عقد في نهاية شهر حزيران/ يونيو الماضي مؤتمر في البحرين دعت إليه المنامة وواشنطن وسمي «ورشة عمل السلام من أجل الازدهار بهدفِ التشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية»؛ وقد سعت الورشة بشكل أساسي إلى تغييب جوهر القضية الفلسطينية المتمثل بالاحتلال الصهيوني المباشر لفلسطين وطرد غالبية أهلها العرب بقـوة مجازر العصابات الصهيـونية بدعـم مباشر من المحتل البريطاني، لتُبرِز بعد إنشاء الكيان الصهيوني على القسم الأكبر من مساحة فلسطين، قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تعتبر من القضايا الجوهرية في التاريخ المعاصر. وقد أصدرت هيئة الأمم المتحدة أكثر من خمسين قراراً منذ عام 1948م، وجميعها يقضي بوجوب عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم جراء الطرد القسري وتدمير قراهم. وقد رفض الكيان الصهيوني على الدوام تنفيذ القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه لم يجبره المجتمع الدولي على تنفيذ تلك القرارات الدولية بشأن فلسطين.

ومن أهم تلك القرارات ذات الصلة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي عشر من كانون أول/ ديسمبر عام 1948م، وكذلك القرار 302 الصادر في 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 1950م، والقرار 512 الصادر في 26 كانون الثاني/ يناير 1952م، إضافة إلى قرارات أخرى قريبة في بنودها تؤكد على عودة اللاجئين إلى ديارهم بأقرب وقت ممكن، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم.

وفي عام 1948م تشكلت هيئة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وتوالت أعمال الإغاثة لوكالات الأمم المتحدة المتخصصة والمنظمات غير الحكومية. بعد إمعان المنظمات الصهيونية في قتل وتهجير اللاجئين الفلسطينيين، تدخَّل المجتمع الدولي بزعامة الأمم المتحدة، وبدلاً من وضع حد للإرهاب الصهيوني، مع تزايد أعداد اللاجئين وتمركز معظمهم على حدود فلسطين (بلدان الطوق العربية) ومنع السلطات الصهيونية بحزم عودتهم، قامت الأمم المتحدة بإدخال تطوير على تلك اللجنة وتوسيع مهامها، حين تبين أن قضية اللاجئين لن تحل سريعاً، فبدلاً من وضع حد للإرهاب الصهيوني، حوَّلت القضية من قضية سياسية (شعب يُطرد من أرضه غصباً) إلى قضية إنسانية (شعب يبحث عن مأوى وطعام).

وأنشئت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين في الشرق الأدنى عام 1949م وباشرت عملياتها في أيار/ مايو 1950م، ومع أنها اعتبرت وكالة مؤقتة فقد تم تجديد ولايتها بانتظام كل ثلاث سنوات، وتُعد تعبيراً عن اعتراف دولي في إيجاد حل لقضية اللاجئين وَفْقاً للقرار 194 الذي تم التأكيد عليه (135) مرة في الجمعية العامـة للأمـم المتحدة منذ صدوره.

لقد اعتمدت «الأونروا» في عملها بين اللاجئين الفلسطينيين على تعريف صاغته للاجئ الفلسطيني (أي تعريف إجرائي وليس سياسياً يهدف إلى توفير معيار ومقياس لتقديم مساعدات الوكالة) على النحو التالي: اللاجئ الفلسطيني كل شخص كان مسكنه العادي في فلسطين لعامين سبقا نزاع عام 1948م، الذي كان من نتائجه أن خسر منزله ووسائل عيشه ولجأ في عام 1948م إلى واحد من البلدان التي تقدم الأونروا فيها خدماتها، وينسحب هذا التعريف على أولاده وأحفاده وذرياتهم وأن يكون مسجلاً في مناطق عملياتها وهي خمس مناطق: الضفة الغربية، قطاع غزة، سوريا، لبنان، الأردن.

وتشير الإحصاءات إلى وجود أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين في سجلات الأونروا خلال العام الحالي 2019م؛ وثمة (41) في المائة منهم يتمركزون في المملكة الأردنية الهاشمية؛ و (22) في المائة في قطاع غزة الذي يضم ثمانية مخيمات بائسة؛ في حين تستحوذ الضفة الغربية على (16) في المائة من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الأونروا؛ في مقابل ذلك تستأثر سوريا بـ (10.5) في المائة وكذلك هي الحال في لبنان. وقد أصدرت السلطات الصهيونية حزمة من التشريعات العنصرية لزعزعة الكيان الشرعي الفلسطيني، وهذه القوانين بحسب تسلسلها الزمني هي:

أولاً: قانون أملاك الغائبين المتروكة لعام 1950م، وقد نص على وضع أملاك العرب تحت الحراسة، ويحق للحارس، أو القيِّم على هذه الأملاك بيعها لقاء ثمن تحدده السلطات الصهيونية.

ثانياً: قانون استملاك الأراضي وصدر عام 1952م، وهو يخوِّل لسلطة الاحتلال الصهيوني، الاستيلاء على الأراضي العربية بحجة استخدامها في أغراض التعمير والتنمية والاقتصاد أو لأسباب تتعلق بأمن الكيان الصهيوني.

ثالثاً: قانون التصرُّف، الذي صدر عام 1953م، ويشترط على صاحب الملك، أن يتصرف في أملاكه تصرفاً فعلياً بشخصه هو مباشرة، ويمنح هذا القانون وزير مالية الكيان صلاحية إصدار قرار قاطع بأمر الاستيلاء على الأملاك المعنية وتسجيلها ملكاً للكيان باسم (هيئة التعمير والتنمية).

رابعاً: قانون تقادم العهد أو مرور الزمن، وقد صدر عام 1957م، فالمالك لأرضه لا يحق له الاحتفاظ بها متى قدَّم إثباتات تؤكد تصرفاً لطيلة 25 عاماً، وبذلك تسقط حقوق المالكين العرب أصحاب الأرض الأصليين تحت ستار مرور الزمن.

والملاحظ أن كافة القرارات المذكورة التي صدرت عن السلطات الصهيونية في ما بعد، قد عبَّرت عن نزعة الفكر الصهيوني لإضفاء الصبغة الشرعية على الاحتلال الذي سيطر على الأرض الفلسطينية بفعل القوة وارتكاب المجازر، وذهبت القوانين الصهيونية إلى أبعد من ذلك، حين اعتبرت أصحاب الأملاك العرب الذين أجبروا على الابتعاد عنها من الغائبين، حتى لو سكنوا في مناطق أخرى في داخل الكيان الصهيوني . وقد امتدت صلاحيات القوانين لتنال الوقف الإسلامي، حيث أصبح القيِّم على أملاك الغائبين مسؤولاً عن تأجير واستخدام أملاك الوقف الإسلامي التي تبلغ حوالي (30) في المائة من مجموع أملاك الغائبين، ويبلغ مقدارها 16/1 من إجمالي مساحة أراضي فلسطين، ويُذكر أن يوم الأرض في 30 آذار/ مارس 1976م كان ردّاً على مصادرة الكيان الصهيوني لأراضي الفلسطينيين في الجليل وغيرها من المناطق العربية، وكذلك انتفاضة أم الفحم في عام 1998م. وتحاول السلطات الصهيونية من خلال سيطرتها على الأوقاف العربية بث النعرات الطائفية كما جرى في الناصرة في نيسان 1999م، ولم تتوقف السلطات الإسرائيلية عند هذا الحد بل استصدرت قوانين عديدة خلال الفترة الممتدة بين الأعوام (2000-2019م) لمصادرة مزيد من أراضي الفلسطينيين في داخل الكيان الصهيوني. واللافت أن حكومة نتنياهو هي أكثر حكومة في تاريخ إسرائيل قامت بإحياء قوانين عنصرية وإصدار قوانين أخرى؛ وكان من أهمها قانون الغائبين وقانون المواطنة والولاء وقانون (يهودية الدولة).

وبالعودة إلى القرار 194 الصادر قبل واحد وسبعين عاماً، فإن الجمعية العامة للأمم أصـدرته بالتحديد في يوم 11-12-1948م، وقد نصَّ على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى المناطق التي طردوا منها في عام 1948م. وفي عام 1949م أضيفت إلى القرار فقرة خاصة بدفع تعويضات اللاجئين. وكان من المفروض أن يرغم مجلس الأمن الدولي الكيان الصهيوني على تطبيق القرارات الدولية، غير أن اللاجئين ما زالوا ينتظرون في مخيماتهم تنفيذ تلك القرارات ليعودوا إلى وطنهم الذي طردوا منه، وحق العودة لا يتقادم مع مرور الوقت، وقد رفض الشعب الفلسطيني على الدوام مشاريع التهجير والتوطين التي تروج لها إدارة ترامب خلال السنوات الأخيرة، ولهذا يمكن الجزم بأن صفقة ترمب سقطت في مهدها.