إنّ الله - عز وجل - قد شَرع لعباده عبادات عظيمة، ومِن أَجَلِّ العبادات التي أكَّد عليها القرآن الكريم في كثير مِن آياته عبادةُ الذِّكر، ومِن أعظم الأذكار منزلةً تسبيحُ الله عز وجل، وإنما كانَ التسبيحُ مِن أحبِّ الكلامِ إلى الله عز وجل؛ لأنه يَدلُّ على تنـزيه الربِّ وتقديسه عن كلِّ ما لا يليـقُ بهِ، ولـمَّا كـان الجمع الغفير من المسلمين يدركون مكانة التسبيح، لكنهم يغفلون عن مدلوله الصحيح، جاء هذا المقال؛ ليتناول منهج المؤمنين الصادقين في شدة حرصهم على التسبيح.

مفهوم التسبيح

التسبيح لغة: مصدر سبَّح، وعرَّفه الأزهري بأنه: تنزيه الله - سبحانه وتعالى - من السوء، وتبعيدُه منه، من قولك: سبَحتُ في الأرض: إذا أبعدتَ فيها، ومنه قوله - عز وجل -: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40][1].

    أمَّا التسبيح في اصطلاح المفسرين، فقد عُرِّف بتعاريف عديدة؛ وأجمع تعريف له أنَّه: «تنزيه الله تعالى اعتقاداً وقولاً وعملاً عمَّا لا يليق بجنابه»[2]

وهكذا يتَّضح أنَّ التسبيح في أصله اللغوي دائماً يدلُّ على معانٍ لا تُصرف إلا لله وحده؛ لأن المبالغة في التعظيم لا تليق لغير الله عز وجل، لذا فإنَّ كلمة (سبحان الله) تتضمن أصلاً عظيماً من أصول التوحيد، وهو إبعاد القلوب والأفكار عن أن تَظنَّ بالله - عز وجل - نقصاً.

وقد ورد التسبيح بمعنى تنزيه الله عز وجل عن كلِّ سُوء، سواء في القرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة أو آثار السلــــف الصالح، من ذلك قوله - سبحانــــه وتعالــــى -: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91].

نماذج من تسبيح المؤمنين في آيات القرآن الكريم:

التسبيح شأن الرسل - عليهم السلام - ومَن سار على دَربهم من المؤمنين، وجاء التنويه بتسبيح المؤمنين في عدَّة مواطن في الذكر الحكيم، وهي:

الموطن الأول يأمُر الله - عز وجل - المؤمنين بتسبيحه، كمـــــا فـــــي قولــــــه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا 41وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41، 42].

وفي الموطن الثاني يَقرِن الله - عز وجل - تسبيح مَــــن آمَــــن بــــه بالدعـــــــــاء، كما فــــي قولــــه - سبحانه وتعالى -: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: ١٩١].

وفي الموطن الثالث يَقرِن الله - عز وجل - تسبيح من آمن به بحمده، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: {إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15].

وفي الموطن الرابع يحكي القران قصة أصحاب الجنة، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ 28 قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِـمِينَ} [القلم: 28، 29].

ويعلِّق ابن عاشور على الآية فيقول: «والاستفهام تقريري و (لولا) حرف تحضيض، والمراد بـ (تسبِّحون): تنزيه الله عن أن يُعصى أمْره في شأن إعطاء زكاة ثمارهم. وكان جوابهم يتضمن إقراراً بأنه وَعَظَهم فعصوه، ودلُّوا على ذلك بالتسبيح حين نَدَمِهم على عدم الأخذ بنصيحته فقالوا: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِـمِينَ} أرادوا إجابة تقريره بإقرار بتسبيح الله عن أن يُعصى أمْره في إعطاء حق المساكين؛ فإنَّ مِن أصول التوبة تدارُك ما يُمكن تداركه، واعترافهم بظلم المساكين من أصول التوبة؛ لأنه خبرٌ مستعمل في التندم، والتسبيح مقدِّمــة الاستغفــار مــن الذنــب، قال - تعالى -: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: ٣]، وجملة {إنَّا كُنَّا ظَالِـمِينَ} إقرار بالذنب، والتأكيد لتحقيق الإِقرار والاهتمام به»[3].

وفي الموطن الخامس يذكر الله - عز وجل - تسبيح المؤمنين في سياق إفاضة النِّعم على عباده، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] .

وفي الموطن السادس ينوِّه الله - عز وجل - بتسبيح المؤمنين مِن أهل الجنة، حيث أخبر عنهم بقوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللّ›هُمَّ} [يونس: 10] .

وفي الموطن السابع يمدَح الله - عز وجل - المؤمنين لتسبيحهم لذاته العلية، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36]. والمراد بقوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] : «يصلي له في هذه البيوت بالغُدُوات والعشيات رجال»[4]، ويطلق على الصلاة تسبيحاً في القرآن الكريم والسنة المطهرة كثيراً؛ فالصلاة تنزيه فعلي كما أنَّ التسبيح باللسان تنزيه قولي.

ويشير القرآن الكريم إلى عظمة عبادة التسبيح، فيبيِّن أنَّ مِن حِكَـم إرسال النبـي محمد صلى الله عليه وسلم  القيام بتسـبيح الله - عز وجل - وتنزيهه مع المؤمنين، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: {إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 8 لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: ٨، ٩].

الفوائد المستنبَطة مِن عرض النماذج القرآنية المتضمِّنة لتسبيح المؤمنين:

    المتأمل في ما سبق من توجيه الله - عز وجل - للمؤمنين إلى تسبيحه في عدَّة آيات، يجد أنه يتضمن دروساً بليغة، ومِن أبرزها ما يأتي:

أولاً: اختصاص التسبيح بالله سبحانه وتعالى وحده: فإنَّ المتـأمِّل في آيات القرآن الكريم يَلحــظ أنَّ التسـبيح - سواء جاء باللفظ أو بالاعتقاد - حقٌّ خالص مِن حقوق الله سبحانه وتعالى، لذا لا يجوز أن يُنعَت به أحدٌ سِواه أيّاً كان؛ وذلك لأن لله - سبحانه وتعالى - وحدَه صفاتِ الكمال المطلَق، مِن هنا لا يُذكَر لفظُ التسبيح في آيات القرآن الكريم إلا مضافاً إلى لفظ الجلالة أو اسم من أسماء الله الحسنى، أو إلى صفة من صفاته أو إلى ضمير عائد إليه عـز وجل، ومِن شواهد ذلك قوله - سبحانه وتعالى - على لسان المؤمنين: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: ١٩١].

ثانياً: فضل التسبيح: فإنَّ التسبيح من أجلِّ العبادات القولية، وله منزلة جليلة في القرآن الكريم والسنَّة المطهرة، ومما يدلُّ على فضله، أنَّ الله - سبحانه وتعالى - أَمَر به عباده عامَّة في مواضع عديدة في كتابه العزيز، وفي استخدام القرآن الكريم للتسبيح بصيغة فِعل الأمر خاصة دلالة بيِّنة على أهمية التسبيح، وجلالة منزلته، وممــا يوضح منزلتـه أن الله - سبحانه وتعالى - جَعله مِن حِكَم بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، كما جعله عبادة أهل الجنة، إضافة إلى مجيئه في كتابه العزيز مقترناً كثيراً بألفاظ الذِّكر الأخرى، إذ قرن ها هنا التسبيح بالإيمان، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: ٩]، وقرَنه بالدعاء والحمد أيضاً.

ثالثاً: أزمنة التسبيح: ويستفاد أيضاً أن التسبيح عبادةٌ تُشرَع في كل وقت، لكنها تتأكد في الأوقات الفاضلة، وفي مجيء الأمر بالتَّسبيح في القرآن الكريم في أزمنة مختلفة كالبُكرة وهو أول النهار، والآصال وهو آخرُه؛ إشارة إلى الأمر بإدامة التسبيح في جميع الأوقات، وإيذاناً باختصاص بعض أزمنة التسبيح بمزيد مزية على غيرها، ولعلَّ الحكمة من مزيد تخصيص زمَنَي الصباح والمساء بالتسبيح كثيراً؛ لِتكرُّرهما، ولِشرفهما؛ كونهما آيتَين عظيمتَين من آيات الله عز وجل، ولسهولته فيهما. ولهذا شُرعَت أذكار الصباح والمساء عند وقت الصباح ووقت الغروب، فحريٌّ بالمؤمن أن يرطِّب لسانه بالتسبيح في كلِّ حين؛ لينال الأجر العظيم من الله عز وجل.

وبعدُ: فهذا ما يسَّر الله - عز وجل - الوصول إليه في هذا المقال المتواضع، وأسأله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا من المسبِّحين.

 

 

 


 


[1] انظر، الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (سَبَحَ)، (4/ 195).

[2]  أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، (8/ 203).

[3] ابن عاشور، التحرير والتنوير، (29/ 86) - (29/ 87).

[4] الطبري،  جامع البيان، (19/ 191).