ربما هذه ليست أول عملية إجرامية ضد المسلمين في أوربا تستهدفهم بالقتل المباشر، لكنها بالقطع هي الأكثر عدداً والأشد تأثيراً، هكذا أرادها منفذ العملية، فقد اتخذ من الوسائل والآليات ما يجعلها الأوسع انتشاراً وتداولاً بين وسائل الإعلام، فكتب مذكرة من 74 صفحة يشرح فيها أسبابه لتلك العملية الوحشية ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقام بتصوير جريمته لحظة بلحظة، وعلى الأرجح لم تكن لديه نية للهرب بعد تنفيذ جريمته، فلم يسع إلى إخفاء وجهه أو هويته ولم يقاوم السلطات التي ذهبت لتلقي القبض عليه، لقد أرادها كما بدت لنا جميعاً ببشاعتها وهمجيتها، ربما الشيء الوحيد الذي كان يتمناه القاتل ولم يدركه أن يكون عدد الشهداء في تلك المذبحة أكبر.

ومن خلال المعلومات المنشورة عن القاتل وجريمته، وما سطره من أوراق، سنحاول في تلك الأسطر القليلة قراءة تلك العقلية اليمينية المتطرفة.

بين اليمين واليمين المتطرف:

الواقع الذي لا يعلمه كثير من متابعي ظاهرة اليمين المتطرف أن الأفكار اليمينية ممثلة في أوربا منذ وقت بعيد بأحزاب وتيارات ومؤسسات سياسية مختلفة، وليست حديثة عهد كما يعتقد البعض، وبشكل عام نستطيع القول إن الأحزاب السياسية في أوربا تنقسم إلى ثلاثة تيارات رئيسة يمين، ويسار، ووسط، وتيار الوسط (يسار الوسط، ويمين الوسط)، هذا التصنيف نشأ منذ نشأة الدولة الحديثة وبداية تكون الأحزاب. فكانت بداية نشأة مصطلح يمين ويسار مع الثورة الفرنسية ومع اجتماع الجمعية الوطنية (البرلمان) جلست القوى المحافظة التي كانت تمثل النبلاء ورجال الدين وأصحاب النفوذ والأموال على يمين منصة المجلس. بينما جلس المنادون بتغيير النظام الملكي وإدخال إصلاحات جذرية على النظام على يسار منصة المجلس. من هنا نشأ مصطلح اليمين واليسار السياسي.

ثم تطور مصطلح أحزاب اليمين ليعبر بشكل عام عن المحافظة على الهوية المجتمعية والتقاليد المسيحية بشكل عام، حيث تتبنى هذه الأحزاب عادة ما يعرف باسم «القانون الطبيعي»، والذي يعترف بوجود فروقات شخصية واجتماعية إلى جانب اعتناقها الراسخ لأفكار حرية السوق والملكية الفردية وحرية التجارة، كذلك تقف ضد قضايا الشذوذ وإجهاض الأجنة.. إلخ، أما اليمين المتطرف فإن الفارق الوحيد الذي يفصله عن أحزاب يمين الوسط هو انتهاج العنف الجسدي والمسلح لتحقيق أفكاره على أرض الواقع، بينما تنتهج أحزاب يمين الوسط الأدوات السياسية لتحقيق أفكارها. يقول «تارنت» فاعل تلك الجريمة النكراء في أوراقه: ما تحتاجه الحضارة الغربية أعقد وأصعب من إصلاح مشكلة الاستبدال الإثني، إذ يحتاج الأمر إلى التركيز أكثر بكثير على القيم الأسرية، والمعايير الجندرية والاجتماعية وقيمة وأهمية الطبيعة والثقافة والعرق.

والخلاصة التي نريد ذكرها أن ما ينتشر الآن في وسائل الإعلام على أنها أفكار خاصة باليمين المتطرف ومرتبطة بظهوره، هي في الحقيقة أفكار موجودة ومتداولة ومصرح بنشرها، والمستهجن والمرفوض فقط - من وجهة النظر الغربية - هو اتخاذ العنف وسيلة للتعبير عن تلك الأفكار، وهي الآلية التي أتى بها اليمين المتطرف.

ولعلنا من خلال تلك الوثيقة التي تركها هذا المجرم الإرهابي نقف على أهم المنطلقات الفكرية التي تعتنقها تلك الأحزاب، ولعل أول ما تؤشر إليه تلك الوثيقة هو أن القوى اليمينية المتطرفة في أوربا لا يحركها شباب سطحي التفكير أو متحمس أو أن تلك العمليات التي يقوم بها هي مجرد ردات فعل عاطفية من شباب متهور، بل على النقيض من ذلك؛ فهؤلاء الشباب لديهم برامج تثقيفية عالية تتناول التاريخ القديم والحديث، وتتناول الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي بكافة أبعاده، وتضع الخطط لتحقيق إستراتيجيتها، ولديها مرجعيتها ورموزها سواء الروحية أو السياسية، فيذكر تارنت أنه يعتبر السير أوسوالد موزلي (اتحاد الفاشيين البريطاني) الشخصية التاريخية التي أثرت به على المستوى الأيدلوجي العام، كما يتحدث عن تأثير الناشطة الأمريكية المؤيدة للرئيس الأمريكي ترمب كانديس أوينز، ويقول عنها: «كلما سمعتها تتحدث، تذهلني أفكارها وساعدت وجهات نظرها في دفعي أكثر فأكثر نحو الاعتقاد بضرورة العنف»،

لذا فإننا نستطيع القول إننا أمام ظاهرة معقدة ومتشعبة ومحملة بكثير من الحمولات الأيدلوجية والاجتماعية والحركية وتحتاج إلى قراءة عميقة.

سيادة الجنس الأبيض:

تأسست العقيدة اليمينية الأوربية مع نشأة الدولة القومية الحديثة، التي سرعان ما تحولت إلى الطفرة الاقتصادية نتيجة توسعها العسكري واستعمارها للشعوب، وكان المبرر الأخلاقي الذي روجت له النخب الحاكمة في أوربا أن الشعوب المستعمرة لا تستحق ما يستحقه الأوربيون من حياة مترفة وحرية لأنها أدنى درجة في سلم التطور البشري. فثمة ارتباط وثيق بين تلك السياقات الثلاثة: نشأة الدولة الحديثة، التطور والرفاه الاقتصادي، الاستعمار والتفوق العرقي والحضاري.

يقول دومينيك فولتون الباحث الفرنسي في الإعلام والخطاب السياسي إن «نشاط اليمين تغير لكن عمقه وأهدافه لا يزالان على حالهما منذ نشأته الأولى». ويضيف فولتون أن أخبار صعود حزب متطرف مثل حزب البديل من أجل ألمانيا أو الجبهة الوطنية الفرنسية أو حزب رابطة الشمال الإيطالي لا يعكس قوة فعلية لهذه الأحزاب بل يعكس خطراً آخر أكثر عمقاً وهو «تأثير الخطاب السياسي اليميني على المتلقي العادي.. فالأمر بالنسبة إلى الأوربيين متعلق بتحلل الدولة القوية التي كانت السمة البارزة للدولة الأوربية طيلة قرن من الزمن، أما الآن وبفعل العولمة فإن خصائص الدولة القومية في تراجع مستمر، لذا فالناخب الأوربي يصوت لأحزاب اليمين المتطرف ظناً منه أن ذلك سيحمي هويته» [1].

والتاريخ الغربي الاستعماري محمل بحمولة عالية من استعلاء الرجل الأبيض، فخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تتردد القوى الاستعمارية في إنشاء ما يعرف بحدائق الحيوان البشرية، حيث تم جلب العديد من سكان المستعمرات وخاصة الإفريقية منها بهدف عرضهم داخل أقفاص ومناطق مخصصة في كبرى المدن الأوربية والأمريكية، وخلافاً لحدائق الحيوان البشرية الأوربية والتي امتلأت بالأفارقة، شهدت حدائق الحيوان البشرية الأمريكية تواجداً مكثفاً للعنصر الفلبيني، فعلى إثر الحرب الأمريكية - الإسبانية سنة 1898م وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على الفلبين، لم يتردد الأمريكيون في نقل أعداد من الفلبينيين لعرضهم في كبرى المدن الأمريكية.

ومع مطلع القرن العشرين، لعبت حدائق الحيوان البشرية دوراً مهماً في الترويج لفكرة تفوق العرق الأبيض، وتزامناً مع ذلك أقدم العديد من علماء الأنثروبولوجيا على إجراء أبحاث ونشر كتب عنصرية حول نظرية التطور. ففي سنة 1904م وعلى إثر نهاية المعرض الدولي لحدائق الحيوانات البشرية بسانت لويس بولاية ميسوري الأميركية، حاول عالم الأنثروبولوجيا، ويليام ماكغي، ترويج فكرة جديدة حول نظرية التطور فبناء على تصورات هذا العالم الأمريكي مثّل كل عرق بشري مرحلة في تطور الإنسان نحو شكله الحالي، وعلى حسب ما أكده الأخير تواجد الإنسان الأبيض على رأس قائمة الأعراق بينما تواجد الإنسان الأسود في ذيلها.

تزامناً مع ذلك وعلى إثر تردده على حدائق الحيوان البشرية، أقدم المحامي الأمريكي ماديسون غرانت سنة 1918م على نشر كتاب تضمن العديد من النظريات العنصرية فبناء على أفكار غرانت اعتبر العرق الأبيض عرقاً سيداً على البشرية، ولهذا السبب وجب عليه إبادة بقية الأعراق من أجل تكريس سيادته على الأرض بشكل نهائي[2].

هذه هي جذور الأفكار التي أتى بها ذلك الإرهابي القاتل حين يقول: في الحرب، لا مجال للتفرقة بين مدني وغير مدني، فـ«الغازي غير المسلح أخطر من الغازي المسلح». وفي رأيه: «لا وجود لأبرياء في غزو، فكل هؤلاء الذين يستوطنون أراضي شعوب أخرى يشاركون في الذنب.

ويقول: يجب علينا سحق الهجرة وترحيل هؤلاء الغزاة الذين يعيشون بالفعل على أرضنا. إنها ليست مجرد مسألة تتعلق بازدهارنا، بل هي مسألة حيوية جداً لبقاء شعبنا رغم ذلك، يرى ضرورة للتحرك العاجل ضد المهاجرين غير الأوربيين والذين يصفهم بـ«الغزاة» كي يتوقف ما يسميه بـ«الإبادة العرقية للبيض» و«الاستبدال العرقي» و«الاستبدال الثقافي» و«الاستبدال العنصري».

فهي إذن سلسلة متصلة من الأفكار العنصرية منذ بدايات الصعود الاقتصادي والصناعي وتفوق الحضارة الغربية والتي تعد نفسها الحضارة الوحيدة الجديرة بالحياة والاستمرار وغيرها لا بد أن يندثر ويفنى.

كراهية المسلمين بين التاريخ والواقع

المنطلق الثاني من منطلقات تارانت والتي عبر عنها في أوراقه: يقول في وصفه لكره المسلمين: «هناك أسباب تاريخية، مجتمعية وإحصائية. إنهم أكثر مجموعة محتَقَرة من بين غزاة الغرب ومهاجمتهم تنال أعلى مستوى من الدعم. وهم أيضاً واحدة من أقوى المجموعات، ولديهم معدّل خصوبة عالٍ... ولديهم رغبة في الغزو».

أما عن الأسباب التاريخية، فيتحدث عن الانتقام لآلاف الوفيات الناجمة عن غزو المسلمين للأراضي الأوربية عبر التاريخ.

وبرزت بين الكلمات التي كتبها على أسلحة جريمته «فيينا 1683»، في إشارة إلى هزيمة العثمانيين على أسوار فيينا، و«تور 732» و«شارل مارتيل»، في إشارة إلى هزيمة الأندلسيين في فرنسا على يد جيش قاده شارل مارتيل.

وفي رأي تارنت أنه لا مجال للتنوع أو التسامح يقول: «التنوع ليس قوة. الوحدة، الهدف، الثقة، التقاليد، القومية والقومية العنصرية هي ما يعطي القوة. كل ما عدا ذلك شعارات فارغة، أما توقع اندماج المهاجرين في ثقافة ميتة ومضمحلة، فهو أمر مثير للضحك». ويقول: «سنة 2000م أدركت أن النضال الديمقراطي ضد أسلمة أوربا وضد التعددية الثقافية في أوربا خسر».

يرى تارنت أن تنفيذ اعتداءات ضد «غير البيض» يساهم في خفض معدلات الهجرة إلى أراضي البيض «عن طريق تخويف وإزالة الغزاة جسدياً»، كما يساهم في إحداث انقسام واضح بين «الغزاة الذين يحتلون الأراضي الأوربية وبين الشعب الأوربي»، ما يخلق جواً من الخوف «يمكن أن يحدث فيه عمل جذري وقوي وثوري».

وأخيراً كانت المجزرة البشعة التي راح ضحيتها عشرات المسلمين وهم يؤدون الصلاة صورة معبرة بوضوح شديد عن الروح الاستعمارية الاستعلائية الممتزجة بوجدان المجتمع الغربي الذي لا يعترف بحضارة غير حضارته ولا قيم غير قيمه، سواء كانوا معتدلين أو متطرفين فالفارق بين الفريقين أن أحدهما يريدك حياً شريطة أن تتبع قيمه وتقاليده وحضارته، والآخر لا يريد لك الحياة ويريد أن يبقى وحده ولا مانع عنده أن يبقي مجموعات صغيرة من تلك المجتمعات ليضعها في أقفاص يتسلى به حين يصيبه الضجر.

 


 


[1] الباحث والمفكر الفرنسي دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلاً، على الرابط التالي: https://www.maghress.com/alittihad/201893

[2] خبر على العربية نت بعنوان حدائق الحيوان البشرية.. يوم عرض البشر في أقفاص بأوربا، تاريخ النشر 6 رمضان 1439 هـ / 20 مايو 2018م، على الرابط التالي: http://cutt.us/puXl9