ظهرت في قطاع غزة بوادر جولة جديدة للصراع بين الاحتلال الصهيوني والمقاومة الفلسطينية عقب العملية الاستخباراتية الأخيرة التي شنتها القوات الخاصة الصهيونية الشهر الماضي وأسفرت عن استشهاد 6 فلسطينيين بينهم نائب قائد كتيبة المنطقة الشرقية في الجناح المسلح لحركة حماس نور بركة.

وبدأت تفاصيل العملية بقيام وحدة من القوات الخاصة الصهيونية في 11 نوفمبر 2018م بالتسلل إلى بلدة عبسان الكبيرة بمدينة خان يونس جنوب القطاع  لزرع أجهزة تنصت في كبائن تابعة لشركات اتصالات محلية، لكن اكتشاف الوحدة الصهيونية التي كانت تستقل سيارة من طراز فلوكس فاجن زرقاء اللون على يد دورية راجلة من عناصر المقاومة الفلسطينية أدى إلى اشتباكات عنيفة بين الطرفين، تبعها تدخل للطيران الحربي الصهيوني الذي وفر غطاء جوياً لانسحاب القوة الخاصة من خلال إطلاق عدد كبير من الصواريخ باتجاه عناصر المقاومة الذين قاموا بملاحقة القوة الصهيونية التي فرت باتجاه الحدود، لكن برغم كثافة النيران الصهيونية إلا إن الجيش الصهيوني أعلن لاحقاً مقتل ضابط برتبة متقدمة هو قائد الوحدة الصهيونية وإصابة أحد عناصرها.

هزيمة وانتصار:

بعد تمكن المقاومة من إفشال المخطط الصهيوني الذي وصفته حركة حماس بـ«الكبير» ضد غزة واندلاع تبادل عنيف للقصف تسبب في إعلان الجبهة الداخلية الصهيونية حالة الطوارئ في منطقة غلاف غزة بسبب انهمار المئات من الصواريخ الفلسطينية على تلك المناطق وتدمير العشرات من المباني الفلسطينية في القطاع بسبب القصف الجوي الصهيوني من بينها مقر فضائية الأقصى التابعة لحركة حماس، تمكنت السلطات المصرية من التوصل إلى تفاهمات لتحقيق تهدئة بين الجانبين أدت إلى خروج مظاهرات للمستوطنين تنتقد موافقة الحكومة الصهيونية على وقف إطلاق النار مع حماس، وقد تسببت الأحداث في ارتباك سياسي داخل الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو لاسيما عقب تقديم وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان استقالته والتهديد بانسحاب كتلة «إسرائيل بيتنا» البرلمانية من الائتلاف الحكومي واتهامه لنتنياهو بتحديد صلاحياته ومنعه من شن هجوم واسع على القطاع، كذلك تبعه نفتالي بنيت وزير التعليم الذي طالب بمنحه وزارة الجيش أو انسحاب حزب البيت اليهودي من الحكومة، لكن نتنياهو نجح في رأب الصدع وتجنب الذهاب إلى انتخابات عامة قريبة كانت ستنهي مستقبله السياسي من خلال تقديم مساومات في ملفات أخرى مثل مشروع قانون إعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية وكذلك قانون القومية.

ومن الجدير بالذكر هنا أن القوة الخاصة التي توغلت إلى قطاع غزة كانت تنتمي إلى وحدة «سييرت متكال»، وهي وحدة تابعة لاستخبارات الجيش وتضم عناصر ناطقين باللغة العربية وتقوم بتنفيذ مهمات في عدة بلدان عربية بهدف التجسس ومراقبة الاتصالات وتنفيذ عمليات اغتيال.

وتبدو تصريحات المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال مقتضبة وغير كاشفة للعديد من الأسئلة حول العملية، إلا إن هذه العملية بنتائجها الميدانية تتشابه إلى حد كبير مع عمليات سابقة لجيش الاحتلال نفذها عبر التسلل لقطاع غزة.

فقد تسللت قوة صهيونية عام 2007م داخل الحدود الشرقية لمدينة رفح جنوب قطاع غزة، ونجحت في اختطاف أحد المسؤولين البارزين في كتائب القسام، ويعد أحد المسؤولين عن شبكة الأنفاق التي كانت حركة حماس قد بدأت في إنشائها لتنفيذ هجمات ضد جيش الاحتلال الصهيوني.

واختطفت القوة الصهيونية الخاصة القائد في كتائب القسام، مهاوش القاضي، حيث تسلل أحد أفراد القوة بزي رجل عجوز قطع الشارع خلال مرور سيارة القاضي، وسقط أرضاً ليحاول مساعدته، إلا إن الجندي الصهيوني المتنكر بزي الرجل العجوز باغته بحقنه بمادة مخدرة وتمكن من اختطافه والهروب باتجاه الحدود الشرقية لمدينة رفح.

وقبل عامين، نفذ مسلحون عملية اغتيال لقيادي بارز في المقاومة الفلسطينية، وأحد الأسرى المحررين المبعدين لقطاع غزة، والذي تتهمه الحكومة الصهيونية بالوقوف وراء تشكيل خلايا عسكرية لحركة حماس في الضفة الغربية، من أجل مهاجمة أهداف صهيونية.

وفي التفاصيل، تسلل المسلحون لداخل مرآب السيارة الذي كان يستخدمه مازن فقها، ونجحوا في مباغتته فور دخول المرآب وقتله بعدد من الرصاصات التي أصابته بشكل مباشر، وأعلنت حركة حماس فيما بعد اعتقال خلية فلسطينية قالت إنها مرتبطة بالموساد وأسندت لها مهمة تنفيذ عملية الاغتيال.

ونفذت حركة حماس حكم الإعدام بحق عناصر الخلية الذين اعتقلتهم، فيما لم تعترف الحكومة الصهيونية بشكل رسمي بالوقوف وراء العملية واكتفت بالاحتفاء بقتل القيادي مازن فقها والذي كانت تعتبره أحد أخطر المطلوبين لديها.

وقبل أشهر، استشهد عدد من عناصر المقاومة الفلسطينية خلال محاولتهم فك لغز أجهزة تنصت صهيونية وضعتها قوات خاصة أو عملاء لها، في أحد مقاسم الاتصالات التي تستخدمها الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.

وقالت المقاومة الفلسطينية آنذاك، إن مهندسيها أحبطوا عملية استخباراتية كبيرة كانت تستهدف عناصر المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، من خلال التنصت على أجهزة الاتصالات التابعة للمقاومة الفلسطينية.

وخلال الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة، تسللت قوة صهيونية خاصة لميناء غزة عبر البحر، وتنكرت بزي صيادين فلسطينيين، في محاولة للقيام بعملية أمنية سرية في المنطقة، لكن عناصر من المقاومة الفلسطينية اكتشفت أمر القوة الصهيونية وخاضت اشتباكات معها.

وتمكنت البحرية التابعة لجيش الاحتلال من سحب القوة تحت غطاء ناري كثيف من الطيران، فيما ذكرت مصادر فلسطينية آنذاك أن عدداً من الجنود كادوا أن يقعوا في الأسر خلال هذه العملية.

ويستعين جيش الاحتلال الصهيوني أحياناً بجنود من الطائفة الدرزية والذين يتحدثون العربية بطلاقة، إضافة لملامحهم الشرقية، لتنفيذ هذه المهمات السرية والخاصة والمعقدة، في محاولة لتمويه دخولهم وسط الأحياء التي يسكنها الفلسطينيون خلال عمليات التسلل.

صراع العقول:

تعتمد فصائل المقاومة الفلسطينية منذ بداية تصاعد العمل العسكري المسلح على آليات تنظيمية أكثر حرفية مستقاة من الجيوش النظامية مثل تشكيل وحدات استخبارية مهمتها تتلخص في رصد ومراقبة تحركات العدو الصهيوني ومتابعة العملاء والمتعاونين مع الاحتلال، فعلى سبيل المثال لا الحصر يمتلك الجناح المسلح التابع لحركة حماس جهاز رصد ميداني يضم المئات من العناصر المسلحة التي تنتشر على طول حدود قطاع غزة في نقاط تفتيش ومراقبة مجهزة بمعدات اتصال ورصد حديثة.

كذلك فإن الأجهزة الأمنية تقوم بالاستفادة من العملاء والمتعاونين مع الاحتلال الصهيوني الذين يتم القبض عليهم للتعرف على تحركات العدو الصهيوني داخل القطاع وطبيعة الأهداف التي يقوم برصدها، كما تم تطوير طائرات استطلاع يتم استخدامها في بعض الأحيان لمراقبة الحدود والتحركات الصهيونية في محيطها، وقد ظهرت ثمار ذلك في عملية استهداف حافلة عسكرية صهيونية في قاعدة عسكرية بالقرب من منطقة جباليا شمال قطاع غزة بداية شهر نوفمبر بصاروخ كورنيت موجهة بأشعة الليزر. وقد فسرت العملية على أنها تطور نوعي في أساليب المراقبة والرصد التي تمتلكها المقاومة لاسيما وأنها استطاعت أن ترصد حركة الآليات العسكرية داخل المواقع الصهيونية.

في صيف عام 2005م نفذ الشهيد عمر طبش عملية فدائية استهدفت مكتب الاستخبارات العسكرية الصهيوني التابع لحاجز أبو هولي جنوب قطاع غزة. وبحسب تفاصيل العملية التي نشرتها كتائب القسام في تلك الفترة فإن منفذ العملية استمر لمدة 6 أشهر يراقب ويرصد حركة الموقع العسكري الصهيوني وأعداد الجنود المتواجدين في الموقع ومواعيد الورديات. وكان حاجز أبو هولي بمثابة ممر من الجحيم بالنسبة لسكان القطاع حيث كان يفصل بين جنوب القطاع وشماله ويجبر سائقي السيارات والمارين من خلاله على الدخول إلى ثكنة عسكرية كبيرة لتفتيش السيارات والتحقيق معهم لساعات طويلة، وبحسب إفادة أحد السائقين الذين كانوا داخل الحاجز وقت العملية، فإن المنفذ عمر طبش سلم بطاقة هويته كسائر الموجودين داخل الثكنة العسكرية وعقب خروج ضابط لمناداة أحد الشبان للتحقيق معه، قفز الشهيد عمر وقال: أنا فلان.. ثم دخل مكتب الاستخبارات ولم نرَ بعدها سوى كتلة من اللهب ملأت المكان، بعد الحادث أقر الجيش الصهيوني بمقتل اثنين من كبار ضباط الاستخبارات في الجيش الصهيوني. أطلقت كتائب القسام على العملية اسم «ثقب في القلب» وعقبها أوقف الكيان الصهيوني عمل الحاجز وإذلال المواطنين من خلاله.

في بداية عام 2018م نشرت القناة العاشرة في التلفزيون الصهيوني تفاصيل فضيحة جديدة تتعلق بانتصار المقاومة في حرب صراع العقول وتمكنت كتائب القسام الجناح العسكري لحماس - بحسب الشاباك - من التجسس على عشرات الجنود الصهاينة من خلال اختراق هواتفهم الخلوية، باستخدام حسابات وهمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وعبر استخدام صور وهمية لحسناوات لإغراء جنود الاحتلال.

وكشفت القناة أن المخترقين قاموا بزراعة فيروس حصان طروادة داخل أجهزة عشرات الجنود بعد الإيقاع بهم وإقناعهم بتنزيل تطبيقات خاصة بالمحادثات وتطبيقات أخرى. وقالت القناة إن «قسم السايبر في كتائب القسام ذراع حماس العسكري قام بتصميم تطبيقات وهمية خاصة بالمحادثة عبر الفيديو والماسنجر، وبعد تنزيل هذه التطبيقات يتمكن المخترقون من السيطرة على الجهاز».

وبإمكان هذه التطبيقات السيطرة على هواتف الجنود عن بعد والتنصت على أحاديثهم وتشغيل كاميرات هواتفهم داخل المواقع العسكرية، حيث مكنت الحركة من الحصول على صور من هواتف الجنود خلال قيامهم بأعمال الدوريات على الحدود مع قطاع غزة.