تماشياً مع مساعي رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي بدأتها باستفتاء مايو 2016م للدعوة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي وبعد سنوات من المفاوضات صوت 27 عضواً في الاتحاد الأوربي على اتفاق «بريكيست» القاضي بخروج بريطانيا من الاتحاد، وصدق قادة الاتحاد الأوربي على وثيقتين مهمتين، أولاهما تشمل اتفاق الخروج من الاتحاد وهي تقع في 585 صفحة، وتحدد شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. والثانية تضمنت البيان السياسي الذي يحدد العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوربي بعد الخروج، مثل التبادل التجاري والتعاون الأمني بين الطرفين.

ووصف رئيس المفوضية الأوربية، جون كلود يونكر، قبل الاجتماع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي بأنه «مأساة»، ولكن رئيس الوزراء الأيرلندي، ليو فارادكار، قال إن الاتفاق وفر الشروط «لخروج سلس».

ومن أبرز ما جاء في الاتفاق أن تفي بريطانيا بكل الالتزامات المالية السابقة للدول الأعضاء، بتكلفة قدرها حوالي 60 مليار يورو، وأن تخضع بريطانيا للوائح السوق الأوربية حتى انتهاء الفترة الانتقالية المقررة حتى عام 2020م.

ونص القرار كذلك على حماية حقوق 3 ملايين أوربي يقيمون في المملكة المتحدة، ومليون بريطاني يقيمون في دول الاتحاد الأوربي.

وهناك قضايا مهمة لا تزال مكتوبة بالحبر السري في الاتفاق وفقاً لوصف صحيفة الغارديان، أولها كيفية التعاطي مع الحدود الأيرلندية التي تمثل عقبة أمام الاتفاق، فعلى بريطانيا وضع حدود جمركية بينها وبين أيرلندا في حال أرادت الخروج من الاتحاد الأوربي، بالإضافة إلى الالتزام باللوائح الصادرة عن محكمة العدل الأوربية ومستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الجمركي.

من المقرر التصويت على الاتفاق في مجلس العموم البريطاني في 10 ديسمبر المقبل. خلال المدة المتبقية ستحاول رئيسة الوزراء تيريزا ماي حشد كل طاقتها للحصول على أغلبية مجلس النواب البالغة 320 صوتاً لتمرير الاتفاق الذي ترفضه أغلبية أعضاء مجلس العموم باستثناء حلفائها في حزب المحافظين وهم 244 نائباً. لكن وفقاً لمقال نشره ماثيو دانكونا في صحيفة الغارديان فإن رئيسة الوزراء ستستخدم كل تكتيك لابتزاز النواب والحصول على الأغلبية حتى لو اضطرت لتهديدهم عبر وسطاء. لذلك أمام تيريزا ماي خياران أولهما تمرير الاتفاق، أو فشله وبالتالي انهيار حكومتها بالكامل وفقاً لتوقع وزير الخارجية جيرمي هانت. 

في أزمة جبل طارق الذي تنازعت عليه بريطانيا وإسبانيا وقف الاتحاد الأوربي مع إسبانيا، وتعقيباً على ذلك قال رئيس اللجنة الأوربية، جان كلود يونكر: «لقد كان هناك سبب  بسيط للموقف الأوربي وهو أن إسبانيا مع الاتحاد الأوربي». لذلك تطرح صحيفة الغارديان تساؤلاً حول هذا الملف قائلة: «كيف ستتحرك المملكة المتحدة عندما تذهب منفردة في المفاوضات مع الولايات المتحدة والصين وغيرها بدون قوة الاتحاد الأوربي؟!».

على خلاف الخطاب اليميني الشعبوي البريطاني الذي تسبب بتنظيم استفتاء مايو 2016م وأسفر عن دعم مقترح رئيسة الوزراء المحافظة تريزا ماي لتوقيع اتفاق الخروج من الاتحاد الأوربي بسبب زيادة الضغط الاقتصادي على الاتحاد بعد أزمات اليونان وإسبانيا والبرتغال وأزمة الهجرة التي انعكست تأثيراتها على جميع دول الاتحاد، فإن بريطانيا لعبت دوراً مهماً في قيادة الاتحاد الأوربي منذ نهاية الحرب الباردة كونها بالنسبة لبعض الدول التي خرجت من تحت الوصاية السوفيتية مثلت نموذجاً ناجحاً لتعزيز الهوية الرأسمالية للمجتمعات الغربية والحفاظ على التقاليد البرلمانية وتقديم الخدمات العامة للمواطنين، كذلك لعبت دوراً في توسيع الاتحاد، وجعله جسراً للتواصل بين الولايات المتحدة والأوربيين وتعزيز دور حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومثل الاتحاد كذلك أداة توازن في العلاقات بين فرنسا وألمانيا بعد عقود من النزاعات.

غياب بريطانيا عن لعب دور قيادي في الاتحاد الأوربي سيضع ألمانيا في وجه المدفع لتحمل مسؤولية كبيرة بشأن أزمات أوربا المتصاعدة وأبرزها اليمين الشعبوي المناهض للاتحاد وكذلك إيطاليا المتمردة عن سياسيات بروكسيل، بالإضافة إلى ملفات الإقراض والديون المتراكمة على الدول الأعضاء التي تعاني من أزمات اقتصادية، والهجرة المطردة إلى جنوب أوربا. وسيكون أيضاً على ألمانيا أن تكون وحيدة في مواجهة طموحات الرئيس الفرنسي ماكرون الذي دعا مؤخراً لإنشاء جيش أوربي يحل محل حلف الناتو في محاولة للعب دور قيادي على مستوى الاتحاد وتصديره نفسه كبطل من أبطال أوربا التقدمية. وبهذه الصورة على ألمانيا أن تختار ما بين المواجهة أو الانسحاب وبالتالي تفتح الطريق أمام غيرها من الأعضاء لتكون تلك الخطوة إشارة تفكك للاتحاد الأوربي.

إن الانسحاب البريطاني يمثل إضعافاً للقوة الأوربية وهذا الأمر يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعب دور أكبر لتمزيق الاتحاد الأوربي وتفكيك مسلسل الديمقراطية الأوربية، وكذلك سيمنح الأمر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قوة أكبر للضغط على الأوربيين واللعب على وتر الفوضى الموجودة داخل الاتحاد فهناك الكثير من القضايا العالقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي منها الاتفاق النووي مع إيران وموازنة حلف الناتو.