الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه، وبعدُ:

كانتِ الكنيسةُ الأرثوذكسيةُ قد ضربتْ بأطنابِها في منطقةِ البلقانِ، لاسيما صربيا. وبعد معاهدةِ بوخارست التي وُقعتْ عامَ 1913م وانتهتْ بها حقبةٌ من الصراعِ في دولِ البلقانِ اتسعتْ رقعةُ صربيا وأصبحتْ عمقاً مهماً لأولئك الأرثوذكسِ الذين كانوا خاضعين للنمسا الكاثوليكيةِ. هنا اتفق الفاتيكان وآل هابسبورغ في النمسا على أن صربيا هي العدوُ الذي ينبغي إسقاطُه.

يقولُ موريس بيرنو: «كان ثمةَ توافقٌ مدهشٌ بين سياسةِ فيينا وسياسةِ روما»[1].

ليس هذا التعليلُ لاستهدافِ صربيا الأرثوذكسيةِ مبالغةً في التحليلِ العقديِّ لأحداثِ الحربِ العالميةِ الأولى، فهو موثقٌ في الأرشيفِ النمساويِّ. فقد جاءَ في تقريرٍ حولَ خطاباتِ الأميرِ شونبيرغ التي ألقاها في الفاتيكان بين أكتوبر ونوفمبر 1913م ما نصُّه: «في أثناءِ لقائي ذلك اليومَ بقداستِه... أبدى ملاحظاتٍ نوعيةً قائلاً: كان من الأفضلِ لو أن النمسا/ المجر عاقبتْ الصربَ على كلِّ ما ارتكبوا من أخطاء»[2].

يعلق «بيير دومينيك» على الوضعِ قائلاً: «أما بالنسبةِ لروما، فقد أصبحتْ القضيةُ ذاتَ أهميةٍ دينيةٍ؛ فانتصارُ الملكيةِ الرسوليةِ على القيصريةِ يمكن أن يعدَّ انتصاراً لروما على الكنيسةِ الشرقيةِ المنشقةِ»[3].

وفي الثامنِ والعشرين من يونيو عامَ 1914م قُتل الأرشدوقُ النمساويُّ فرنسوا فرديناند في سراييفو. لم يكن القاتلُ «جافريلو برنسيب» ذا علاقةٍ بالحكومةٍ الصربيةٍ، لكن مقتلَ الأرشدوقِ على الأراضي الصربيةِ كان الذريعةَ المناسبةَ لأخذِ موقفٍ عدائيٍّ من صربيا الأرثوذكسيةِ.

يعلقُ «كارلو سفورزا»، الذي أصبحَ فيما بعد وزيرَ خارجيةِ إيطاليا، على هذا التوجهِ العدائيِّ من قبلِ الكنيسةِ بقولِه: «لأحدٍ أن يسألَ نفسَه: لمَ تتبنى الكنيسةُ الكاثوليكيةُ مثلَ هذا الموقفِ المولعِ بالحربِ؟ والإجابةُ يسيرةٌ جداً: إن البابا ورجالَه يرون في صربيا داءً فتاكاً استطاع شيئاً فشيئاً أن يخترقَ إلى نخاعِ المَلكيةِ، وسينتهي بدورِه إلى تفكيكِها... إن النمسا/ المجر ستبقى الدولةَ الكاثوليكيةَ بلا منازعٍ، وسندَ الدينِ الأقوى الذي تبَقَّى للكنيسةِ»[4].


 


 [1] Edmond Paris. The Vatican against Europe (London: The Wickliffe Press, 1961), p. 33.

 [2] The Secret History of the Jesuits, p. 165.

[3] Pierre Dominique. La Politique des Jesuites (Paris: Grasset, 1955), pp. 245-250.

 [4] The Vatican against Europe, p. 14.