بعد مرور عام كامل على إصدار قرار يقضي بمنع ارتداء النقاب في المؤسسات التربوية، عممت الحكومة الجزائرية وبصفة نهائية قرار منعه في أماكن العمل في كل المؤسسات الحكومية والرسمية في البلاد، وشرعت مؤخراً في ملاحقة المنتقبات في الإدارات العمومية وفي المؤسسات التربوية.

ففي 22 سبتمبر 2017م نقل برلماني في الجزائر، مسعود العمراوي، وجود مشروع قرار لوزارة التربية الوطنية في البلاد ينص في مادتين تضمنهما على منع أي لباس لا يكشف عن هوية مرتديه في المدارس، مما يحيل بشكل غير مباشر على النقاب الإسلامي الذي يعد أكثر الألبسة التي تخفي الهوية شيوعاً في البلاد.

وبالفعل وقع ما كان في الحسبان، ففي 8 سبتمبر 2018م فاجأت وزيرة التربية المثيرة للجدل، نورية بن غبريت، مستخدمي القطاع بالإعلان عن قرار منع ارتداء النقاب في كل المؤسسات التعليمية في البلاد.

هذا القرار الذي جاء بمباركة من وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، الذي كشف في تصريح صحافي، أنه يجب أن تكون هوية الموظف داخل قطاع التربية وداخل المؤسسة واضحة، فقد حول المدرسة الجزائرية إلى ميدان صراع حول الهوية وأدخلها في دوامة صراعات جديدة بين أنصار التيار السلفي الذين لم يترددوا يوماً في توجيه تهم للوزيرة المسؤولة عن القطاع تقضي بمحاربة القيم الروحية والإسلامية.

وبعد شهر تقريباً أصدرت المديرية العامة للوظيفة العمومية بياناً تعلن فيه منع ارتداء النقاب بصفة نهائية في أماكن العمل، وطالبت الهيئات المعنية بضرورة تطبيق هذا القرار والالتزام به.

وجاء في رسالة بعثت بها إلى الوزراء والولاة بتاريخ 8 أكتوبر الماضي: «إن الموظفين ملزمون باحترام قواعد ومقتضيات الأمن والاتصال على مستوى مصالحهم، والتي تستوجب تحديد هويتهم بصفة آلية ودائمة خاصة في أماكن عملهم».

وشددت الرسالة التي تحمل عنوان «واجبات الموظفين في مجال اللباس» على التقيد الصارم بالتعليمة ومنع كل لباس يعرقل ممارستهم لمهام المرفق العام لاسيما النقاب الذي يمنع ارتداؤه.

المؤسسة الدينية الرسمية دعمت القرار:

حظي هذا القرار بدعم كبير من وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في البلاد، وبرر وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، خيار دعم المؤسسات الدينية الرسمية لهذا القرار، قائلاً في تصريحات صحافية منذ يومين، إنه «يجب أن تكون هوية الموظف داخل العمل واضحة». واستدل الوزير بقطاع التربية موضحاً: «لا نستطيع تسيير عملية التعليم والتعلم بدون أن يرى التلميذ وجه أستاذته، وينطبق هذا القول أيضاً على الرجال فيجب أن يكون لباسهم محترماً ويجب عليهم ارتداء لباس لائق ومحترم».

ولم يمر القرار مرور الكرام على الجزائريين برغم تزامنه مع أحداث جد مهمة تشهدها الساحة السياسية أبرزها الأزمة التي يشهدها البرلمان الجزائري وإحالة خمسة جنرالات في الجيش إلى القضاء العسكري بتهم الثراء الفاحش والفساد المالي، وأثار ردود فعل منددة ومنتقدة وتساؤلات عن خلفياته ودواعيه. 

محاولة لاستهداف كل ما له علاقة بالدين والهوية:

يعتقد القيادي في حركة مجتمع السلم الجزائرية، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، ناصر حمدادوش، أن هناك إصراراً من بعض المسؤولين على استهداف كل ما له علاقة بالدين والهوية، ما يجعل هذه التعليمة تمييزية بين المواطنين وهي سياسية وأيدلوجية أكثر منها قانونية أو إدارية.

ويقول المتحدث في تصريح لمجلة «البيان» إن التعليمة الصادرة عن المديرية العامة للوظيفة العمومية هي «تعليمة غير قانونية وغير دستورية، ولا ترقى في الدرجة القانونية إلى مصادمة مواد قانونية أو دستورية، وهي قضية جزئية مختلف فيها لولا أنها تندرج ضمن مسلسل لاستهداف كل ما له علاقة بالدين والهوية».

ويضيف ناصر حمدادوش أن «النقاب ظاهرة محدودة جداً في المجتمع عموماً وفي الوسط العمالي خصوصاً لا تستحق كل هذا التهويل والتركيز»، ويشير إلى أن منعه اعتداء على حقوق وحرية المرأة في اللباس، وسيفتح الباب واسعاً للصراع الأيدلوجي والصراع الديني الذي يمس السكينة والاستقرار».

ويرى القيادي في حركة مجتمع السلم الجزائرية، أنه كان من المفترض إصدار تعليمات من أجل الاحتشام والحياء والآداب العامة، وتساءل عن مصير البيئات الجزائرية المحافظة مثل الصحراء، عندما يغطي الرجل وجهه، فليست المرأة هي المعنية الوحيدة بهذا القرار، ويقول إن هذا اللباس كان موجوداً بشكل آخر وهو «الحايك» و«العجار»، والأولى بالمحاربة الألبسة الفاضحة وغير المحترمة المستوردة من الغرب للرجال والنساء.

اقتداء بالغرب:

ويقول في الموضوع النائب عن الاتحاد الإسلامي من أجل النهضة والعدالة والبناء بالبرلمان، مسعود العمراوي، في تصريح لمجلة «البيان» إن التعليمة التي أصدرتها المديرية العامة للوظيفة العمومية هي اقتداء بفرنسا لأن البرلمان الفرنسي صادق على منع النقاب العام الماضي، حيث عرف الملف غلياناً كبيراً، أما عن توقيته فيرى مسعود العمراوي أن الهدف من إصدار هذه التعليمة في الظرف الراهن هو الإلهاء عن أكبر القضايا التي تشغل بال المجتمع الجزائري لأنه لا يوجد أصلاً منتقبات داخل المؤسسات العمومية وإن وجدن فعددهن لا يتجاوز رؤوس الأصابع على المستوى الوطني.

ويرى المتحدث أنه كان الأجدر الاهتمام بقضايا المرأة الحقيقية كتحسين راتبها وظروفها المعيشية، وتمديد عطلة الأمومة على غرار ما قامت به بعض الدول، ناهيك عن ملف التحرش بها وممارسة الضغوط عليها في أماكن العمل، وغيرها من الملفات التي تهم المرأة، فالحجاب والخمار يدخلان ضمن الحريات الشخصية.

التصريح ذاته أدلى به القيادي في حركة النهضة الجزائرية، يوسف خبابة، وقال في تصريح لمجلة «البيان» إن هذا الموضوع للاستهلاك والتغطية على ملفات ثقيلة وبالتالي يقول خبابة إن «من حدث الناس عن حرمة الربا في ظرف تفشى فيه القتل فقد خان».

ما دواعي الصبغة المتشددة في المنع:

من جهتها تساءلت جمعية علماء المسلمين الجزائريين عن أسباب إثارة هذا الموضوع في هذا التوقيت تحديداً، وقالت إنه «لو جرى عد المنتقبات في المرفق العام وأماكن العمل، كما جاء في التعبير المستخدم، لوجدناه ضئيلاً محدوداً».

وقالت الجمعية في منشور لها على صفحتها الرسمية في فيسبوك: «لو احتسبنا أعداد المنتقبات في المرفق العام وأماكن العمل، كما جاء في التعبير المستخدم، لوجدناه ضئيلاً ومحدوداً»، وأضافت: «إذن ما الداعي إلى إثارة الموضوع، وفي هذا الوقت بالضبط؟ ومتى كان النقاب في بلدنا مشكلة من أي نوع كان.. مهنية، اجتماعية، ثقافية حتى يطرح بهذا الشكل ذي الصبغة المتشددة في المنع؟».

وترى الجمعية أن المشاكل الحقيقية التي تواجه المرأة الجزائرية هي التحرش الجنسي والمساومات والمضايقات من كل نوع، والأجور الزهيدة لآلاف النسوة العاملات، بالإضافة إلى معاناة المرأة في الأرياف والبوادي والقرى النائية، مضيفة أن «المجتمع بكل ميادينه وساحاته عامر بالمنتقبات والمحجبات والمتجلببات.. فهل ثمة ما يثير غيظ البعض؟!».

 جدل الأمن:  

من جهته يقول الأكاديمي والباحث والمحلل السياسي محمد أرزقي فراد، في تصريح لمجلة «البيان» أنا أحترم حق الاختلاف لكن يخطئ من ينمط الإسلام في عادات أعراب الجزيرة العربية، لدينا في الجزائر أنواع كثيرة من الحجاب الشرعي، وأقصد هنا اللباس التقليدي الجزائري كالقبائلي،  والشاوي، والعاصمي، والصحراوي، والوهراني، فلماذا يريد البعض تجاوز اللباس الجزائري الشرعي لاستيراد لباس غير المحلي، أنا أحترم البرقع في موطنه الأصلي، ولست مستعداً مثلاً لتجاوز الحجاب الجزائري المتنوع».

ومن جهتها ترى الناشطة المدنية نورية حفصي، رئيسة اتحاد النساء الجزائريات، أن قرار منع النقاب ينظر إليه من عدة جوانب، وأرجعت أسباب حظره لأسباب أمنية بحتة، ولا علاقة له إطلاقاً بموقف يتعارض مع قناعات الأشخاص، واستدلت المتحدثة مثلاً بإمكانية استغلاله من طرف جماعات إرهابية للقيام بأعمال إرهابية مثلاً.