أسطول إنجليزي ضخم يقوده الأدميرال آرثر فيليب يمخر عباب المحيط متوجهاً نحو الجنوب، تاركاً وراءه إنجلترا تغطيها الثلوج في شتاء قارس البرودة، ليصل إلى أراض بعيدة قاحلة شديدة الحرارة، حرارة لم يعتدها ركاب الأسطول الذين بلغ عددهم المئات.

لم يشكل ركاب الإحدى عشرة سفينة قوة عسكرية للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فالأراضي الجديدة تتبع التاج البريطاني منذ ما يقارب العشر سنوات، منذ العام 1770م.

ولم يكونوا تجاراً، فالسكان الأصليون فيما عرف لاحقاً بــ«نيو ساوث ويلز» لا يعرفون التجارة.

من هؤلاء إذن؟

كان ركاب الأسطول مجموعة من المجرمين المنفيين ومعهم جماعة من الحراس. مجرمون أدينوا بجنح بسيطة، سرقة خبز، تورط في مشاجرة، بالإضافة إلى حفنة من المتشردين والمتسولين.

شكل هؤلاء جميعاً باكورة السكان البيض الأوربيين في أستراليا. واعتبر يوم 26 يناير 1788م الذي رست فيه سفنهم على سواحلها يوماً وطنياً تحتفل به أستراليا كل عام.

تحولت القارة الصغيرة إلى مستوطنة عقابية، واستمر نقل المحكومين إليها حتى عام 1848م بعد أن دشن السكان البيض الجدد - الذين انتقلوا طائعين لاحقاً للعيش في أستراليا بعد اكتشاف الذهب فيها - حملة لإيقاف نقل المحكومين إلى المستوطنة.

ولكن الأراضي الجديدة لم تكن جديدة! كانت أراضي قاحلة ولكنها لم تكن خالية.. كان هناك آلاف البشر - قدر عدهم بين سبعمئة وخمسين ألفاً إلى مليون نسمة وقت بداية الاستعمار الأوربي للبلاد[1] - بشر لهم تاريخ وحضارة تحدثوا بـ20 لغة.

 لكن الإنسان الأبيض المتمركز حول ذاته لم يكترث لوجود هؤلاء جميعاً «وأسقطهم من حساباته، حيث وضع نفسه مركز الكون، لذا حين وصل إلى أرضهم لم يرهم، فنموذجه الإدراكي قد وضع حدوداً على رؤيته»[2].. وأعلن الرجل الأبيض أن القارة خالية ليس فيها إلا الحيوان والنبات.

وصل الرجل الأبيض للأراضي «الجديدة» وهو يعلم أنه على قمة السلسلة البشرية، يعلم أنه في مركز الكون تماماً، وأن الصراع الذي تفرضه الطبيعة من أجل البقاء لابد فيه من منتصر قوي صالح للبقاء يفرض سلطته وأفكاره ومعتقداته على الضعيف الهزيل المعرقل للنمو. وبالتالي تعامل مع البشر في الأراضي الجديدة من خلال نظرية النشوء والارتقاء وفكرة البقاء للأصلح، فـ«القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة، هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية، التاريخية والاجتماعية»[3].

ووفقاً لداروين فإن البشر الذين يقطنون العالم يتسلسلون بحسب قربهم لأصلهم الحيواني، حيث يقبع الزنوج والهنود والأبورجين والعرب في أدنى السلسلة؛ تتقارب طبائعهم مع طبائع الحيوانات في اعتمادهم على الوسائل البدائية والقوة البدنية والجسدية، بينما يتقدم الآريون والأنجلوساكسون في الحلقات الأعلى من السلسلة؛ ويتميزون بقدراتهم العقلية والمنطقية، ومهاراتهم في الإبداع والتخطيط ومن ثم كانوا الأصلح لقيادة الأجناس الدنيا.. وبذلك قدم داروين للرجل الأبيض تفويضاً ليقوم بعملية استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، مدعياً أن عملية الإبادة تتم بتفويض من الطبيعة.

عنصرية مقيتة:

اعتبر الرجل الإنجليزي الأبيض السكان الأصليين من الأبورجين الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد. ونسج الأساطير والشائعات حول «وحشية» هؤلاء الهمج آكلي لحوم البشر، الذين لم يثبت أنهم أكلوها سوى في الأساطير التي روتها إلايزا فريزر التي ادعت أنها رأت آكلي لحوم البشر بعد أن تحطمت سفينة زوجها البحار، ونسيت أن تخبرهم أن هؤلاء المتوحشين هم من أنقذوها من غرق محقق، وصدقها الأوربيون متناسين أنها تقف أمامهم حية ترزق[4].

والحق أن السكان الأصليين بدائيون في عين الرجل الأبيض وبمعاييره، لكنهم كانوا أبناء بيئتهم، تركزت ثقافتهم على الحياة اللامادية، وإقامة علاقات مع الطبيعة والكون، والحفاظ على نظام التكافل والتضامن في العلاقات الاجتماعية، هذه الطبيعة الروحانية تختلف كثيراً عن الحياة المادية للبيض.

وهنا رفع الرجل الأبيض سيفه المقدس ليبدأ بعملية استبدال كبيرة، استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة. وتحرك في مسارين لعملية إبادة وإحلال كبيرة.

الأول: التخلص من السكان الأصليين في مذابح مروعة (استبدال الشعب/ الإبادة).

الثاني: فرض ثقافة المستعمر باعتبارها ثقافة العنصر الأعلى والأفضل (استبدال الثقافة/ الاستيعاب).

استبدال الشعوب/ الإبادة:

بدأت عملية الاستبدال في مسارها الأول سريعاً، فبعد 15 شهراً من تأسيس أول مستوطناتهم في أستراليا انتشر الجدري بين السكان الأصليين. وباء لم يعرفوه من قبل، لم يظهر في قارتهم الصغيرة إلا بعد ظهور البيض. أما الساكسوني الأبيض فلم ير في انتشار الوباء سوى دليل على «الانتخاب الطبيعي»؛ فالطبيعة لم تزود هذا الجنس الضعيف بمناعة كافية بحسب زعمهم.

ولكن المؤرخ الأسترالي، نويل بتلن، كشف أن ظهور جراثيم الجدري كان متعمداً[5]، وأن الساكسوني الأبيض استخدم السلاح نفسه في أمريكا حين استخدموا البطاطين الملوثة بالجدري لينشروا الوباء ذاته.

ولم تكن هدايا البطاطين الملوثة سلاحه الوحيد لاقتلاع شعب الأبورجين، فهناك سموم كانت تدس في طحين الخبز. وهناك أيضاً «رياضة صيد البشر»[6]، حيث استحر القتل بين السكان الأصليين، قتلاً فردياً أو جماعياً.

 وكان قتل الأبورجين حقاً قانونياً منحته الدولة للمستوطنين البيض يقضي بقتل السكان الأصليين بالرصاص (1882م)، قضى خلال سنوات خمس على أهل القارة الصغيرة، حيث أرادت الحكومة إحصاء الناجين لتكشف أن عددهم وصل إلى 123 إنساناً بحلول العام 1834م[7]. وكان حديث الناس في أسمارهم عن مغامراتهم اليومية في تعقب السكان الأصليين، وهواياتهم الرياضية في صيد أنصاف البشر، والتسلي بعد الرؤوس.

وكان أول من اعتبر مذابح الرجل الأبيض ظاهرة في أستراليا المؤرخان إيان كلارك، وبيتر جاردنر، وكان ذلك في دراستهما عن العنف شرقي وغربي فيكتوريا، وجاردنر هو أول من وصف هذه المذابح بالحرب البربرية، وخلصا في بحثهما إلى وجود سمات مشتركة في تلك المذابح:

1- كانت في العادة ردة فعل على قتل الأبورجين لرجل أبيض - عادة ما يكون اختطف امرأة من السكان الأصليين أو اغتصبها - أو عقاباً على سرقة الأبورجين لمهمات استعمارية شغلت منطقة صيد.

2- اتسمت المذابح بأنها حوادث منظمة سبق التخطيط لها أكثر من كونها حوادث عفوية.

3- كان الهدف دائماً هو تحطيم الأبورجين واستئصال شأفتهم أو دفعهم للإذعان للمستعمر الأبيض.

4- عادة ما كان كل من القتلة والضحايا يعرفون بعضهم البعض.

5- اتسمت المذابح بأنها كانت تتم في سرية تامة.

6- فرض عليها جدار من الصمت جعل عملية تعقبها عسيرة للغاية.

7- أحياناً ما يقر الشهود أو القتلة أو الناجون من المذبحة بأحداثها بعد وقت طويل من الحادث عندما يأمنون الاعتقال أو الانتقام[8].

وخلصت الأبحاث التي أجرتها المؤرخة بروفيسور ليندل رايان إلى أن عدد وفيات مذابح الإبادة يقدر ب 6.200 نسمة من السكان الأصليين بمعدل 25 قتيلاً في كل مذبحة[9].

والبروفيسور رايان مسؤولة عن مشروع لتعقب مذابح الإبادة وإعداد مسرد بتفاصيلها وبيانات الضحايا وكذلك القتلة وتحديد مكانها على الخريطة، وجميع البيانات متوفرة على موقع «مركز القرن الحادي والعشرين للإنسانية» والبيانات فيه تحدث بصورة مستمرة[10].

استبدال الثقافة/ الاستيعاب:

في استعلاء عنصري مقيت وصل بالبيض الأنجلو ساكسون إلى البارنويا العنصرية، رأوا أنه يجب عليهم حماية السكان الأصليين، ومساعدتهم في دخول فردوس الحضارة بإلحاقهم في الإرساليات، لمساعدتهم في التقدم في سلسلة التطور، ليتعلموا لغة السيد الأبيض، وحضارة السيد الأبيض، ويتدينوا بديانة السيد الأبيض.

وكما قال قائلهم: «ضعوا في أيدي أطفالهم الكتاب المدرسي والمجرفة... وعندما تنور عقولهم وتتسع أفاقهم سيصبح الكتاب المقدس واللغة الإنجليزية لغتهم... ويصبحون عناصر مفيدة في المجتمع»[11].

«ولم تكن حماية السكان الأصليين تعني إلا التحكم بحركتهم، وعملهم، وزواجهم، وقراءاتهم، ورياضاتهم، وتسلياتهم، بل وطقوس ديانتهم وثقافتهم وخاص خصوصياتهم»[12].

وبدأ الرجل الأبيض في خطف الأطفال من بين أحضان عائلاتهم، باستخدام أساليب ملتوية، وكانوا حريصين أشد الحرص على إتمام هذه العملية قبل بلوغ الطفل أربع سنوات.

ويشرح أوبير نيفيل، كبير مسؤولي حماية السكان الأصليين - العلة من خطف الأطفال في هذه السن المبكرة في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأسترالي (1983م): «أخذ الطفل من حضن أمه في أصغر سن ممكنة ضروري جداً، فهو في كثير من الأحيان لن يراها أبداً. وبذلك ينشأ هؤلاء الأطفال وهم لا يعرفون شيئاً عن ثقافاتهم ومحيطهم»[13].

اجتث هؤلاء الأطفال من أرضهم لتغرس جذورهم قسراً في بيوت البيض التي عملوا فيها كعبيد، أو في الإرساليات التي تعرضوا فيها لحوادث اغتصاب.

ما حدا بلجنة التحقيق الوطنية لتعلن بصراحة بعد إجرائها لاستجوابات رسمية وقضائية أن هؤلاء الأطفال تعرضوا لإبادة جسدية وثقافية و«أن أستراليا ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية عن سابق تصميم، وذلك باستخدام القوة لنقل الأطفال ضمن سياسة رسمية ظلت سارية المفعول حتى السبعينات (سبعينات القرن العشرين)... إن نقل الأطفال لم يكن يهدف إلا إلى القضاء نهائياً عليهم. وهذا ما ينطبق عليه وصف الإبادة وفقاً لميثاق تحريم الإبادة»[14].

وفي العام 1901م ألقى المدعي العام للكومنولث خطاباً أمام البرلمان يبشر فيه أعضاءه بأن «السكان الأصليين عرق يحتضر... وإن عليهم في ساعتهم الأخيرة أن يعترفوا بعدالتنا وبمعاملتنا الكريمة لهم»[15].

انقلاب السحر

يبدو أن فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة انقلب سحرها على الرجل الأبيض، الذي يشعر أنه يتعرض لإبادة جماعية White Genocide، يحمل لواءها الشعوب من غير البيض، ويطلق على نظرية المؤامرة هذه «الاستبدال العظيم» The great replacement، وهي إحدى النظريات التي يعتنقها اليمين الأوربي.

تقول النظرية إن الفرنسيين الكاثوليك والمسيحيين البيض بوجه عام يتعرضون لعملية استبدال منظمة، ليحل محلهم العرب والبربر والشرق أوسطيون وأبناء شمال إفريقيا، من خلال الهجرة الجماعية والنمو الديمغرافي الطبيعي، ويشكل ذلك خطراً محتملاً على الثقافة والحضارة الفرنسية.

الظهور الأول لهذه الفكرة كان في رواية جين راسبيل،   «معسكر القديسين»، والتي توقعت أحداثها انهيار الحضارة الغربية تحت وطأة أمواج من هجرات العالم الثالث[16].

وكان رينو كامو، أول من صك مصطلح «الاستبدال العظيم»، واصفاً حلة الاستبدال الديمغرافي في فرنسا نتيجة لسياسات الهجرة الجماعية، وانخفاض معدل الإنجاب لدى المواطنين الفرنسيين[17].

ويعد الهجوم الإرهابي المسلح على مسجد النور في ضاحية كرايست تشيرش في نيوزلندا أحد إفرازات تلك النظرية، حيث أقر الإرهابي في رسالة بريدية أرسلها لثلاثين جهة سياسية وإعلامية بتبنيه لهذه النظرية.

تبدو «نظرية الاستبدال العظيم» رابطاً بين إرهابي مسجد النور وبين أسلافه. أراد الرجل الحفاظ على ما وصل إليه أسلافه متناسياً أنهم هم من استبدلوا شعب المكان بشعبه هو وثقافة أصحاب الأرض الأصليين بثقافته.

ما زال الرجل الأبيض يدور حول فلك نفسه ولا يرى سواها، فالتاريخ عنده يبدأ من حيث وطأت قدماه أرض القارة الصغيرة والمستقبل يمتد أمامه إسلامياً مرعباً مخيفاً دون انعكاس صورة شقراء على مرآة أرضه. ولإن كان مسار الاستيعاب واستبدال ثقافة المهاجرين يشق عليه هذه المرة فإن مسار الإبادة والإفناء قريب إلى فكره وقلبه وأيسر على التنفيذ.


 


[1]  http://v.ht/yjH3

[2] عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، ص33، مكتبة الشروق الدولية.

[3] الألوكة، رابط الموضوع: http://v.ht/koSh

[4] المعجم الأسترالي للإعلام: http://v.ht/KjPC

[5] منير العكش، أميركا والإبادات الثقافية، ص262، رياض الريس للكتب والنشر.

[6] السابق.

[7]  السابق، ص263.

[8] مركز القرن الحادي والعشرين للإنسانية: http://v.ht/yCRt

[9] الجارديان، 26 يوليو  2018م:  http://v.ht/MV3n

[10] مركز القرن الحادي والعشرين للإنسانية: http://v.ht/Og89   

[11] منير العكش، أميركا والإبادات الثقافية، ص96، رياض الريس للكتب والنشر.

[12] السابق، ص246.

[13] السابق، ص266.

[14] السابق، 269.

[15] السابق، 271.

[16] صفحة الرواية على موقع جود رييدز: http://v.ht/71Ey

[17]  موقع «الاستبدال العظيم»:  http://v.ht/tfxX