«هناك حوارات بناءة مع حركة طالبان ونأمل أن نعيد قواتنا من أفغانستان في وقت قريب».. هكذا أعلن ترمب للشعب الأمريكي أثناء خطابه عن حالة الاتحاد في الخامس من فبراير الماضي[1]. والصحيح أن الأمريكان لحقت بهم الهزيمة كما لحقت بالذين من قبلهم، فقد حاول البريطانيون من قبل احتلال أفغانستان لكن ما استطاعت أقدامهم أن تثبت فوق تلك الأرض، بل يذكر التاريخ أن أولى محاولات البريطانيين باءت بالفشل الذريع فحين استولت القوات البريطانية على قندهار في 25 أبريل 1839م بعد قتال مرير، واجهت القوات البريطانية مقاومة شديدة من الشعب الأفغاني ولم ينج من جملة 15 ألفاً من القوات البريطانية إلا واحد فقط عاد إلى رؤسائه يحكي لهم آثار الهزيمة المروعة.

ومن بعدهم الروس الذين صاروا عبرة لمن خلفهم، فقد صرح الرئيس الأمريكي ترمب في حديث أدلى به لقناة «فوكس نيوز»: «إن الحرب في أفغانستان كانت سبب انهيار الاتحاد السوفيتي». وأضاف ترمب: «روسيا كانت تشكل الاتحاد السوفيتي، وأفغانستان بالذات جعلته روسيا من جديد، روسيا أفلست بسبب القتال في أفغانستان»[2].

17 عاماً هي أطول صراع عسكري شهدته الولايات المتحدة ابتدأته منذ العام 2001م حين صنفت إدارة جورج بوش الأب حركة طالبان حركة إرهابية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ووعد القادة الأمريكيون وقتها بسحقها، على لسان رامسفيلد وديك تشيني، ثم كانت الحصيلة بعد ما يقارب العقدين من الزمان ما يربو على التريليون دولار من الإنفاق العسكري، وأكثر من 2400 قتيل من جنودها وإصابة أكثر من 20 ألفاً آخرين، هذا ما جنته الولايات المتحدة من محاولة كسر إرادة هذا الشعب. فجنحت للسلم ودعت لمفاوضات سلام مباشرة مع الحركة طالبان وأخرجت قادة الحركة من السجون ليجلسوا أنداداً مع الأمريكان للاتفاق على شروط الانسحاب.

إستراتيجية الولايات المتحدة:

الحقيقة أنه منذ عام 2012م تجرى مباحثات سرية بين الطرفين تتوقف حيناً ثم تعود مرة أخرى، لكن زاد من وتيرتها تفاقم الخسائر، بالإضافة إلى ضعف الحكومة المركزية في كابول، برغم ما حظيت به من دعم عسكري من القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي، ومع هذا فقد تراجع النفوذ العسكري والأمني والسياسي لتلك الحكومة وباتت تفقد السيطرة على المناطق منطقة تلو الأخرى تاركة المجال لحركة طالبان لإضافة مناطق وأقاليم جديدة لنفوذها.

أضاف إلى هذا إستراتيجية ترمب التي تنحو تجاه خفض الوجود العسكري الأمريكي في مناطق النزاع أو سحبه بالكامل، حيث سيوفر ذلك أموالاً طائلة للخزانة الأمريكية كان يتكبدها الاقتصاد الأمريكي، إذ تمثل الصفقات التجارية والاقتصادية اللغة التي يجيد الرئيس الأمريكي التعامل معها نظراً لخلفيته التجارية التي تم سحبها على تعاملاته في قضايا العلاقات الخارجية السياسية والعسكرية.

هذه الحيثيات هي ما دفع كثيراً من المحللين السياسيين ليروا أن ثمة فرصة كبيرة لاتفاق يمكن أن يوقع بين الإدارة الأمريكية وحركة طالبان، فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولي طالبان ودبلوماسيين غربيين أن الاتفاق وشيك وأن الجانبين يضعان اللمسات الأخيرة عليه.

ويبدو أن المهمة المكلف بها «زلماي خليل زاد» مبعوث الولايات المتحدة لجهود السلام في أفغانستان، هي تحقيق الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأقل الخسائر السياسية الممكنة، وحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية التي أخذت قراراً بالانسحاب وتريد غطاء سياسياً مقبولاً تستطيع ترويجه لدى النخب السياسية والإعلام الأمريكي. وتسعى الولايات المتحدة للحصول على اتفاق سياسي تتخلى فيها حركة طالبان عن دعم أو إيواء «الجماعات الإرهابية العالمية» أمثال القاعدة وتنظيم الدولة، كما تتعهد بعدم استخدام أفغانستان منطلقاً للهجمات على الولايات المتحدة، وفي المقابل يعلن الأمريكيون جدولاً زمنياً لسحب قواتهم.

إستراتيجية طالبان:

تعتمد طالبان إستراتيجية حركات التحرر الوطني، أمثال حزب «الشين فين» وجناحها المسلح الجيش الجمهوري الأيرلندي في بريطانيا، وحركة حماس والجهاد في فلسطين. فحزب الشين وجناحه المسلح الجيش الجمهوري الأيرلندي تأسسا بهدف تحرير أيرلندا الشمالية من الحكم البريطاني وإعادة توحيدها مع الجمهورية الأيرلندية وبعد ثلاثين عاماً من الصراع تم إبرام اتفاق «الجمعة العظيمة» عام 1998م، بين بريطانيا وجمهورية أيرلندا وأحزاب أيرلندا الشمالية. ويدعو الاتفاق البروتستانت إلى تقاسم السلطة السياسية في أيرلندا الشمالية مع الأقلية الكاثوليكية وتعطي جمهورية أيرلندا رأياً في شؤون أيرلندا الشمالية.

فحركة طالبان تمتلك إلى جانب الجناح العسكري مكتباً سياسياً يفاوض لتحقيق مكاسب على الأرض، كما أن حركة طالبان ليست حركة جهاد عالمي بل ركزت جهودها لتحرير أفغانستان. ولم يقتصر ناشط المكتب السياسي على مخاطبة الطرف الأمريكي أو الغربي، بل تواصلت الحركة مع روسيا والصين وإيران وبالطبع باكستان إذ يصعب أن تنجح حركة تحرر في تحقيق أهدافها دون تواصل مع القوى الإقليمية في منطقتها، وفتح أبواب تعاون مع الدول المجاورة.

والمتابع لنشاط حركة طالبان يلحظ حضوراً للمكتب السياسي الذي يتابع الأحداث ويرسل الرسائل السياسية فعلى سبيل المثال وجهت حركة طالبان في الخامس عشر من أغسطس 2017م رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي ترمب تدعوه فيها إلى سحب القوات الأمريكية من أفغانستان وحذرته من الإقدام على زيادة عدد القوات الأمريكية.

كما عينت الحركة الملا عبد الغني برادر كبيراً للمفاوضين، والملا برادر كانت السلطات الباكستانية قد اعتقلته بطلب أمريكي منذ عام 2010م وأفرجت عنه في أكتوبر 2018م بطلب من خليل زاد نفسه بعد ضغوط من الحركة، وشغل مناصب متقدمة، أثناء حكم طالبان بين عامي 1996 و2001م، وكان مقرباً من زعيم الحركة الراحل الملا محمد عمر. وهو ما يعطي مؤشراً قوياً على جدية المحادثات فالقيادة الوازنة في الحركة تستطيع أخذ القرارات الحاسمة والسريعة.

أما على صعيد القوى الإقليمية فقد استطاعت الحركة فتح طرق للحوار مع الدول المجاورة، بل حصلت على اعتراف صريح ودعم سياسي من بعض الدول. فخلال نشاط مكتبها السياسي استطاعت حركة طالبان أن تحظى بدعم رسمي من روسيا، فقد أعلن المبعوث الخاص للرئيس الروسي للتسوية في أفغانستان «ضمير كابولوف» أن الوقت قد حان لرفع العقوبات الدولية عن حركة طالبان الأفغانية، مؤكداً استعداد موسكو لتأييد رفعها إذا أجمع مجلس الأمن الدولي على هذه المسألة. وقال الدبلوماسي الروسي: «إذا توصلنا إلى اتفاق فالأوان قد حان لذلك على ما يبدو، فنحن لن نسهل عملية المصالحة الوطنية بتقييد ممثلي حركة طالبان في مناورتهم الدبلوماسية»[3].

أما الصين فقد صرح سفيرها لدى باكستان ياو جينغ بأن بلاده اعترفت بحركة طالبان قوة سياسية، بعد انخراطها في محادثات السلام في أفغانستان وقال ياو جينغ: «بكين تعتبر طالبان قوة سياسية كونها أصبحت الآن جزءاً من العملية السياسية في أفغانستان». وأضاف السفير الصيني أن لدى بلاده اتصالات مع «الحكومة الأفغانية وحركة طالبان»، لافتاً إلى أن المبعوث الخاص لبكين زار المكتب السياسي لطالبان[4]. كما زار وفد من حركة طالبان الصين وترأس الوفد عباس ستاناكزي، بدعوة من الحكومة الصينية. وقال مسؤول في طالبان: «لنا علاقات جيدة مع كثير من الدول في العالم، والصين من بينها». وأضاف: «أخبرنا المسؤولين الصينيين عن الاحتلال الذي تمارسه القوات الغازية والفظائع التي ترتكبها ضد الشعب الأفغاني ونريد من القيادة الصينية أن تساعدنا في التعريف بهذه القضايا في المحافل الدولية وأن تساعدنا في استعادة حريتنا من القوات الغازية»[5].

هذا الحراك النشط للمكتب السياسي للحركة يدل على أن لدى الحركة رؤية إستراتيجية واضحة للأحداث والواقع المحيط بها، وتسعى إلى إحداث خروقات سياسية في المجتمع الدولي تدعم موقفها للتحرر من الاحتلال الأمريكي المباشر.

وأخيراً فإن الدرس المعتبر من تلك التجربة الأفغانية المريرة والطويلة أن إدارة الشعوب المسلمة لا تنكسر مهما طال الزمان، وأن العقود في أعمار الأمم ليست بالزمن الطويل، وأن الثقة بنصر الله لا بد لها أن تملأ قلوب المؤمنين، لقد ظل الصليبيون يحتلون بيت المقدس منذ العام 1099م وظلت القدس أسيرة لديهم لا يرفع الأذان في المسجد الأقصى ولا تسمع أرضه دعاء الساجدين في الصلاة عقوداً طويلة مات خلالها الكبير وشب فيها الصغير وهم يرون بيت المقدس مملكة صليبية، إلى أن أذن الله بالنصر على يد صلاح الدين وجنوده فدخلوا مدينة القدس في الثاني من أكتوبر 1187م. واليوم لم يبلغ الصهاينة ما بلغه الصليبيون ولكنهم قطعاً سيزولون كما زالوا. وها هم الأفغان يمثلون نموذجاً من العصر الحديث، إذ كبدوا أعداءهم ما لا يطيقون من الخسائر، فألجؤوهم إلى الجنوح إلى السلم ورفع الراية البيضاء.


 


[1] موقع « فرنسا 24» بعنوان: «بعد حرب الـ17 عاماً.. هل تستعيد طالبان أفغانستان؟».

[2] موقع روسيا اليوم، خبر بعنوان: «ترمب يعرف سبب انهيار الاتحاد السوفيتي».

[3] خبر على موقع روسيا اليوم، بعنوان «الخارجية الروسية: حان وقت رفع العقوبات عن طالبان»، 12/02/2019م.

[4] خبر على موقع روسيا اليوم، بعنوان: «الصين تعلن اعترافها بطالبان قوة سياسية»، 23/01/2019م.

[5] خبر على موقع bbc، «وفد من طالبان يزور الصين لمناقشة الوضع في أفغانستان».