عاشت الجزائر في القرنين الماضيين حالة تاريخية استثنائية في تاريخها العريق؛ فقد وقعت تحت سيطرة الاحتلال الفرنسي الصليبي مدةً جاوزت مئة وثلاثين سنة، انهارت فيها مختلف المنظومات التي كانت تحكم المجتمعَ الجزائريَّ، بفعل الاستدمار الممنهج الذي مارسته فرنسا، ولم يتغير حالها بعد نيلها استقلالها التاريخي، الذي نالته بعد أن قدمت تضحيات كبيرة وملايين الشهداء؛ إذ وقعت في براثن المنظومات السياسية والقانونية المستورَدة من الخارج، والمصادمة لهويتها الإسلامية.

وقبل الدخول في الموضوع ننوِّه بأنه من عجائب الجزائر أنها لا تملك تدويناً دقيقاً لهاته الفترة، ولا يوجد مرجع واحد يؤرخ لهاته الحقبة ويجمع شتات أحداثها، وسببُ هذا قد نصَّ عليه الإمام ابن حزم رحمه الله؛ وهو أن المغاربيين لا يميلون إلى التدوين، عكس إخوانهم المشارقة، ومن هنا تكمن أهميَّة الكتابة في هذا الموضوع وهاته الفترة؛ حتى تكون وثيقة للأجيال المسلمة في الجزائر وغيرها من دول العالم الإسلامي.

الجزائر في قبضة القوانين الفرنسية:

في بدايات الاستقلال اضطرت الجزائر إلى تمديد العمل بالقوانين الفرنسية، وكان هذا يعني فَرْنَسَة كل المعاملات الإدارية، واستمر الوضع على هذا إلى اليوم؛ إذ نجد أن قِطَاعات إدارية سيادية وعادية تتعامل بوثائق فرنسية اللغة، فلا تستغرب إذا ذهبت إلى مراكز البريد والبنوك والإدارات والمستشفيات وقُدِّمت لك الأوراق باللغة الفرنسية، وقد كان لهذا الواقع الأثر الكبير في إبعاد النخب المعربة من مناصب اتخاذ القرار، بعد استفراد أصحاب اللسان الفرنسي بها، وحتَّى ندلل على شدة سطوة اللغة الفرنسية والفرنسة على الجزائر، نذكر حقيقة عجيبة عن المجتمع الجزائري، وهي أن كل الشعب تقريباً يُمضِي الأوراق باللغة الفرنسية، وما يزال هذا مستمراً إلى غاية كتابة هاته الأسطر، حيث تجد الأطفال والشباب اليوم يوقِّعون شهادات حضورهم في الامتحانات بالمرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية باللغة الفرنسية.

تيَّار اليسار والعلمانيون في ستينيات الجزائر:

انتقل التأثير السلبي لقرار تمديد العمل بالقوانين الفرنسية ليفرض على الجزائر اعتناق المنظومة الاشتراكية سياسياً، خاصَّة زمن الرئيس أحمد بن بلة، وهو الشيء الذي جعل قطاعات كبيـرة من الشـباب تقع فريسـة للمنظمـات الشيوعية التي مكَّن لها الرئيس بن بلة (تاب من ذلك في سجنه وبرر ذلك بمبررات تاريخية)، حتى أن الجزائريين كانوا يتناقلون قصص استهزاء الشباب الشيوعي بالأذان وقت رفعه، كما يتناقلون قصص الرحلات المختلطة بين الجنسين التي كانت تنظمها الجامعات، وقد كان هذا غريباً جداً على المجتمع الجزائري، وعلى المرأة الجزائرية، ويكفي هنا أن نذكر أن المرأة الجزائرية كانت تضع الوشم في مختلف أنحاء وجهها؛ حتى لا تتعرض للتحرش والاغتصاب من الجندي الفرنسي، والذي كان يعتقد اعتقادات خرافية في المرأة التي تضع الوشم، هاته المرأة تغيرت صورتها بعد الاستقلال في المدن الكبرى التي سيطر عليها التيار اليساري وقلبه التيار الشيوعي، وكذلك التيار العلماني التغريبي.

المساجد جزائرية والهوى سوفييتي:

لم تكن المساجد بعد الاستقلال وتبنِّي المنظومة الاشتراكية بقيمها الشيوعية وسيطرة اليسار بأفضل حالاً من الإنسان الجزائري؛ فقد كان روادها - غالباً - من الشيوخ الكبار، وكانت شبه فارغة من الشباب، بل كان الشيوخ يستغربون دخول شاب إلى المسجد لأداء الصلوات، ولعل من عجائب هاته الفترة أن بعض الجزائريين الذين تأثروا بالمنظومة الاشتراكية يقول لغيره: «سوف أصلي عندما أتقاعد» وهي مقولة كانت منتشرة بين مسلمي الاتحاد السوفييتي سابقاً، والتي انتشرت كالنار في الهشيم بين المسلمين الذين عاشوا في ظله أو عاشوا في ظل دولهم التي تحالفت معه، ومع مجيء (هواري بومدين) عرفت المساجد في الجزائر - والتي بلغ عددها ثلاثة آلاف مسجد - تضييقاً شديداً من طرفه، حيث كان القمع والطرد والسجن حليف كل من يتحدث في الشأن العام، أو يتناول طريقة حكم بومدين، أو يصدر فتوى تخص قضية اجتماعية، أما الخطب والدروس فقد كانت خاضعة لتأثير السلطة الاشتراكية، وقد كان تأثيراً سلبياً، ولم تسلم المدارس القرآنية من هذا القمع، حيث تقلص نشاطها بشكل كبير، أما الإمام فقد كان له من وظيفته الاسم والرسم لا غير، فلا سلطة له ولا قوة، والمفارقة العجيبة في هذه المسألة هي أن عدد المساجد زاد بشكل ملحوظ في هاته الفترة أي في سبعينيات القرن الماضي.

وماذا عن الحجاب في جزائر ما بعد الاستقلال؟

أما عن الحجاب فقد كان التبرج سيد الموقف بفعل التَّرِكة الاستعمارية الرهيبة، وكان الحجاب في الجزائر هو الحايك (وهو لباس تقليدي ورثه الجزائريون عن المهاجرين الأندلسيين، وهو قطعة من قماش أبيض اللون تلتحف به المرأة، وعادة ما يكون ساتراً لأغلب الجسد، مع تغطية الوجه بقطعة من قماش تظهر منها العينان فقط)، وقد كان هذا لباس الجيل القديم من الجدات والأمهات، لكن الجيل الجديد من أبناء الاستقلال لم يكن يعرف سبيلاً إلى هذا اللباس، الذي ترسخ في ذهن جيل الاستقلال أنه لباس العجائز والمتزوجات، وسنذكر في الجزء الثاني كيف عاد الحجاب الحقيقي إلى الجزائر، مع التفاصيل المكانية والزمانية والشخصيات التي نجحت في إعادته إلى الجزائر.

عطلة الأسبوع في الجزائر قصة أخرى:

ومن مظاهر الصراع الأيديولوجي في الجزائر عطلة نهاية الأسبوع، حيث كان يوم الجمعة يومَ دوام رسمي، وكذلك الخميس، بينما اتخذت الدولة يومَي السبت والأحد عطلة أسبوعية رسمية. وقد ورثت الجزائر هذا الإرث عن فرنسا، وقد عمل التيار التغريبي والشيوعي على بقاء هذا الوضع؛ حتى جاء رمضان 1396هـ الموافق لسنة 1976م، عندما أقنع بعض الأفاضل الرئيس الراحل هواري بومدين بتغيير عطلة الأسبوع، واستبدل بها يومي الخميس والجمعة، وقد كان هذا التغيير انتصاراً كبيراً للجزائريين، الذين تمكنوا أخيراً من الشعور بعودتهم إلى واحدةٍ من ميزات الأمة الإسلامية؛ فقد كانت عطلة يوم الخميس عطلةً لها قداستها عند سكان الجزائر، وهي العطلة التي أقرَّّها الخليفة عمر بن الخطاب -  رضي الله عنه - لطلاب العلم، أما يوم الجمعة، فرغم عدم تنصيص المذهب المالكي الذي ينتشر في الجزائر على أنها عيد سنوي للمسلمين، لكن الذي اعتاد عليه الجزائريون تاريخياً هو التفرغ يوم الجمعة للعبادة، والتبكير إلى المساجد، وزيارة الأقارب بكثرة وكثافة فيه، بل كان اليومَ الذي تجتمع فيه الأسر الصغيرة والكبيرة كل أسبوع، ويجدر بنا هنا التذكير بأن لهذا التغيير قصةً هامةً حدثت بين الرئيس هواري بومدين والعلَّامة أحمد سحنون، رحم الله الجميع؛ حيث صلى الرئيس بومدين في المسجد الذي يؤمه العلامة أحمد سحنون، وبعد نهاية صلاة الجمعة، دخل الرئيس هواري بومدين على العلامة سحنون في مقصورته، ودار بينهما حديث طيِّب، قال فيه الشيخ: «إنَّ لي عندك حاجة! قال الرئيس: وما هي؟ فقال الشيخ: أن تكون عطلة نهاية الأسبوع الخميس والجمعة، وأن يلغى بيع الخمر، فقال بومدين: أما بخصوص العطلة فهذه سنلبيها لك، وأمَّا مَنْع بيع الخمر فسنؤجل البت فيها حالياً، ووعده خيراً... ليأتي اليوم الذي يُلغَى فيه نصف هذا الإنجاز من طرف النخب الفرنكوفونية العائدة إلى نشاطها المحموم في محاربة كل ما له صلة بالإسلام أو بهوية الجزائر الإسلامية، وهــو ما سنتحدث عنــه فــي اللاحــق مــن هــذه القصة.

المدرسة الجزائرية والسطوة العلمانية:

أما التعليم فقد كانت الجزائر تحت رحمة التيار الفرنكوفوني في الجامعات والثانويات؛ حيث كان قِطَاع التعليم العالي مكوناً من التعليم الثانوي والجامعي، قبل أن يُفصَلا عن بعضهما، ويلحق التعليم الثانوي بالمتوسط والابتدائي، وخلاصة القول في هذه المسألة أن فرنسا ركزت قبل خروجها من الجزائر على تصحير الساحة العلمية الجزائرية من عنصرين هامين في بناء الهوية:

العنصر الأول: محاربة اللغة العربية حرباً شاملة في المدن والقرى.

والعنصر الثاني: تصحير الجزائر من الطاقات البشرية القادرة على نقل الجزائر نقلة كمية ونوعية في مجال التعليم خاصة باللغة العربية،

ولم يكن الأمر خاصاً بالتعليم فقط، بل إن جلَّ ما تركته فرنسا للجزائريين هو 10 مهندسين وبضعة أطباء لا يكفُون حيّاً سكنيّاً واحداً، ومع تركيز فرنسا على العنصرين السابقين إلا أنها اهتمت بنشر العامية؛ وهي اللهجة التي دمرت بها طريقة التفكير الجزائرية، وزادت بها مزاجية الفرد الجزائري؛ فهي لغة مشوَّشة ومشوِّشة على الفكر والتفكير، وقد كان الجزائريون قبل الاحتلال الفرنسي يستعملون لغة عربية سليمة، تتضمن الكثير من الكلمات العربية الفصيحة، لكنهم انتقلوا لاستعمال الدارجة أو العامية بفعل الاحتلال الفرنسي الذي منعهم من استعمل العربية وحاربها في كل مكان، وقد تركت هذه الوقائع التي أشرنا إليها آثاراً وَخِيمة على العقل الجزائري، ولم ينج منه سوى الفئة التي درست في المدارس التي عُرفت بمعاهد التعليم الأصلي، وهو الذي كان يوازي التعليم الرسمي التابع لوزارة التربية، وكانت له ميزانيته الخاصة، وكانت شهاداته معتمدة، وقد كانت بداية القصة مع معاهد التعليم الأصلي، مع تولي العلَّامة مولود قاسم وزارة الأوقاف سنة 1970م، وقد أصرَّ أن يستوزرها بشرط تسميتها «وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية»، وقد أقنع الرئيس هواري بومدين بذلك، واعداً إيَّاه بالرد على المعترضين والشانئين من التيار الموالي لفرنسا، وقد كان عمود هذا التعليم هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والتركيز على التعليم باللغة العربية، واهتم بفئتين: فئة الشباب والشابات، وفئة أئمة المساجد؛ إذ كان مولود قاسم يرى أن مواجهة التيار الموالي لفرنسا يتطلب استعادة التعليم والارتقاء برسالة المساجد بعد استعادة فاعليتها في الأمة الجزائرية، حيث أسست لما يعرف اليوم بالمعاهد الإسلامية لتكوين الأئمة وهي من بقايا هذا التعليم، وقد اعتمدت معاهد التعليم الأصلي، على هدف واضح، تخريج إنسان جزائري بهوية إسلامية، متقنٍ للغة العربية، إلا أن هذا الهدف أزعج فرنسا ومواليها في الجزائر، فألغيت هاته المعاهد بحجة توحيد التعليم، وتم توزيع الطلاب على المدارس الحكومية.

وعلى ذكر معاهد التعليم الأصلي فإن الإشارة إلى ما كانت تعانيه الجامعات من علمنةٍ أمرٌ هام في هذا المقام، فلم يكن يسمح بوجود متر واحد تقام فيه الصلاة، بل كان هذا الموضوع غير مطروح أبداً، وكان الكثيرون يعتقدون أن مناقشته أمرٌ يبلغ درجة المستحيل؛ حتى جاء مالك بن نبي وغيَّر هذا الواقع بعد صدامه وتلاميذه مع التيار الشيوعي الشرس في عداوته لكل ما يمتُّ للإسلام بِصِلة.