قال يونس بن عبيد: «لا تجد من البر شيئاً واحداً يتْبعُه البر كله غير اللسان، فإنك تجد الرجل يكثر الصيام ويفطر على الحرام، ويقوم الليل ويشهد بالزور بالنهار... [وذكر أشياء نحو هذا] ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق؛ فيخالف ذلك عمله أبداً»[1].

ويونس بن عبيد من صغار التابعين وفضلائهم، وثقّه أئمةُ الحديث كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وقال عنه الذهبي: الإمام القدوة[2]. وكما أنَّ سيرته كانت جديرة بهذا الوصف فإنَّ أقواله لا تقل جمالاً وجلالاً، فهي تمثل خلاصة خبرته بالشريعة وطريقتها في تزكية النفوس والمجتمعات، ومنها هذه الجملة التي لخصت ما فهمه عن تأثير اللسان في استقامة الإنسان، ومثلها قوله: «ما رأيتُ أحداً لسانُه منه على بالٍ إلا رأيتُ ذلك صلاحاً في سائر عمله»[3].

ومفاد هاتين الجملتين من كلامه رحمه الله أنَّ استقامة اللسان هي العمل الصالح الوحيد الذي إذا تحقق في إنسان فإنه حتماً تصلح سائر أعماله وتنتظم في مفهوم البر. وهذا لا يكون مزية إلا في استقامة اللسان، ولا يكون مزية لغيره من الأعمال الصالحة ولو بلغت الذروة في الفضل، ويصدقه قول رسولنا صلى الله عليه وسلم  في ما رواه عنه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «إذا أصبح ابن آدم فإنَّ أعضاءه تُكفِّر اللسان؛ تقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا»[4].

إذن، نحن بصدد عملٍ ترتبط به سائر الأعمال، وتتعلق به جميع الجوارح والأعضاء، فهي تبع له، وصلاحها وفسادها منوط به، وهذا أمرٌ يدعو إلى التفكر جيداً في العناية الشرعية باستقامة اللسان وضبطه والاهتمام به، إذ يتبين لك من قراءة الحديث السابق أنَّ استقامة الجوارح والأعضاء لا تكون ما دام اللسان يتفلت في المحاذير والمكاره.

وأعظم من هذا استقامة القلب! فإنَّ الشريعة أناطت استقامة القلب باستقامة اللسان، وجعلتهما قرينين متلازمين، كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  في ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»[5].

وهذه الخلاصة المفاهيمية نطق بها غير واحد من السلف الصالح، قال الحسن البصري: «اللسان أميرُ البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئاً جنت، وإذا عفَّ عفت». وقال يحيى بن أبي كثير: «ما صلح منطقُ رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلا عرفت ذلك في سائر عمله»[6].

ضبط اللسان:

استقامة القلب والجوارح هي مقصد التربية الإسلامية، وهي معنى أن يكون الإنسان صالحاً، ومن معانيها أيضاً أن يكون الإنسان رقيباً على نفسه مجاهداً إياها في تلمس مراضي الرب وتجنب مساخطه.

وهذا المعنى يكون بأمورٍ، من أهمها وأعلاها: التربية على ضبط اللسان، أي التربية على أنْ يكوِّن المؤمن رقابة ذاتية على كلماته وأحاديثه، فلا ينطق إلا بالحق وبما يرضي الله، ولا يقول ما يسخط الله ولا ما لا يرجو به ثواب الله.

ضبط اللسان هو من أصعب الأعمال التي تأخذ حيزاً كبيراً من المجاهدة والمصابرة بغرض الوصول إلى تحقيقه في النفس، قال الفضيل بن عياض: «ما حجٌّ ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان»[7]. وعليه فإنه يستحق أنْ نمنحه أولوية عليا في المهام التربوية.

ومن ضبط اللسان: كفه عن القول الحرام، وهذا أول واجب في ضبطه، إذ لا يصح من المسلم أنْ يعتاد لسانه الغيبة أو البهتان أو النميمة أو الكذب أو السخرية أو المجون أو ما فيه دلالة على معصية. وهذه أمور ظاهرٌ تحريمها، وهي مما يتوجب في الماجريات التربوية أنْ يستوقف المعلم طلابه عند الولوغ فيها. إنها من آكد المفاهيم التربوية، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم ، عن عائشة رضي الله عنها قالت:  قلت للنبي: «حسبك من صفية كذا وكذا»، تعني قصيرة، فقال: «لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته»[8]. مثل هذه الكلمات تستوجب التوقف حال سماعها، وتنبيه قائلها على خطورة ما يقارفه. والله يعفو عنا وعنكم.

ومن ضبط اللسان: الامتناع عن فضول الكلام، وهو ما ليس له داعٍ، وقد نهى عنه ابن مسعود رضي الله عنه وقال: «حسب امرئ ما بلغ حاجته». أما النخعي فيرى ذلك مُهلكاً للناس، فقال: «يهلك الناس في فضول المال والكلام»، هذا هو فهم السلف الصالح رحمهم الله في مسألة فضول الكلام، فلا غرو أن يمسك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لسانه ويقول: «هذا أوردني الموارد»[9] أي المهالك.

ومن فضول الكلام: الحديث في ما لا يعنيك، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم  ذلك نقصاً في إسلام العبد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[10]. قال ابن رجب: «وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام»[11].

وقد تفشى في هذا الزمن الكلام في ما لا يعني، ذلك أنَّ وسائل الاتصال بلغت الذروة في سرعة نقل الأخبار والمعلومات وكثرتها وتنوعها، وحينما ينغمر العقل بكل معطيات هذه الأخبار والمعلومات فإن اللسان يصعب عليه ألا يخوض فيها بإيراد المعلومات أو معالجتها.

وفي حقيقة الأمر إن ما لا يعني يشمل كثيراً من حديث الناس، الذي يتسامرون به في المجالس، ويناقشونه في المنتديات من أخبار الساسة إلى أخبار السوق، ومن أخبار الوظائف والأعمال إلى أخبار البيوت والمجتمع؛ ما كان زائداً عن قدر الحاجة.

قال ابن الجوزي: «لقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمرُّ به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلمتُ أنَّ الله تعالى لم يُطْلِع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك، وما يلقّاها إلا ذو حظ عظيم»[12].

إننا ونحن في خضم هذه المعطيات بحاجة إلى تربية تؤكد على عبودية ضبط اللسان، لأنه يرقق القلب وينمي خوف الله ومراقبته ويحفظ كفة الحسنات من النقصان ويزيد في العقل والتفكر ويجمِّل الأخلاق. أفلا يستحق شيء كهذا أن تكون له أولوية عليا في التربية الإسلامية؟ ألا يمثل هذا شطر صفات المسلم الحقيقي؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»[13].

خمرة الأحداث العامة:

قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «ما الخمر صِرفاً بأذهب لعقول الرجال من الفتن»[14].

إنها الفتن التي تتعلق بعموم الناس والمجتمعات، والتي ينتج عنها اقتتال وعداوات بين المسلمين والتي جاءت النصوص الشريفة بالحذر من الولوغ فيها.

تقوم الألسن بالتهييج والإقناع من خلال الحديث التحليلي والتقييمي لأطراف الفتنة، هذا على مستوى المجالس واللقاءات. أما على مستوى القنوات وشبكات التواصل فتقوم الألسن بدور التلاعب بالعقول من خلال «منتجة» الأحاديث والأقاويل فتصيِّر الحق باطلاً والباطل حقاً، ويقع المتابع فريسة للغمر الإدراكي الذي يستهدف عقله؛ كالخمرة، فيصطف مع إحدى الطائفتين.

إنَّ مما ينبغي الاعتناء به في تربية الشباب أنْ يتعودوا على سلوك الصمت حال الفتنة، وحال التباس الحق بالباطل، لأنها مواطن الخصومات وهدر المال والدم، حتى لا يعلق في ذممهم شيء من هذه الخصومات الضبابية. كيف وقد ذم الله العجلين في هذه المضايق فقال: {وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْـخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، وكما ترى فإنَّ القرآن هنا يبرز أهمية جانبي العلم والعقل معاً، وذلك بالرجوع إلى من يملكهما وهم أهل العلم والمعرفة، وإلا فإن خمرة التناول اللساني للأحداث العامة ستورث الهلكة بين الناس، وهذا يعني - بالتأكيد - الصمت إلى حين تبيُّن الحق الناصع من الباطل الناصع. وبعد ذلك يتخذ الفرد موقفه الشرعي.

وبعد، فإنَّ من أهم مخرجات التربية الإسلامية: شاب طويل الصمت، كافٌّ لسانه عن قولة الحرام، متورع عن الحديث وقت الفتن، ولا يتكلم إلا بما يعنيه ويفيده، وإنَّ هذا السلوك الصالح سيورثه صلاحاً في سائر أعماله وجوارحه، بل وصلاحاً ورقة في قلبه. فاللهم سدد ألسنتنا.


 


[1] سير أعلام النبلاء 6/291.

[2] سير أعلام النبلاء 6/288.

[3] جامع العلوم والحكم 2/146.

[4] أخرجه أحمد في المسند 5/283،  ترتيب الشامي، ح7840.

[5] أخرجه أحمد في المسند 1/46، ترتيب الشامي، ح12.

[6] جامع العلوم والحكم 2/146.

[7] جامع العلوم والحكم 1/341.

[8] أخرجه أبو داود 4/269 كتاب الأدب، باب في الغيبة، ح4875.

[9] جامع العلوم والحكم 1/339.

[10] أخرجه الترمذي 4/558، كتاب الزهد، ح2317.

[11] جامع العلوم والحكم 1/290.

[12] صيد الخاطر، ص305.

[13] أخرجه البخاري 1/20، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ح10.

[14] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 7/475، كتاب الفتن، باب من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها، رقم (37334).