الأكاديمي السعودي الأديب الدكتور خالد بن سعود الحليبي، الأستاذ بجامعة الإمام وجامعة الملك فيصل سابقاً، صاحب نشاط متنوع، فهو تربوي ومدرب، ومستشار أسري ومرشد، ونال عدة جوائز في ذلك، منها: جائزة مؤسسة السبيعي للتميز في العمل الأسري، كما قدم عدة برامج أسرية وتربوية في إذاعة الرياض، وقنوات اقرأ، والرسالة، والمجد، مثل برنامج: «بوح البنات»، كما أصدر مجموعة كتب تربوية وأسرية أبرزها: «نحو أسرة ذاكرة»، و«مهارات التواصل مع الأولاد»، و«آه يا ولدي»، كما أنه أديب أصدر عدداً من الكتب شعراً ونثراً، وقد التقيناه في إحدى الأمسيات الثقافية التربوية، فكان هذا الحوار:

مجلة البيان: دعنا بداية نتعرف على بيئتك الخاصة والعامة ومدى تأثيرها في صقل موهبتك الأدبية!

أنا من أسرة وعائلة أدبية ومثقفة تكتب الأدب والشعر (إخوتي وأخواتي)، وفي الأحساء - حيث موطني - مجموعة من الأسر الأدبية والشعرية مثل آل المبارك، وآل عبد القادر، كل هذا كان له أثر كبير على توجهي الأدبي. والأسرة الأدبية وجدت في العصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر الحديث، الذي نجد فيه الأسرة اليازجية، والبستانية، والتيمورية، بل وقيل إن الخنساء لم تلد إلا شاعراً، والتأثير قد يكون وراثياً، أو اكتساباً، ولعله من هذا وذاك!

وبدايتي الأدبية كانت من قديم، ومنذ دراستي الجامعية الأولى فقد أصبحت بين يدي شاعر الأسرة، الشاعر الكبير في الأمة الإسلامية عمر بهاء الدين الأميري، وتأملت كثيراً كيف استطاع هذا الشاعر أن يحلل تصرفات وسلوك الأطفال من ناحية نفسية واجتماعية.

مجلة البيان: ولكن، برأيك من أعظم المؤثرين في التكوين الأدبي في الأسرة على الأبناء؟

إن أعظم المؤثرين في التكوين الأدبي في الأسرة على الأبناء هم:

أ- الأب، فله تأثير كبير على أبنائه في اتجاههم الأدبي والشعري.

ب- الأم، فالأم المثقفة أو المشجعة لأبنائها حتى وإن لم تكن أديبة أو حتى متعلمة قد تقوم بدور عظيم في تشجيع أبنائها والإصغاء إليهم، والأخذ بأيديهم إلى الأدب.

ج- الإخوة والأخوات، فتجد أن تأثيرهم واضح على اتجاه إخوتهم الصغار في الجوانب الأدبية، وتظل البيئة الأدبية بيئة فطرية غير متكلفة لأن التصنع والتكلف لا يصنع أدباً أو فناً أدبياً.

مجلة البيان: هل من مؤثرات أخرى في التكوين الأدبي؟!

نعم، هناك نظريات ومؤثرات أخرى في التكوين الأدبي لدى الأبناء منها: النظرية الاجتماعية التي يقولون فيها إن الفن إنتاج جماعي وليس فردياً والفنان كائن اجتماعي يستجيب للبيئة التي يعيش فيها، ويرتفع الحس الجمالي أو يهبط لديه بحسب البيئة الاجتماعية، وقد يؤثر غير الأسرة على الطفل ليكون أديباً، لكن الأسرة دورها كبير وثابت في التأثير وتؤكد الدراسات الحديثة الجادة أن الإبداع يمكن تحطيمه وتخفيضه أو الارتفاع به في الموهبة المتوسطة، ويمكن توجيه الطفل إلى ما نريد في كثير من الأحيان، فالأدب جمال يمكن تنميته لدى الفرد، وهو ألفاظ ومشاعر تتشكل تلقائياً ودون اختيار.

ويمكن تطور الحس الأدبي الجمالي ونموه من خلال عدة نقاط:

أ- الحاضنة الأولى هي العائلة التي يمكن أن تنمي الأحاسيس الجمالية لدى الأطفال وترعى ظهورها وتصقل المواهب الوليدة.

ب- المدرسة ومعلموها الذين يستطيعون رعاية المواهب الأدبية لدى الصغار من خلال المسابقات الأدبية والإذاعية وغرس الجرأة الأدبية.

ج- الطبيعة المحيطة بالأطفال وأبرزها المنزل في بنائه وجماله وترتيبه وتنظيمه، بما يساعد على اكتشاف المواهب الأدبية ونموها.

د- وجود المكتبة في البيت ما يفسح المجال للأطفال للاطلاع والقراءة والتأثر بما يزيدهم انفتاحاً على التجارب الأدبية والشعرية، فالأديب يكون في الغالب قارئاً نهماً.

هـ- حضور مجالس العلم والأدب والأمسيات والندوات ما ينعكس على المواهب الشابة ويزيدها نضجاً وتحليقاً في عالم الأدب والشعر.

مجلة البيان: لعلك تطلعنا على نماذج أدبية جمالية في هذا الحوار:

هناك أسماء كثيرة لنماذج أدبية جمالية كان لحياتها وسيرتها التأثير العظيم في أدبها، منها: ما يحدثنا به الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري عن أمه التي ساندته ووقفت معه في حياته وأدبه، وصدق الأستاذ الدكتور صالح العايد في كتابه حين قال: يظل الرجل طفلاً حتى تموت أمه، ويعد كتابه هذا من أروع ما كتب عن الأم ودورها في حياة أبنائها.

أما الشاعر السعودي الكبير عبد الرحمن العشماوي فقد ربته أمه ولم تكن شاعرة أو أديبة، ولكنه كان يقرأ قصائده أمامها، فإذا أجازت قصيدته نشرها، فقد كانت متذوقة للجمال الأدبي مبدعة في نظرتها ورؤيتها وقناعتها، وكان دعاؤها له يمنحه إحساساً عظيماً ليكون مبدعاً.

أما أنا في شعري وأدبي فكانت أختي تشجعني مما جعلها تهبني الكثير من مشاعرها لأكتب بكل ثقة وإبداع. وهكذا كان تأثير أم الكاتبة والأديبة الروائية الإنجليزية أجاثا كريستي على رواياتها كما قالت في أكثر من لقاء أدبي.

ويقول ابن حجر العسقلاني: أختي كانت حافظة كاتبة، وهي أمي بعد أمي. أما الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان فقد كانت تحنو عاطفياً وأدبياً على أخيها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان! وهذا الشاعر الفارس الأمير أسامة بن المنقذ كان فارساً وقائداً وكان لأسرته تأثير كبير في تربيته وفروسيته وشاعريته، فأبوه ظل يحضر له المربين والشيوخ الكبار، بل إن أمراء بني المنقذ كانوا شعراء وأدباء أيضاً، وكان أسامة يحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من الشعر الجاهلي.

وتؤكد الدراسات وجود علاقة كبيرة بين الأدباء والمبدعين وبين إبداع أبنائهم، بل بين الابتكار والثقافة في الأسرة! وكذلك كان لزوجة أخي الشاعر محمود الحليبي تأثير كبير عليه في شعره.

مجلة البيان: ترى ما أبرز الخطوات في توجيه الأبناء للأدب؟!

من أبرز الخطوات لتوجيه الأسرة لأبنائها أدبياً:

1- تحفيز الأبناء وتشجيعهم وعقد المسابقات لهم ورصد الجوائز للمبدعين منهم لرعاية مواهبهم.

2- أن نوجه أبناءنا للكتابة فنستمع إليهم، ونعودهم على إلقاء ما يكتبون بكل جرأة وإقدام.

3- أن ندربهم على سماع النقد بشجاعة، وأن يتقبلوه دون ضيق للإفادة من ذلك.

4- تشجيعهم ومساعدتهم على نشر الإنتاج المميز مما له الأثر الكبير على تطور إبداعهم.