الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الدولة العثمانية في آخر عهدها كانت سبباً مباشراً في تفشي أمراض اجتماعية خطيرة، منها تفشي ظاهرة الرشوة والبقشيش[1]  داخل الجهاز الإداري للدولة حتى بين أعلى مستوياته. وزاد من حدة الأزمات انخفاض قيمة العملة والتضخم الكبير في القرنين الـ16م و17م، مع استمرار المرتبات العسكرية والمدنية على مستوياتها التقليدية دون زيادة.

وبسبب الفساد المتزايد بين صفوف الجهاز الإداري للدولة أصبحت الوظائف تُعطَى، بل تباع، إلى رجال يناسبونها، كأتباع العلماء الكبار أو خدمهم، بل في بعض الحالات يتم تعيين قضاة  غير قادرين حتى على قراءة أسمائهم، وأصبح فساد القضاة مضرباً للأمثال، ويذكر أحد العلماء بأسًى قائلاً: «إن الناس في الماضي كانوا يأتون إلى القاضي ويشكون إليه ظلم الحاكم أو أعوانه، أما اليوم فإن الآية انعكست وبدلاً من أن يردع العلماء الحكومة من انتهاك القانون المقدس أصبح على السلطان أن يصدر عدداً لا يحصى من الفرمانات تحذر القضاة من انتهاك الشريعة الإسلامية»[2]، وفي إطار شراء الوظائف لم يعد الحصول على منصب الباشوية إلا عن طريق الشراء والاقتراض من اليهود والأرمن لتقديم الهدايا ورشوة موظفي الجهاز الإداري للدولة، ولم ينتهِ الوضع إلا بعد ترتيب الوظائف بالتدرج، وهذا ما أغلق ولو بنسبة قليلة تقاضي الرشوة[3].

وتشير الدلائل إلى أن الدولة العثمانية في فترات القوة كانت تقوم بتخزين البضائع القادمة مع القوافل التجارية، وكانت تشتعل الحركة في الأسواق أكثر وأكثر عندما يطوف فيها القاضي والمحتسب وغيرهما من موظفي الدولة لمراقبة الأسعار وجودة السلع، وقد تبدل هذا الوضع بسبب الفساد الذي حدث في هذه الطوائف وقبولهم الرشوة والبقشيش[4].

وقد سعى السلطان محمود الثاني للقضاء على هذه الظاهرة بمنح الولاة رواتب ثابتة ومجزية لمنعهم من قبول الهدايا والرشاوى وصرف الضرائب بشكل مستقل، لكن تأسيس منظومة مالية مركزية كان أصعب مما توقع، فقد بقي الأمر على ما هو عليه حيث كان الولاة مجرد موظفين بأجر ثابت بحسب رتبهم[5]، وحتى الرشوة التي كان معتنياً كل العناية بالقضاء عليها زادت بشكل كبير.

ولم يكن في استطاعة السلطان أن يعالج هذه الأزمات المتراكمة في الجهاز الإداري لعدة أسباب، منها:

• أن مرتبات الموظفين كانت صغيرة، وأصبحت تطلعاتهم أكبر، فزادت إغراءات الرشوة.

• لم تكن هناك أجهزة رقابية على أعمال الموظفين، خاصة الكبار منهم، وهؤلاء كانوا قد تعودوا على شراء مناصبهم برغم تشديد السلطان على منع ذلك، حتى لقد قال والي ديار بكر[6]: «ليس لدي دوافع لكي أكون أميناً، فإذا ما حاولت أن أحكم بالعدل تكاتف ضدي كل الباشاوات الآخرين، ولن ألبث أن أُطرد من وظيفتي، وإذا رفضت الرشوة فسأصبح أفقر من أن أشتري وظيفة أخرى»[7]، ويتضح من هذا الكلام أن الدولة وقفت عاجزة أمام فساد الجهاز الإداري، خاصة بعد تدني الوضع المالي لمعظم موظفيها، ما جعل من تفشي الرشوة أمراً سهلاً وبسيطاً، ومن ثمَّ أثَّر هذا على المجتمع بالسلب وجعل أفراده يفكرون كثيراً في دفع الأموال والرشوة للبحث عن وظيفة حكومية.

تشير الدلائل إلى أن الدولة نفسها كانت تقبل الرشوة والبقشيش، وللأسف تفشى هذا الوضع، ما أصاب أركان الدولة، فقد طلب سعيد باشا (1854-1863م) والي مصر الإذن بعقد قرض من دول أوربا، ونوقش هذا الطلب في مجلس الوزراء عام 1862م ورفضه عالي باشا[8] رفضاً تاماً، وعندما طرح الموضوع للمناقشة مرة أخرى بعد أسبوع واحد وافق عليه، فقد قبل بإذن من جلالة السلطان كيساً مقداره أحد عشر ألفاً ذهباً قُدِّمت له من هذا القرض، وقد حط هذا من قدرهما ومكانتهما في نظر الناس بقبولهما هذا البقشيش والعطية الكبيرة في هذه الأزمة، بينما غيرهم لا يستطيعون أن يتقاضوا مرتباتهم، ما أثار الكثير من الاعتراضات، وقال السلطان عبد العزيز: «لقد قدمت لهما هذه العطية لأختبرهما، فقد كانا يعيبان على أخي الإسراف، وكنت أظنهما لن يقبلاها، إنما يسديان النصح لي» وهكذا حط من قدرهما في نظر الصديق والعدو[9]، وقد اتبع الخديوي إسماعيل الأسلوب نفسه في المطالبة بإصدار فرمان خاص بوراثة العرش لأكبر أبنائه من بعده[10].

هذا الخلل الذي كان سائداً في الإدارة وعدم اطمئنان موظفي الحكومة على مراكزهم الوظيفية واضطرارهم إلى استرضاء رؤسائهم بالمال الذي لا تتسع له ثروتهم ورواتبهم؛ كل ذلك فتح باب الرشوة على مصراعيه، فإذا أخذت مثلاً مورداً من أعظم موارد الدخل كالرسوم الجمركية[11] تجد أن كثيرين من مأموري هذه الإدارة يجمعون الثروات في فترة وجيزة، وتشير التقارير إلى أن خسارة الخزينة كانت عظيمة، إذ كان لا بد من ذهاب ضعف الرشوة للراشي والرائش ومن حولهما، وزاد ذلك من حدة الأزمة وتأثيرها على المجتمع[12].

وبسبب تفشي الرشوة وتضخم العملة العثمانية وعجز الدولة عن التصدي لتلك الأزمة، ارتفعت أسعار السلع الغذائية، ففي إسطنبول بين عامي 1900-1908م ارتفع سعر أوقية القمح من 34 إلى 54 بارة (40 بارة = قرشاً واحداً) وارتفع سعر كيلة الشعير (37 لتراً) من 12 إلى 19 قرشاً، وهذا التضخم[13] خلق نوعاً من التذمر الشعبي ضد الفساد القائم داخل إدارة الدولة التي كانت تتهاوي في ذلك الوقت.


 


[1] البقشيش: في الفارسية «بخشيش»، وهي العطية والمنحة والهدية يأخذها العامل أو الخادم فوق أجره. انظر: أحمد السعيد سليمان، تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل، دار المعارف، ط1، القاهرة (د.ت)، ص43.

[2] ألبرت حوراني، الشرق الأوسط الحديث (1789-1918م)، ترجمة: أسعد صقر، دار طلاس، ط1، دمشق، 1996م، ص60؛ جري برون، تاريخ أوربا الحديث، ترجمة: علي المرزوقي، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2006م، ص526.

[3] محمد عبد اللطيف البحراوي، المرجع السابق، ص213.

[4] أكمل الدين، الدولة العثمانية.. تاريخ وحضارة، مكتبة الشروق الدولية، ط1، القاهرة، 2011م ، ص596.

[5] إلبر أورطايلي، التحديث والحداثة في القرن التاسع عشر، ترجمة: عبد القادر عبداللي، قدمس للنشر، ط1، بيروت، 2007م، ص54.

[6] ديار بكر: ولاية كبيرة من الولايات العثمانية تقع في الجنوب الشرقي من تركيا الحالية وشمال سوريا. انظر: محمد فريد، تاريخ الدولة العلية العثمانية، ص66.

[7] عبد العزيز سليمان نوار، تاريخ الشعوب الإسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، (د.ت)، ص165–166.

[8] عالي باشا: هو محمد أمين عالي باشا (1815 - 1878م)، شغل منصب الصدر الأعظم ثلاث مرات، ووزير الخارجية ست مرات. انظر: يالماز أوزتونا، موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، الدار العربية للموسوعات، ط1، بيروت، 2010م، مج3، ص 43-47.

[9] ماجدة مخلوف، تحولات الفكر والسياسة في التاريخ العثماني.. رؤية أحمد جودت باشا في تقريره إلى السلطان عبد الحميد الثاني، دار الآفاق العربية، ط1، القاهرة، 2009م، ص 98-99.

[10] جورج جندي بك، جاك تاجر، إسماعيل كما تصوره الوثائق الرسمية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، القاهرة، 2013م، ص40؛ يونان لبيب رزق، العيب في ذات أفندينا.. دراسة تاريخية موثقة من 1866م حتى اليوم، دار الشروق، ط2، القاهرة، 2009م ، ص124؛ عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، دار المعارف، ط4، القاهرة، 1987م ، ج1، ص79-82.

[11] ورد في فتوى (4012) للجنة الدائمة للإفتاء في السعودية: «تحصيل الرسوم الجمركية من المكوس والمكوس حرام».

 [12] سليمان البستاني: عبرة وذكرى أو «الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده»، تحقيق: خالد زيادة، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 2011م، ص158.

[13] روبير مانتران، الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السبايع، دار الفكر، ط1، القاهرة، 1993م، ج2، ص253.