحرب العالمية الأولى رغم وجوده في باريس بدعوى غريبة هي أن المطر يؤثر على شعره! ولكن الحقيقة هي مشاعر العزلة ومحاولة الإبقاء على مرحلة التفرد الأمريكي بقيادة العالم اعتماداً على القوة المجردة الممزوجة بعنجهية الرئيس الفطرية.

ومن جانب آخر تحاصر الرئيسَ ملفاتٌ خطيرة تتبين ملامحها من تكرار بعض التعبيرات في تغريدات الرئيس؛ فمثلاً منذ الأول من أبريل الماضي، غرَّد ترامب بعبارة «لا تواطؤ» حوالي 54 مرة، و عبارة «لا عرقلة للعدالة» 30 مرة، وكلمة «اضطهاد» 20 مرة، وكلها تتعلق بتحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لعام 2016م وما أثير حول تواطؤ حملته الانتخابية مع الروس في هذه الانتخابات، والتي خلص فيها المحقق الخاص إلى حل توافقي؛ فلم يبرِّئ الرئيس ولم يدنه وأبقى الباب مفتوحاً؛ بل لم تنشر التحقيقات ولم يطلع النواب إلا على ملخصات، وهو ما يوحي بأن الملفات تحمل الكثير من القضايا التي لا تحتملها الحياة السياسية، وهو ما يشير إليه أيضاً الداهية السياسي سفير بريطانيا في واشنطن في تقريره السري؛ إذ إنه يتوقع أن يعاد انتخابه، ولكنه سيسقط بصورة مخزية! والذي أراه أن سقوطه المخزي سيكون حقيقة بسبب دور الروس في نجاحه، ولكنه سيخرج بمحاكمات تدور حول فضائح جنسية متراكمة يبدو أنها لا تنتهي.

نعود إلى قضية مهمة جداً وهي من النوازل السياسية؛ تتلخص في كيفية النظر والتعامل مع تغريدات الرئيس الشخصية التي تتخذ شكل مواقف سياسية قد تأخذ شكل تهديد بمحو دولة مَّا أو حرب نووية أو تدمير اقتصاد دولة أخرى، وهي قضية ذات شقين:

الأول: هو موقف الإدارة والطبقة السياسية الأمريكية.

والثاني: موقف الدول المستهدفة من قانونية ومصداقية تغريدات الرئيس عبر التويتر.

ففي الداخل كان الرئيس يتصرف كأنه شخص عادي فيغرد بعفوية ويرد على المادحين والقادحين بعفوية أيضاً؛ ولذا لا مانع من الإسفاف المتبادل في التعبير، ومع تعرضه للنقد والشتم قام بحظر بعض الأشخاص، وهنا تدخلت محكمة ومنعت الرئيس من حق الحظر بدعوى أن حساب الرئيس ملك للأمة. ومع أن هذه المحكمة لم تتطرق للشق السياسي من التغريدات فقد طُرِح هذا الموضوع للنقاش؛ إذ تقدم النائب الديمقراطي (مايك كويجلي) من ولاية إلينوي، بمشروع قانون (كوفيفي)، في إشارة إلى كلمة غير مفهومة كتبها ترمب على موقع تويتر أثارت الحيرة! هذا القانون الذي سيدخل تعديلات على قانون السجلات الرئاسية، وقال كويجلي - وهو عضو في لجنة المخابرات بمجلس النواب - في بيان: «إذا كان الرئيس سيستخدم وسـائل التواصل الاجتماعي للإعلان فجأة عن أمور تتعلق بالسياسة فيجب علينا ضمان توثيق هذه البيانات وحفظها للرجوع إليها في المستقبل»، وأضاف: «التغريدات فعالة ويجب محاسبة الرئيس على كل منشور». وسيُلزم القانون - في حالة إقراره - إدارة الأرشـيف والوثائق الوطنيـة بتخزين التغـريدات الرئاسية وغيرها من مشاركات الرؤساء على وسائل التواصل الاجتماعي.

داخلياً ما زال الموضوع ساخناً ومجالاً للسجال السياسي بين الحزبين... ولكن خارجياً تعامُلُ الدول مع أسلوب تغريدات الرئيس كان متفاوتاً؛ فمثلاً بالنسبة لإيران فمع أن تغريدات الرئيس متذبذبة بصورة كبيرة وتعطي انطباعات متناقضة فهي بين التهديد بمحو إيران وبين التصريح بأنه لا يهـدف لتغييـر النظـام ولا شخصياته وبينهما امتداحه لإيران وتطلعه لعلاقات متميزة معها، وبين تهديده إيران بعواقب إسقاط الطائرة المسيَّرة وبين شكره لعدم إسقاط الطائرة المرافقة المليئة بالجنود!

وإزاء تذبذب هذه التغريدات فإننا نلاحظ ثبات التصريحات الإيرانية بأنهم لا يريدون الحرب ولكنهم سيردُّون بقوة وبصورة غير متوقعة، ومن الثقة الزائدة لدى المسؤولين يبدو لي أنهم لا يعوِّلون كثيراً على تغريدات ترامب وأن لهم علاقاتٍ وتفاهماتٍ إستراتيجيةً مع أمريكا تتعدى الرئيس، وهي واضحة في أفغانستان والعراق وسوريا وتتضح يوماً بعد يوم في اليمن والخليج، وهو ما يتوافق مع ما ورد في تقارير السفير البريطاني المستقيل؛ أن ترامب «لم يمسك يوماً بزمام الأمور بشكل كامل»، ويتوافق أكثر مع قرار الكونجرس بعدم السماح لترامب بضرب إيران دون الرجوع إليه.

ومن جانب آخر كان السجال بين ترامب ورئيس كوريا الشمالية مختلفاً؛ فقد كانت ردة فعل الزعيم الأوحد لكوريا الشمالية متناسباً مع المتوقع من حاكم متسلط؛ فقد سئم من تغريدات ترامب الاستعراضية التي تتراوح  بين وجوب تخلِّي كوريا عن سلاحها النووي ووعدها بعصر الرخاء والنعيم عند الخضوع للنفوذ الأمريكي، وبين وصف زعيم كوريا الشمالية بأنه «مجنون لا يخشى تجويع شعبه وقتله»؛ وهو تخييـر لكوريا بين الخضـوع أو تجويع الشعب الكوري وقتله؛ إذ إنه هدد سابقاً علناً بتدميرها بالكامل إذا هاجمت أمريكا أو حلفاءها، في تجاهلٍ واضحٍ لملابسات الوضع الراهن وأنه مجرد هدنه وقفت بموجبها الحرب الكورية ونسي ارتباط كوريا الشمالية بالصين، وكان رد الزعيم بوصف ترامب بأنه «أمريكي عجوز مجنون»، مهدداً بأنه سيلقن «هذا المختل عقلياً درساً بالنار»، ومؤكداً أن وصول الصواريخ الكورية إلى البر الأمريكي بات أمراً حتميّاً بعد تهديدات ترامب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد إذ وجَّه زعيم كوريا الشمالية خلال رسالته بمناسبة العام الجديد تحذيراً إلى واشنطن بتأكيده أن الزر النووي موجود دائماً على مكتبه، وأن على الولايات المتحدة أن تدرك أن هذا ليس ابتزازاً وإنما هو أمر واقع. وكان ردُّ ترامب على تويتر قائلاً: «ألا يبلغه أحد في نظامه المتهالك والجائع أنني أيضاً لدي زر نووي لكنه أكبر وأقوى من زره، وأن زري يعمل»! وهنا نقف طويلاً أمام شخصيتين حاكمٍ فردي محاصر يحس بالخطر وقد ينفِّذ تهديده، بينما في الجانب الآخر رئيس أكبر دولة في العالم مهووس بالحصار والعقوبات والتهديد الأجوف فردُّه يعبِّر عن حقيقة شخصيته؛ فهو لا يعي عواقب الأمور وقد حوَّل الأمر من تهديدات متبادلة بحرب نووية مدمرة إلى نكات ذات إيحاءات جنسية (وأن زري يعمل)! ولهذا فهناك نقاش في الكونجرس حول تأثير هذه التغريدة؛ فقد تقدم نائبان ديمقراطيان وهما عضوان في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، بمشروع دعَوَا فيه إلى أن يقوم مدير الاستخبارات الوطنية (دان كوتس) بـ «تقييم المخاطر» التي قد يكون تعرض لها كلٌّ من «الولايات المتحدة والمصالح والموظفين الأمريكيين» من جراء تغريدة أطلقها ترامب في الثاني من يناير الماضي.

ويبقى ترامب يغرد مهاجماً الأعداء في الداخل والخارج يكيل المدح ويكثر الانتقاد ويفقد القدرة على التحكم بالمشاعر كما يتقنه السياسيون المتمرسون ويتمنى علناً رحيل رئيسة وزراء بريطانيا لمجرد تسرب تقارير سرية لسفير بريطانيا تكلم فيها عن رأيه في إدارة ترامب وشكك في قدراته الشخصية؛ إذ قال السفير (السير كيم) لكي توصل ما تريد للرئيس «تحتاج إلى أن تجعل ما تقصده بسيطاً، بل حتى مباشراً حدَّ الفجاجة» فاللغة الدبلوماسية تعتمد على التلميح والإشارة ولا تحتمل التصريح وهو ما لا يجيده رجل الأعمال المتطفل على علم السياسة!

فالله نسأل أن يلطف بهذه الأمة والعالم، وأن نتجاوز هذه المرحلة الخطيرة بتقبُّل أمريكا نهاية فترة التفرد، وأن يكون للمسلمين مكان محمود في العالم الجديد، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].