بعد مضي ما يقارب ثماني سنوات على الانتفاضة التونسية ورحيل بن علي عن السلطة، ها هي تونس تتقلب على وقع جمر تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، الذي منذ إعلان نتائجه ما زالت تداعياته تطغى على وقع الحياة السياسية والدينية في تونس.

والسؤال الآن هل هذا الإعلان الذي أثار جدلاً وقسم المجتمع وشغل الساحة التونسية هو ما تحتاجه تونس بالفعل؟ أم إن القضية هي مجرد مناورات سياسية وتلاعب بملف الدين والحريات في بلد يعاني الفقر والبطالة وتردي كافة القطاعات الخدمية؟

الحقيقة التي لا مراء فيها أن قطاعاً من الشعب التونسي بدأ بالحنين إلى العهد القديم بكل فساده وطغيانه وبوائقه. فقد دبت بين مفاصله مشاعر العجز والإعياء والإحباط.

الحقيقة التي لا تحتمل الجدل أن تونس حلّت مؤخراً مكان إريتريا بكونها البلد الأكثر تصديراً للمهاجرين الذين يزحفون على إيطاليا عبر البحر. ومنذ العام 2011م غادر تونس ما يقارب 100 ألف من العمال المهرة والمتعلمين. وما يثير القلق أكثر أن تونس برغم تمظهرها العلماني لا تزال واحدة من أكبر المساهمين في ظاهرة المقاتلين الأجانب في الحركات والجماعات المسلحة التي تقاتل خارج الحدود كتنظيم الدعوة والقاعدة.

الصحيح أن تونس بعد التخلص من الاستعباد والطغيان في عهد بن علي وارتفاع مؤشر الأمل وزيادة تطلعات الشعب، أضحت بعد ثماني سنوات تعاني من تضاعف معدلات الانتحار، في مؤشر على ارتفاع معدلات الإحباط واليأس خاصة بين الشباب، ففي 29 أكتوبر 2018م أقدمت متخرجة عاطلة عن العمل في الثلاثين من عمرها على تفجير نفسها في وسط تونس العاصمة، مسجلة بذلك أول هجوم إرهابي بعد اليأس من تحسن الأحوال المعيشية.. إضافة إلى قفز معدل البطالة في العام 2018م، ليصل إلى 15.5%، كما يواجه خريجو الجامعات التونسية الآن مستوى أعلى من البطالة.

يبقى أن نشير إلى أن تونس قامت في السنوات الماضية بإجراءات تقشف مؤلمة على حساب تلبية الطلب الكبير على الوظائف، وذلك بتوجيه من المقرضين الدوليين، بما في ذلك الاتحاد الأوربي وصندوق النقد الدولي، ما أدى إلى زيادة الضرائب وارتفاع الأسعار، وزيادة معدلات التضخم السنوية في تونس إلى 7.4%، وهي أعلى نسبة منذ 20 سنة.

الواقع أن جردة الحساب هذه تطول إذا قارنا بين تونس إبان حكم زين العابدين بن علي وما وصلت إليه بعد ثماني سنوات من الانتفاضة الشعبية.

تلك الصورة البانورامية كان لا بد للقارئ من وعيها حيث من المهم أن ندرك البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي دفعت لإخراج هذا التقرير وتلك الدعوى في هذا الوقت بالذات.

تقرير الحريات قنبلة الدخان

لنا أن ندرك أن العام 2019م هو عام الانتخابات في تونس حيث ستجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة في البلاد. وفي غياب أي تقدم حقيقي أو تحسن يشعر به المواطن في تونس تبقى قضايا التلاعب بملف الحريات وإثارة القضايا الدينية أحد أهم أدوات النخب السياسية في تونس لجذب الناخبين. 

لقد أسفر التقرير الذي نشرته لجنة الحريات الفردية والمساواة التي  شكلها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي للنظر في مسألة المساواة في الإرث والحريات الفردية عن حالة واسعة من الجدل. فقد قامت العديد من الجهات، أحزاب وهيئات وشخصيات اعتبارية، بشن هجوم عنيف ضد اللجنة ورئيستها، بشرى بلحاج حميدة، واتهمتها بمحاولة تغيير نمط عيش التونسيين ومخالفة الشرع. وقد اعتبرت جمعيات دينية التقرير يتعارض مع الشرع وهو مشروع انقلابي يتعارض مع نمط المجتمع، فقد اعتبر جمع من علماء جامعة الزيتونة أن تقرير لجنة الحريات مبادرة للفتنة، ويتعارض مع النص القرآني ويتعارض حتى مع الدستور التونسي الذي يتبنى المرجعية الإسلامية.

في حين رأت أحزاب وجمعيات حقوق إنسان أن هذا التقرير يدفع بتونس إلى الإمام ويضعها على مصاف الدول المتقدمة.

لنا أن نعرف أن إطلاق مجلة الأحوال الشخصية في تونس كان في 13 أغسطس عام 1956م، تلك المجلة التي أحدثت ثورة في تونس والعالم العربي بإلغائها لتعدد الزوجات ووقف العمل بحق الولي في زواج المرأة، وتم فرض الطلاق القضائي. ولا يخفى على أحد مدى شراسة النخب العلمانية ومحاولتها تحقيق انتصارات في قضايا وهمية لا قيمة لها. وهو اليوم نفسه الذي شكلت فيه اللجنة.

كان هذا الجدل والصراخ بين الأطراف المختلفة هو الحالة المثالية المطلوبة في ذلك التوقيت قبيل الانتخابات بحيث تمثل قنبلة الدخان التي تخفي خلفها حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه تونس. وحالة الفشل الذي تعاني منه النخب العلمانية في تونس.

العلمانية المتطرفة

لقد ولدت العلمانية التونسية متطرفة منذ نشأتها، فرضتها سلطت الحبيب بورقيبة فرضاً على مواطنيها، لقد دشن الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله مصلح العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مشيراً إلى أن العلمانية الجزئية هي التي تقف في موقع الحياد من الدين ولا تعاديه بخلاف العلمانية الشاملة، والتي يصفها بعضهم بالمتطرفة، أياً ما كان فهناك تفاوت واضح في العلمانيات وتطبيقاتها على المجتمعات الغربية، ونلمس ذلك في مدى تطرف العلمانية الفرنسية. وإن كانت جميعها مرفوضة في ميزان الشرع.

 لقد سعت العلمانية التونسية إلى تهميش لتاريخ تونس وللتقاليد الإسلامية. لذا لم يكن من المستعجب أن يرفض بعض العلمانيين قبول العلمانية المفروضة من أعلى إلى أسفل، وتعتبر أن تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة يجسّد هذا الأمر. وهذا ما يجعلنا نشير إلى أن الخلاف حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في تونس ليس معركة بين العلمانيين والقوى المحافظة أو الدينية وفقط بل هو أعقد من ذلك بكثير.

لقد أريد بإثارة قضايا المساواة في الميراث والحرية الجسدية وغيرها من القضايا إيقاظ خط صدع بين مكونات المجتمع التونسي وأحزابه ومؤسساته، مؤذناً بانهيار هذا النوع من التحالف الهش بين القوى العلمانية والقوى الإسلامية أو لنقل المحسوبة عليهم، لقد كان ثمة تحالف بين النقيضين نداء تونس وحزب النهضة، كان هدفه المعلن أن ينأى عما يثير الشقاق متبنياً للقضايا ذات الأولوية للمجتمع. لقد صارت الأحزاب العلمانية على نهجها القديم وهو إثارة الخلافات والنعرات الدينية والاجتماعية، متدثرة بالفوقية السلطوية لإرغام الناس على العلمانية.

فقد رفضت رئيسة اللجنة ونائبة البرلمان، بشرى بلحاج حميدة، إجراء استفتاء على مضمون التقرير، معتبرة أن «تونس لا تعيش ديمقراطية صحيحة تمكنها من إجراء استفتاء تكون نتائجه ذات مصداقية»[1]، وكأنها تقول: نحن أوصياء على هذا الشعب، حيث ما زال في مرحلة الطفولة لا يدرك أين تقع مصلحته.

حزب النهضة بين الديني والسياسي

حزب النهضة سعى منذ بدايات الانفتاح السياسي بعد الثورة - ويمكننا القول حتى من قبلها - إلى القفز على كثير من الملفات والقضايا ذات البعد القيمي والأخلاقي والديني في محاولة منه لإيجاد حالة من التطبيع السياسي مع القوى العلمانية عله يحظى بالدعم السياسي والقبول على الصعيدين الداخلي والخارجي، حزب النهضة الذي أعلن عن نفسه كحزب سياسي نائياً بنفسه عن التيارات والحركات التي تصف نفسها بالدينية يقف الآن على مفترق طرق، إما أن يدعم مثل تلك الدعوى أو يرفضها خاصة عندما تصل للبرلمان ولن يستطيع ساعتها القفز عليها. إما أن يدعم حزب النهضة قانون المساواة في الميراث في محاولة للتطبيع والوئام مع القوى العلمانية والمدينة وهو بذلك يقع في حالة تصادم بين قاعدته الشعبية أو لنقل بين جموع المجتمع التونسي، أو يعارضها ويرفضها وحينها ستكون الفرصة مواتية لخصومه داخلياً وخارجياً للفظه ووضعه في دائرة الأحزاب الدينية وهو الوصف الذي كلف حزب النهضة العديد من التنازلات الدينية والسياسية حتى ينأى بنفسه عنه وهو بذلك يخسر كل ما بناه طوال الفترة الماضية.

وأخيراً، نستطيع القول إن الشعب التونسي في حاجة ماسة إلى تغيير نخبه السياسية بكافة أطيافها المحافظة الدينية منها والعلمانية الليبرالية، الجميع فشل في الاختبار لقد ضاعت البوصلة من الجميع ولم تضحَ مصلحة الوطن وهموم المواطن محط اهتمام حقيقي اللهم إلا من الخطب الرنانة، والشعارات الجوفاء، فالجميع تخلى عن مسئوليته وحتى مبادئه وأفكاره والجميع جنى الوهم، وأمام التونسيين فرصة في الانتخابات القادمة إن أجريت بشفافية ليعطى درساً لكل من تخلوا عن أحلامه.

ونستطيع القول أيضاً إن الأحزاب التي تخلع رداءها لترضي غيرها وتتوسل الاعتراف من مخالفيها وأعدائها ستخسر نفسها ولن تكسب مناوئيها وأمامها فرصة ذهبية لمراجعة سياستها والتماهي مع خيارات الشعب ودينه وقيمه وأخلاقه وتطلعاته لعلها تعوض ما فاتها وتعدل خياراتها.

 


 


[1] هل تجري تونس استفتاءً شعبياً حول «المثلية والمساواة في الميراث؟»

(https://www.eremnews.com/news/world/1448060  ).