من الوقائع الشهيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  ما اشتهر بتسميته بـ (صحيفة المدينة)، وهي وثيقة مكتوبة عقَدها النبي صلى الله عليه وسلم  مع اليهـود لـمَّا وصـل إلى المدينـة، وقد تضمَّنت بنوداً كثيرة في حقوق المسلمين في ما بينهم، وحقوق اليهود وواجباتهم، أو كما يقول ابن إسحاق: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادَعَ فيه يهود وعاهدهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم»، ثم ساق بنود الصحيفة مفصلة.

وأصل وجود مثل هذه الوثيقة ثابت، وإنما الخلاف في كامل الوثيقة التي ساقها ابن إسحاق، حيث لم يثبت ذلك بسند صحيح، ولهذا فالاستدلال بها يجب أن يراعي ذلك، فلا يُستَند إلى كل حرف فيها في حكم شرعي لا يقوى عليه الدليل الضعيف، ولهذا فالاستدلال بهذه الصحيفة يمكن أن يتحقق من عدة وجوه:

الأول: ما يتعلق بالاستدلال بأصل الوثيقة، وبما صح من ألفاظها.

الثاني: الأحكام التي لا تستقل هذه الصحيفة في إثباتها؛ بل يكون ثَمَّ دلائل أخرى مقوية له، فلا إشكال أن يُستَدل بها من باب الاستئناس بالحديث الضعيف فيها.

الثالث: ما لا يتعلق بالأحكام الشرعية، كالاستناد إليها من جهة الوقوع التاريخي، كالقول بأن هذه أول وثيقة دستورية في التاريخ، أو الاستناد إليها لذكر محاسن الشريعة في النظام وأن ذلك يعبِّر عن حفظ الحقوق في النظام الإسلامي، ثم يذكر ما في الوثيقة من معانٍ شرعية كالعدل والنصح والبر، والتكافل الاجتماعي، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد، ونصرة المظلوم، وحماية غير المسلمين، وحرية الاعتقاد لهم، والاتفاق على الدفاع عن المصالح المشتركة، والوقوف ضد الظلم، والفساد، والبغي، والمساواة بين المسلمين، والنهي عن موالاة الأعداء.

صحيفة المدينة والدساتير المعاصرة:

الدستور في النظم السياسية المعاصرة هو القانون الأعلى للدولة، والذي يتضمن عدة بنود قانونية تحدد شكل الدولة، وتنظم العلاقة بين السلطات فيها، وتنص على الواجبات والحقوق الأساسية، ويكون هو الحكم لما تحته من الأنظمة والقوانين، حيث لا يجوز لأي قانون أن يخالف الدستور، وهذه المخالفة موجبة لنقض أي قانون.

والدستور بهذا التفسير هو أمر حديث نشأ مع الأنظمة السياسية المعاصرة، فهو ليس مجرد التزام الدولة بنظام، أو حرصها على حفظ حقوق، أو قيامها بواجبات، وإنما هو تنظيم متكامل يقوم عليه شكل الدولة ويجعلها دستورية.

ولهذا، فحين نقول بأن صحيفة المدينة هي أول دستور إسلامي فنحن واعون بطبيعة الدساتير وتشكيلها المعاصر، وأنها تقوم على حقائق مركبة، وإنما مثل هذه الوثيقة تشابه الدستور من جهة كونها وثيقة تتعلق بجميع فئات المجتمع، وتحدد الحقوق والواجبات بينهم، وهو أمر يدل على تميز النظام السياسي الإسلامي.

وحين نفحص النظام الدستوري المعاصر من جهة علاقته بأحكام الشريعة نجد أن نصوصه المكتوبة أو العرفية لها ثلاث حالات:

الأولى: ما يتعلق بالواجبات الشرعية من حفظ الحقوق، ومنع الظلم، ونحو ذلك، فهذه من قبيل الأحكام الملزمة شرعاً، سواء أكتبت في نظام علوي أو دونه، لأنها من قبيل القيام بالواجبات الشرعية؛ فالتنصيص عليها في دستور معيَّن هو من قبيل التأكيد عليها، ولا إشكال في مثل هذا.

الثانية: ما يتعلق بما ليس واجباً في الأصل وإنما هو ترتيب لشكل الدولة، أو للعلاقات بين السلطات، وذلك مثل الفصل بين السلطات، والتدرج القانوني، ونحو ذلك، وهذا في الحقيقة في الأصل مما لا يعارض الشرع وإن لم يكن واجباً في الشرع بعينه أو منصوصاً عليه، فيمكن تخريجه على أنه من قبيل تقييد السلطة، ولا إشكال فيه خاصة إذا كان مبنياً على مصلحة شرعية راجحة أو دفعاً لمفسدة راجحة، كما قد تدخل بعض الأحكام في الإجراءات التي يشملها أصل الإباحة.

الحالة الثالثة: ما هو مخالف للشريعة من القوانين مما هو متأثر بمرجعية وضعية لا تلتزم بمرجعية الوحي، فهنا تكون المخالفة في ذات القانون وليس في الدستور نفسه.

إذن من خلال هذه المقارنة يمكن أن نقول: إن هذه الصحيفة المدنية تعبِّر عن نموذج للحكم الرشيد، توضح فيه الحقوق والواجبات لكافة المنضوين تحت حكم الدولة المسلمة، ويكون الحكم الأعلى في هذا الدستور للشريعة الإسلامية، ويمكن أن يستفاد من الجوانب الدستورية المعاصرة في ما لا يعارض أحكام الشريعة، ويصح من هنا أن نطلق على مثل هذه الصحيفة أنها دستور إسلامي قد حدد الحقوق والواجبات وأخضع الجميع لحكم الشريعة.

صحيفة المدينة والتلفيقات المعاصرة:

الذي حصل في عصرنا أن الصحيفة مورس معها تحريفان شهيران:

التحريف الأول: في إثبات التقارب بين الأديان،  وإزالة الأحكام والأوصاف الشرعية عن غير المسلمين.

التحريف الثاني: في إثبات التقارب مع النظام العلماني المحيِّد لحكم الدين.

وحقيقة هذين التحريفين أنهما من قبيل التلفيق بين الشريعة الإسلامية وما يضادها من الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة؛ فهي تستند إلى هذه الصحيفة لجعلها أصلاً شرعياً لهذا التلفيق الباطل، وسنستعرض هذين المسلكين التلفيقيين في ما يلي:

التلفيق الأول: التقارب بين الأديان!

يستند هذا التلفيق إلى الصحيفة لتهوين الخلاف بين دين الإسلام وغيره من الأديان، فيقولون: إن هذه الصحيفة تثبت أن الأديان مرجعها واحد، وأن الأديان تتفق في الأصل الكلي، وأن خلافها في الشرائع والتفصيلات، أو صياغات أخرى مشابهة.

والحق أن هذه الدعوى موغلة في الضلال والانحراف، ولهذا لن أطيل القول فيها؛ فالمسلم يعرف حقيقة الخلاف بين الإسلام وغيره من الأديان، ويعرف المسلم حكم الإسلام القطعي الضروري في تكفير كل من لم يعتنق دين الإسلام، وأن من تديَّن بأي دين غير الإسلام فهو كافر، وأن لا طريق إلى الجنة ولا نجاة من النار إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال - تعالى -: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]، فالقول بأن هذه العقائد الباطلة متفقة مع الإسلام في الأصل هو من التلبيس والكذب على الله ورسوله، فمن يتدين بغير الإسلام هو مكذب برسالة الأنبياء، وليس متمسكاً بأصل الرسالة التي جاء بها موسى وعيسى، عليهما الصلاة والسلام.

وليس في مثل هذه الوثيقة النبوية أي علاقة بمثل هذه الطريقة المنحرفة في التفكير والاستدلال، فغاية ما فيها وضع منهج في كيفية التعامل، وليس في تصحيح مذهبهم، أو التهوين منه، أو نفي أي حكم شرعي عنهم.

وقد كان بإمكان أصحاب هذا المسلك أن يقرر مشروعية العدل مع غير المسلمين، وأن يعيشوا في ظل حكم الإسلام، وأن يحفظ حقوقهم، ولهم في إثبات هذا حكمُ النبي صلى الله عليه وسلم  وحكمُ خلفائه من بعده، من دون حاجة إلى تحريف أصل الإسلام.

التلفيق الثاني:

الاستناد إلى هذه الوثيقة لإيجاد موائمة بين النظام السياسي الإسلامي الذي يقوم على مرجعية الدين، والنظام العلماني الذي يقوم على تحييد الدين.

فالنظام العلماني لا يقبل بوجود منع أو إلزام في الشأن العام بناءً على رؤية دينية، فالدين شأن خاص وعلاقة فردية بين العبد وربه، وليس من حق أحد أن يفرض فهمه للدين على الآخرين، وبناءً على ذلك يبقى شأن الله في علاقة فردية خاصة، ومثل هذا يخالف الإسلام الذي يقوم على تحكيم الشريعة في كل شؤون الحياة.

وفي سياق هذا التلفيق نجد عند المعاصرين مَن يقرر أن الصحيفة هي دستور مدني يقوم على المواطنة المتساوية التي لا تفرِّق بين أحد بسبب الدين، فيشرح حال الصحيفة على وَفْق الفهم العلماني لنظام الحكم، سواء أكان واعياً بالمضمون المنحرف في العلمانية أو غير واعٍ بذلك.

وهذا في الحقيقة من قبيل الإسقاط غير الموضوعي، حين يأتي الشخص بمثال معاصر وينزله على واقع تاريخي مختلف تماماً عنه، فليس في الوثيقة مثل هذا الأمر، ولا يعني هذا أن ينفى أصل المساواة كله، وإنما الغلط هو في تقرير المساواة وَفْقَ المفهوم العلماني لها وإسقاط ذلك على صحيفة المدينة.

ولهذا من الطريف أن يُعرِضوا عما هو مذكور في الصحيفة مما ينافي المساواة العلمانية، حيث جاء فيها: «لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافراً على مؤمن».

وأن الحكم لله ورسوله: «وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردَّه إلى الله وإلى محمد».

كما لم يلتفتـوا إلى ما في نصوصها من حديث عن ذمة المؤمنين الواحدة، ونحو ذلك ممـا يبني الحكم فيه على الإيمان: «وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم مَوالي بعض دون الناس»، «وأن سِلْم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم»، فهم لا يلتفتون إلى مثل هذه النصوص لأنها ظاهرة جليَّة في أن صحيفة المدينة بريئة من هذه الأفهام المغلوطة.

صحيفة المدينة والشرعية السياسية:

من الأوهام المعاصرة في قراءة صحيفة المدينة، القول بأن الصحيفة محققة للشرعية السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيقررون أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان له شرعية دينية مستندة إلى الوحي، لكنه لم يستحق الشرعية السياسية إلا بعد البيعة، وعقد الصحيفة.

وهذه الطريقة تحاول تخريج الصحيفة على وَفْق النظام السياسي الحداثي المعاصر، الذي يعطي الشرعية للنظام بعد حصول موافقة الأكثرية عليه، بما يعبِّر عن عقد اجتماعي بين الطرفين.

وبناء على هذا التصور، أصبحنا نجد عند المعاصرين من يقول:

إن المشروعية السياسية منفكة عن النبوة؛ ففي البيعة والصحيفة عهدان: عهد على الدعوة والعقيدة يتجلى في الإيمان بالله ورسوله، وعهد على دستور المدينة الذي تأسست عليه الجماعة الإسلامية؛ فعندهم أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  الواجبة باعتباره نبياً لا تكفي لطاعته بعد قيام الدولة، بل هذا إلى الجماعة واختيارها.

وبناء عليه فالحكم السياسي للرسول صلى الله عليه وسلم  هو مستمد من بيعة الناس وشرعيتهم، فيمارس الرسول صلى الله عليه وسلم  صلاحياته بموجب العقد والاتفاق الذي تم برضا أهل المدينة على أن يكون إماماً له حق السمع والطاعة.

وقبل الجواب عن هذا الخلل الذي وقع فيه بعض المعاصرين يجب التمييز بين أمرين:

الأمر الأول: الحكم بأن النبي صلى الله عليه وسلم  صار حاكماً سياسياً ورئيساً للدولة بعد عقد البيعة، أو بعد الصحيفة، أو لـمَّا وصل إلى المدينة بناءً على تمكنه من إقامة مجتمع خاضع له تنفذ فيه أحكامه، ووجود طائفة خاضعة مطيعة له، فهذا لا إشكال فيه، فهو يحكي الواقع ولا يجعل هذا العقد قد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم  شرعية جديدة، فمعنى كلامهم أن النبي صلى الله عليه وسلم  قد صار حاكماً للدولة لما انتقل للمدينة وأما قبل ذلك فلم يكن ثَمَّ مجتمع يخضع لحكمه، فهو يصف واقع حال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو معنى تاريخي صحيح.

الأمر الثاني: الحكم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم  قد استمد مشروعية سياسية بعد بيعة العقبة أو الصحيفة أو الهجرة، وأن هذه الأسباب هي التي جعلته مستحقاً للحكم، ولولاه لما صار حاكماً للمدينة، وأنه بالإمكان أن يبقى نبياً لكن من دون أن يكون حاكماً.

وهذا في الحقيقة خلل بيِّن، يظهر هذا من قراءة التوضيحات التالية:

التوضيح الأول:

أن النبي صلى الله عليه وسلم  مستحق للإمامة من جهة النبوة، فهو إمام على المسلمين لأنه نبي، فليس لهم خيار في جعله إماماً أو غير إمام، فإذا لم يكن لهم خيار في نبوته فليس لهم خيار في رئاسته، فمن يقول هو إمام لأن الناس بايعوه يجب أن يقول هو رسول لأن الناس آمنوا به!

ولكونه مستحقاً للإمامة من جهة النبوة كانت أوامره ونواهيه لازمة لمن كان حيّاً ولمن سيأتي بعده إلى يوم القيامة.

التوضيح الثاني:

أن دخول الإنسان في الإسلام يعني خضوعَه لأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم  وأن يرضى بحكم النبي صلى الله عليه وسلم ، فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  والالتزام بأحكام دينه لازم للإيمان به، فليس هناك شرعية جديدة تحتاج بيعة، بل هي تابعة للإيمان.

فحقيقة هذه المشروعية أنها متأثرة بالفكر العلماني الذي يجعل السياسة منفصلة عن الشأن الديني، فيمكن في تصورهم أن تكون مسلماً ولا تحكم بالإسلام ولا ترضى به، لأن الأصل أن لا يكون في الدين حكم ولا قضاء، وهذا لا يمكن في الإسلام، فإعلان الإسلام هو رضاً وخضوع لحكم الإسلام، فلا يحتاج حكم الإسلام لشرعية أخرى، فالمشروعية السياسية يمكن أن تكون مقبولة إذا كانت متجهة إلى من «يحكم» بالإسلام، وليس إلى حكم الإسلام نفسه، فهي ليست بحاجة إلى شرعية أعلى منها، بل هي التي تعطي الشرعية لغيرها.

ولهذا، لم يكن ثَمَّ مَن يرفض الخضوع لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم  السياسي، وما كان يُتَصور أن يقول أحد إنني مؤمن بالرسول لكني لا أرتضي حكمه أو أفضِّل الانضواء تحت حاكم آخر، ولا كان يُتصوَّر أن يقيد الصحابة سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم  السياسية فيجعلونها في بعض الأمور دون بعض، ولا كان متصوراً أن يحصل تراجع عنها أو خَلْع لها، ولو كانت المشروعية مستمَدة من الناس لجاز لهم تقييدها أو خلعها أو عدم الانضواء إليها، وكل هذا باطل قطعاً.

التوضيح الثالث:

أن الله أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما كانت طاعته مخصوصة في بابٍ دون باب، فلا يتصور أحد أن ثَمَّ باباً معيَّناً لا تشمله طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .

ثم إن الصحابة - رضي الله عنهم - ما كانوا يعرفون التفريق في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  بين طاعته في السياسة أو غيرها، بل كانت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  لازمةً لهم حتى في الشؤون الحياتية العادية.

التوضيح الرابع:

أن ما وقع من الصحابة في العقد هو التزامٌ منهم بطاعة الرسول، لا يستمد منه الرسول أي مشروعية مستقلة، حتى حين بايعوه على القتال أو الـمَنَعَة فهـذا التـزام منهم لما يجب عليهم بأصل الإيمان.

ولازمُ مَن يقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم  استمد المشروعية السياسية من خلال بيعة الناس، أنَّ من حق الناس أن يؤمنوا بالرسول ولا يسلِّموا له بالحكم، أو أن لهم أن يجددوا له ذلك في كل سنة لأنه حق لهم فلا يبقى التوكيل دائماً، كما يلزمهم أن من رفض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  في الجهاد أو دفع الزكاة أو الفيء أو الحدود أو نحوها من الأحكام السياسية فهو مخالف لحاكم وليس عاصياً للرسول فتكون مخالفته أهون بكثير.