«دع الصين نائمة فإذا استيقظ التنين اهتز العالم»

هذا قول مأثور عن نابليون بونابرت القائد والإمبراطور الفرنسي الشهير يحذِّر فيه منذ ما يقرب من قرنين من صعود الصين التي كانت دولة متخلفة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وحضارياً في ذلك الوقت. ويبدو أن نبوءة نابليون في طريقها للتحقق؛ فها هي القوى الكبرى الآن تعاني من الصعود الصيني فيصرِّح وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (جيمس ماتيس) في سنغافورة في العام الماضي قائلاً: إن «الصين بمثابة العدو الأوحد للولايات المتحدة في هذه المنطقة (المحيط الهندي والهادي)»، ويضيف ماتيس: «من الآن فصاعداً تنتقل واشنطن إلى سياسة ردع الصين في المنطقة وستساعد الحلفاء على بناء أساطيلهم حتى يتمكنوا من مواجهة الصين بشكل أفضل».

والحقيقة أن الولايات المتحدة أدركت خطورة الصين كقوة عظمى صاعدة تنافسها في صدارة النظام الدولي ليس منذ عام مضى كما يقول وزير الدفاع الأمريكي الأسبق؛ ولكن منذ عدة عقود وإن كان اتخذ شكلاً أكثر منهجية منذ عام 2003م، وما يقلق هذه القوى الكبرى ليس الوزن الاقتصادي المتزايد للصين إنما معدلات النمو وتأثيرها على ميزان القوى العالمي هو ما يخيف تلك القوى.

ويبقى السؤال الأهم: كيف صعدت الصين لتكون الدولة الكبرى التي تعتبرها الولايات المتحدة في حسابات الإستراتيجيين الأمريكيين أكبر عائق لاستفراد أمريكا بالنظام الدولي واستمرار هيمنتها عليه؟

الرؤية الإستراتيجية:

بَنَت الصين إستراتيجيتها للمنافسة في ترتيب النظام الدولي على أساس نظري في ما أطلقت عليه (إستراتيجية الصعود السلمي)، وهي في جوهرها تعني الانتقال تدريجياً إلى مرتبة لاعب أساسي في العلاقات الدولية ولكن دون تهديد أمن واستقرار النظام الدولي، أو هي التسلل الناعم لأحشاء النظام الدولي.

وبالتدريج أخذ هذا المفهوم يظهر في خطابات زعماء الصين السياسيين؛ ففي عام 2003م صرَّح رئيس وزراء الصين (وين جياباو) خلال زيارته الرسمية للولايات المتحدة قائلاً: «الصعود الصيني هو صعود سلمي لأن الصين تتطور بالاعتماد على قواها الخاصة، وفي مستوى العلاقات الخارجية أيَّدنا دائماً علاقات التعاون والصداقة بين الدول المختلفة التي نعُدَّها دائماً مثل إخوتنا وأخواتنا».

وفي 29 ديسمبر من السنة نفسها أعاد (هو جيتناو) السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي (وهو بمثابة رئيس الصين في تلك الفترة) أعاد تأكيد مصطلح الصعود السلمي للصين بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد (ماوتسي تونغ) زعيم الحزب الشيوعي التاريخي للصين والذي توفي في السبعينيات من القرن الماضي، وقد أشار الرئيس الصيني إلى استمرار التمسك بطريق الاشتراكية ذات الخصوصية الصينية.

وكانت المرة الأخيرة التي تحدَّث فيها الرئيس الصيني (هو جينتاو) علناً عن مفهوم الصعود الصيني في منتدى آسيا السنوي الثالث عام 2005م، وقد شدد على الطابع الذي يميز الظهور السلمي للصين الذي ساعد على استقرار آسيا والعالم. فمنذ ذلك الوقت استعمل كلٌّ من جينتاو وجياباو مصطلح التطور السلمي بدلاً من الصعود السلمي لأن هذا المصطلح فُسِّر تفسيراً سيئاً في العالم الذي نظر إليه على أنه تطور سريع ومهدد.

وهنا اختلف الباحثون في الإستراتيجيات حول مفهوم التطور السلمي الذي استعمله المسؤولون الصينيون بدلاً من مفهوم الصعود الذي تعود جذوره إلى عام 1978م عندما أطلق الإستراتيجي الصيني (دينغ سياوبينغ) قولته الشهيرة: «علينا أن نراقب برويَّة، وأن نحصن موقعنا ونتعامل مع الأحداث بهدوء، وأن نخفي طاقتنا وننتظر وقتنا، ونكون جيدين في المحافظة على البقاء بعيداً عن الأضواء، وألا ندعي القيادة مطلقاً».

وعلى ما يبدو فإن الصينيين لا يودُّون الظهور بمظهر المنافس على الترتيب في سلَّم النظام الدولي بل يريدون الصعود بصمت وبأقل قدر من الجلبة وتسليط الأضواء عليهم ليستمر صعودهم ولتفادي المقاومة العالمية من طرف القوى الكبرى... وهذا الظهور السلمي من أكبر خواص التمدد الإستراتيجي الصيني.

ولكن في مقابل هذه الإستراتيجية الناعمة المقدمة للخارج تحاول الصين ألا تضيع أهدافها الإستراتيجية أمام أجيال الشباب الصينيين حتى لا تذوب طموحاتهم أو يتبخر الهدف الإستراتيجي؛ فقد دعا العقيد في الجيش الصيني (ليو مبينغ) في كتابه الذي أصدره في عام 2010م تحت عنوان (الحلم الصيني) الذي نشر باللغة الصينية إلى أن تتخلى الصين عن تواضعها في ما يتعلق بأهدافها على الساحة العالمية وأن تتحدى الولايات المتحدة على الزعامة العالمية. وفي كتابه يعكس ليو الطموحات القومية الصينية المتصاعدة؛ إذ جاءت الدعوة للتخلي عن التواضع في ما يتعلق بالأهداف العالمية والقفز لكي تصبح الصين رقم واحد في العالم، كما حذَّر أيضاً من أن صعود الصين سيزعج واشنطن وهو ما يزيد من خطر الحرب وإن كانت بكين تأمل في صعود سلمي. وقال ليو: إن هدف الصين الكبير في القرن الحادي والعشرين أن تصبح رقم واحد في العالم (القوة العليا). وكتب ليو - وهو أستاذ في جامعة الدفاع الوطني ويدرب الضباط الشبان في جيش الصين -: إذا لم تتمكن الصين في القرن الحادي والعشرين من أن تكون رقم واحد في العالم أي أن تكون القوة العليا فإنها ستصبح - حتماً - مهمشة.

هذان الخطابان المزدوجان: خطاب موجَّه للخارج يصور الصين كقوة تريد المشاركة مع القوى الأخرى ولا تريد الاستفراد بالنظام الدولي، ثم خطاب موجَّه للداخل يدعو الشباب إلى عدم التخلي عن حلم الوصول إلى القوة الأولى في العالم... فبينما يتبنى الخطاب الأول الناعم الساسة الرسميون فإن الخطاب الحقيقي يتبناه الأكاديميون القوميون؛ خاصة الذين يخاطبون الشباب الصيني وبذلك يسهل التنصل من الخطاب الأصلي أمام الخارج الذي يراقب بعناية الخطاب الرسمي الصيني.

وبصرف النظر عن الأهداف الإستراتيجية العليا الصينية فإن محاور هذه الإستراتيجية على أرض الواقع ترتكز إلى عدة ركائز متمثلة في:

• بناء البيت الداخلي بطريقة محكمة.

• صياغة جغرافيا سياسية خاصة بالصين.

• القوة العسكرية.

• الأخطبوط الاقتصادي.

• عدم التدخل في الشأن السياسي للدول.

أولاً: بناء نظام سياسي قوي

بنى الحزب الشيوعي الصيني نظامه السياسي على عدة أسس، أهمها: سيطرة الحزب على جميع مؤسسات الدولة (هيمنة العرق والديانة)، والتخفيف من الأيديولوجية الشيوعية، وإطلاق نوع من الحرية الفردية الاجتماعية وليست الدينية أو السياسية.

سيطر الحزب الشيوعي الصيني على مقاليد الحكم في الصين ولا يقبل بوجود أي معارضة له حيث حكم الصين منذ عام 1949م وفي الوقت الحالي يحكم البلاد تسعة رجال على قمة هرم السلطة الذي يمتد إلى كل قرية ومكان عمل، ولم يكن في الصين أية انتخابات تنافسية، ويصل المسؤولون إلى قمة هرم السلطة بفضل بطانتهم وقدراتهم في ظل ثقافة سياسية قد يؤدي قول الشيء الخطأ فيها إلى أن يبقى المرء بقية حياته رهن الإقامة الجبرية أو أن يتعرض إلى ما هو أسوأ منها. ودكتاتورية الحزب تلك بالرغم من سلبياتها إلا أنها قادرة على فرض سياسات وحسمها بينما قد تكون بعض الدول الغربية صاحبة التجارب الديمقراطية والانفتاح السياسي والتنافس الحزبي  تفتقر إلى هذا الحسم.

استطاع النظام السياسي الصيني بناء نموذج مشوَّه من الماركسية بعد دمجها بالرأسمالية... نموذجٍ يدعو إلى اعتماد سياسات رأسمالية واتباع نهج السوق الحر مع بقاء الملكية العامة بحجة ضمان توزيعٍ عادلٍ للثروة واستمرار بعض القِطاعَات مثل المصارف والطاقة والمواصلات والتعليم تحت احتكار الدولة.

ولكن الاختبار الأصعب بالنسبة للنظام السياسي الصيني يتمثل في محاولة إضفاء القوة على النظام بهيمنة عرقية واحدة ذات توجه ديني واحد ومحاولة سحق مَن سواها من القوميات والديانات بدلاً من اعتماد صيغةٍ ونهجٍ للتعايش السلمي بين تلك القوميات والديانات وتطـوير هـذا التنـوع واستغلاله في النهوض والتقدم والصعود الصيني؛ وقد تؤدي هذه السياسات إلى زيادة القلاقل والاضطرابات الاجتماعية، وهو ما يؤثر على قوة الدولة وتطلعها إلى التمدد العالمي، وهذا ما تمثله سيطرة قومية الهان ذات الديانة البوذية وسحقها للأقلية في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) ذات الأصول التركية والديانة الإسلامية.

ثانياً: الصين والجغرافيا السياسية

تحاول الصين استغلال بُعدَين جغرافيين إستراتيجيين للسيطرة والهيمنة العالمية:

الأول هو بحر الصين الجنوبي: فهو بحر متفرع من المحيط الهندي تزيد مساحته عن 3 ملايين كم2، وتزعم الصين بأن هذا البحر جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية وتأتي أهميته بأنه يقع في نقطة التقاء طرق المواصلات البحرية الأكثر كثافة بحركة السفن في العالم؛ كونه أقصر الطرق التي تصل بين المحيطين الهادئ والهندي؛ إذ إن نصف ناقلات النفط العالمية تمر عبر هذا البحر، وأغلبية هذه الناقلات تحمل المواد الأولية كالنفط الآتي من الخليج العربي إلى دول جنوب شرق آسيا، وهو ما جعل بحر الصين الجنوبي يحظى باهتمام الدول الكبرى كما هو الحال مع الصين التي ترى ضرورة حماية هذا البحر من أي قوة أخرى إقليميةً كانت أم دوليةً يمكن أن تتسبب في تعطيل حركة الملاحة فيه لارتباط ذلك بإمكان الضرر باقتصادها واقتصاد المنطقة عموماً. وتمر عبر بحر الصين الجنوبي بضائع تجارية تقدَّر قيمتها بـ 3.5 تريليون دولار بينما تقدرها مصادر أخرى بما يقرب من 7 تريليونات دولار، وتصل نسبة مشاركة واشنطن فيها إلى ما يقارب 2.1 تريليون دولار. ويعتقد (تونغ زهاو) المحلل والباحث بمركز كارنيغي للسياسات الدولية في بكين أن الصين قررت استخدام سياسة التحصين وهي سياسة (أو إستراتيجية) تم استخدامها في ما مضى من قِبَل الاتحاد السوفييتي سابقاً أثناء فترة الحرب الباردة مع وجود بعض الاختلافات الرئيسية؛ بمعنى آخر أن الصين سوف تستخدم بحر الصين الجنوبي حصناً لها وذلك عن طريق بسط سيطرتها الكاملة على بحر الصين الجنوبي، وهو ما سيحوله إلى بحيرة صينية كبيرة تتم مراقبتها عن طريق السفن وبعض الطائرات، وذلك سوف يعطي الغواصات الصينية حماية أكثر بكثير مما هي عليه الآن ويمنحها قدرة أكبر على المناورة والتحرك.

والثاني هو طريق الحرير: يعود تاريخ الطريق القديم إلى القرن الثاني قبل الميلاد، ويشير الاسم إلى شبكة الطرق البرية والبحرية التي ربطت بين الصين وأوروبا مروراً بالشرق الأوسط بطول يتعدى عشرة آلاف كيلومتر.

أما الطريق الجديد فهو مشروع صيني عملاق تشارك فيه 65 دولة تريد الصين من خلاله تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية بما في ذلك آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية والوسطى.

لكن وسط تنامي نفوذ الصين والشكوك (الغربية) حول نواياها عبَّرت دول أوروبا وأمريكا عن قلقها ازاء هذا التطور.

وهذا الطريق بالفعل تحاول به الصين السيطرة على طرق التجارة الدولية، حيث تصبح عبر هذه المبادرة شريكاً رئيسيّاً لحوالي 65 دولة يمر بها الطريق من خلال ازدهار الأسواق الناشئة وتطوير إطار عمل البنية الأساسية الحديثة للنقل والطاقة والتكنولوجيا.

كما يعمل هذا المشروع على تمكين الصين من توريد البضائع بشكل أسرع وأرخص من ذي قبل، وهو ما سيصعب المنافسة في الكثير من المجالات ويسمح للتجارة الصينية بتجاوز آثار الضرائب التي تفرضها عليها بين حين وآخر دول أخرى خاصة الولايات المتحدة.

وبحسب (بيتر بروكس) الباحث في مؤسسة هيريتيج الأمريكية اليمينية فإن الصين لا تحاول التوسع وتصدير منتجاتها للعالم وإنشاء البنى التحتية اللازمة فحسب؛ بل المشروع جزء من رغبة الصين بأن تصبح القوة الأعظم في العالم. وعلى حدِّ تعبيره فقد صنف البعض المشروع بأنه دبلوماسية (فخ الديون)؛ أي أن تمنح الصين قروضاً لدول لا تستطيع سدادها وهو ما يرى فيه إعطاء الصين القوة والقدرة على التأثير في تلك الدول.

ثالثاً: الأخطبوط الاقتصادي

ولكي ندرك ما تمثله القوة الصينية من حيث الاقتصاد، نعرِّج على الإحصائيات التالية: فعلى سبيل المثال أعلن البنك الدولي عام 2014م أن حجم اقتصاد الصين - الذي تضاعف 42 مرة في أربعين عاماً - سوف يتجاوز مثيله في الولايات المتحدة قياساً على تعادل القوة الشرائية ويرجِّح خبراء الاقتصاد أن يتجاوز الاقتصاد الصيني نظيره الأمريكي ليصبح الأكبر في العالم في عام 2028م، وأن يواصل ابتعاده في الصدارة ليصل حجمُه إلى 51 تريليون دولار بحلول عام 2040م مقابل 36 تريليون دولار للاقتصاد الأمريكي.

ويقفز حجم الناتج المحلي الإجمالي الصيني من 305 مليارات دولار في عام 1980م إلى نحو 13 تريليون دولار في عام 2018م.

ومنذ عام 2009م تجاوزت الصين ألمانيا بوصفها أكبر دولة مصدِّرة في العالم من حيث أحجامُ التصدير وتضاعفت صادراتها 118 مرةً منذ عام 1980م، وبلغ حجم هذه الصادرات 2.5 تريليون دولار من البضائع والخدمات عام 2018م، وهو أكثر بكثير من الولايات المتحدة التي احتلت المرتبة الثانية.

كذلك فإن احتياطات الصين من العملات الأجنبية هي الأكبر في العالم بما يقرب من 3.1 تريليون دولار أمريكي.

ورغم ميل الصينيين الكبير للادخار فقد تضاعف الاستهلاك المحلي بأكثر من 100 مرة ليقفز من 49 مليار دولار قبل 40 عاماً إلى نحو 5 تريليونات دولار في العام الماضي. وتضم الصين اليوم 620 من أصحاب مليارات الدولارات وهم الأكثر في العالم.

ولكن نظراً لغياب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للدخل فإن متوسِّط نصيب الفرد الصيني من إجمالي الناتج المحلي الصيني يبلغ 11644 دولاراً أي ما يُعادل 20% من مستواه في الولايات المتحدة في عام 2019م.

رابعاً: القوة العسكرية

في المجال العسكري فقد صنف موقع غلوبال فير بور الأمريكي قدرات الجيش الصيني في المرتبة الثالثة على قائمة تضم 133 دولة تتصدرها الولايات المتحدة وروسيا، ولفت الموقع إلى أن قوة الجيوش لا تقاس بأسلحتها فقط وإنما بالقوة السكانية للبلد التي ينتمي إليها، مشيراً إلى أن تعداد سكان الدولة يعد أحد عوامل القوة التي يتم احتسابها عند تصنيف قوة الجيوش.

وترى الباحثة الأمريكية (إلسا كانيا) في مركز أبحاث الأمن الأمريكي الجديد أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك الهيمنة المطلقة في المجال العسكري، وأن الصين تهرول لأن تصبح قوة عظمى عسكرياً وعلمياً وتكنولوجياً، وتضيف كانيا لموقع إن بي سي نيوز الإخباري الأمريكي: أن الجيش الصيني ربما تفوق على نظيره الأمريكي في بعض نقاط القوة العسكرية.

وفي الوقت نفسه ازدادت فرص ظهور القوات الصينية على المسرح العسكري الدولي خلال العقد الماضي؛ إذ أقامت علاقات عسكرية رسمية مع جيوش حوالي 150 دولة أخرى وأطلقت آليات حوارات دفاعية وتشاورات إستراتيجية مع وزارات أو جيوش 22 دولة وشاركت في حوالي 50 مناورة مشتركة مع قوات عسكرية لـ 30 دولة.

خامساً: عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى

ربما نبعت هذه الإستراتيجية من رغبة لدى القيادة الصينية في الاستفراد بالأقلية المسلمة ذات الأصول التركية؛ فكما هي لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى وتحرص على إبراز ذلك وإعلانه والتأكيد عليه؛ فإنه من ثَمَّ ليس من حق الدول الأخرى التدخل في شؤونها الداخلية وانتهاكاتها لأقليتها المسلمة.

من أجل ذلك أعلنت الصين عن رؤيتها للنظام الدولي الجديد في شكل بيان رسمي صدر في 18 أغسطس عام 2003م، أكدت فيه على ضرورة الاحترام المتبادل للسيادة والسلامة الإقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ومعالجة النزاعات الدولية سلميّاً ومعارضة استخدام أو التهديد باستخدام القوة ودعم مفهوم جديد للأمن يكون جوهره الثقة المتبادلة والمساواة في السيادة بين الدول أيّاً كانت ظروفها الاقتصادية والسياسية، واحترام الظروف القومية الخاصة بكل دولة والبحث عن أرضية مشتركة وتحقيق التعاون المنفعي المتبادل والتنمية المشتركة بين الدول كافة.

ربما شجعت هذه الإستراتيجية دولاً على التحالف مع الصين وزيادة التعاون الاقتصادي معها هرباً من تدخلات الغرب في شؤونها الداخلية؛ فالغرب قد يربط مساعداته وحتى تعاونه الاقتصادي والتكنولوجي بملفات سياسية وأيديولوجية مع دول العالم الثالث وغيرها من الدول بينما الصين غير ذلك.

هذه هي مواطن القوة الصينية التي تؤهلها للصعود إلى قمة النظام الدولي في غضون سنوات قليلة مع وجود عوامل ضعف كامنة قد تعيق أو تمنع هذا الصعود؛ وأهمها ضعف النظام السياسي بسبب عدم وصوله إلى صيغة تعايش للقوميات والديانات - خاصة الإسلامية - بداخله، كما يوجد تفاوت اجتماعي وتدنٍّ لمتوسط دخل الفرد؛ ففي حين يزداد عدد الأثرياء الصينيون فإن دخل الفرد ضعيف مقارناً بأقرانه في بلدان العالم المتقدم.

ويبقى الدرس الصيني تجربة وعبرة وسؤالاً ملحّاً دائماً تواجَه به الشعوب والأمم الأخرى التي تريد الصعود والخروج من مستنقع التبعية.