الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه، وبعدُ:

استضافتْ فرنسا مراسمَ الاحتفالِ بمناسبةِ مرورِ مئةِ عامٍ على نهايةِ الحربِ العالميةِ الأولى وكان اللافتَ للنظرِ تخلفُ الرئيسِ الأمريكيِّ وعدمُ حضورِه المراسمَ بأعذارٍ واهيةٍ ومتغيرةٍ، من المطرِ إلى التحرزاتِ الأمنيةِ، والحقيقةُ أن الغيابَ الأمريكيَّ يعكسُ واقعَ التوترِ الذي يخيمُ على الساحةِ الدوليةِ مع انتهاءِ مرحلةِ القطبِ الواحدِ القصيرةِ وبدءِ تشكيلِ خريطةٍ جديدةٍ للقوى العالميةِ التي تتشكلُ وفقَ المعطياتِ الجديدةِ التي تفرضُ على كلِّ الدولِ الناهضةِ إعادةَ النظرِ في الحلفاءِ والأعداءِ والشركاءِ، فأمريكا التي تحاولُ تثبيتَ سيطرتِها على العالمِ بدأتْ حملةً تطالبُ فيها الدولَ الحليفةَ بتحملِ تكاليفِ الحمايةِ الأمريكيةِ، وكأن أمريكا تريدُ من الدولِ تحملَ كلفةِ الوجودِ العسكريِّ الأمريكيِّ فيها أو بجوارِها، وطُلبَ ذلك من اليابانِ وكوريا الجنوبيةِ ودولِ الخليجِ وحتى دولِ حلفِ الناتو وخاصةً ألمانيا، وكان الردَّ الأبرزَ هو التقاربُ الكوريُّ الشماليُّ والجنوبيُّ ومطالبةُ الرئيسِ الفرنسيِّ ماكرون أثناءَ الاحتفالِ بتشكيلِ جيشٍ أوربيٍّ مشتركٍ، ما أثارَ حفيظةَ أمريكا، وذكّرَ ترمبْ ماكرون بأن أمريكا هي التي حمتْ فرنسا أثناءَ الحربِ من ألمانيا وأنها مدينةٌ لها ببقائها، وكان ردُّ ماكرون صاعقاً بأن ذكّر أمريكا بدعمِ فرنسا في حربِ الاستقلالِ الأمريكيةِ وأنها مدينةٌ لفرنسا بوجودِها وتحررِها من الاحتلالِ الإنجليزيِّ، إنها رسالةٌ بأن التحالفاتِ لا تدومُ كما أن العداواتِ لا تستمرُ، فالمستشارةُ الألمانيةُ تؤيدُ بثباتٍ الرئيسَ الفرنسيَّ الذي ردَّ على سؤالٍ حولَ وظيفةِ الجيشِ الأوربيِّ فأجابَ: «حمايةُ أوربا من روسيا والصينِ وأمريكا!». نعم لقد وُضعتْ أمريكا لأولِ مرةٍ في خانةِ العدوِّ المحتملِ وبالطبعِ لا يمكنُ تصورُ إمكانِ تكوينِ هذا الجيشِ في المستقبلِ القريبِ، ولكنْ من الواضحِ أن التحالفَ الألمانيَّ الفرنسيَّ يتقوى وسيحاولُ تجميعَ بقيةِ أوربا تحتَ مظلةِ الاتحادِ الأوربيِّ الذي يتوقعُ له أن يشهدَ تغيراتٍ بنيويةٍ مع الخروجِ الإنجليزيِّ المريبِ، بحيث تتمُ تقويةُ وإبرازُ الجانبِ السياسيِّ للاتحادِ وهو التحدي الأكبرُ للفرنسيين والألمانِ، حيث يُتوقعُ أن تقومَ أمريكا وبريطانيا بتكثيفِ العملِ في دولِ وسطِ وشرقِ أوربا ودفعِ الأوضاعِ للتأزمِ مع روسيا، فشعارُ الحمايةِ لا يعملُ بدونِ وجودِ تهديدٍ، ولذا نلاحظُ تسخيناً عسكرياً مفاجئاً استُعملتْ فيه أوكرانيا بحيث تعودُ أمريكا للدخولِ عبرَ حلفِ الناتو المشرفِ على الموتِ وافتعالِ صراعٍ مع روسيا بدعوى حمايةِ أوكرانيا وحقِّها في استخدامِ المضائقِ في البحرِ الأسودِ وبحرِ آزوف. من المثيرِ للانتباهِ أننا نعيشُ فترةً تشبهُ ما كانت عليه الأوضاعُ قبيلَ الحربِ العالميةِ الأولى، فقد شهدَ القرنُ التاسع عشرَ وأوائلُ القرنِ العشرين مرحلةَ تنافسٍ استعماريٍّ شرسٍ للسيطرِة على الأممِ والشعوبِ الأضعفِ ومحوِ هويتِها ونهبِ خيراتِها، وكان النصيبُ الأكبرُ من المستعمراتِ لبريطانيا وفرنسا اللتين قامتا برسمِ حدودِ تمددِ كلٍّ منهما لمنعِ الصدامِ، وقامتا باحتلالِ العاصمةِ الصينيةِ بكينَ في ما يسمى بحربِ الأفيونِ، وتمَّ منحُ بعضِ الدولِ الأوربيةِ الأخرى بعضَ الترضياتِ فسُمحِ لإيطاليا بالتمددِ في الحبشةِ وإريتريا وجزءٍ من الصومالِ وليبيا، وأما إسبانيا فمُنحتْ حريةَ التمددِ في المغربِ تعويضاً لها عن مستعمراتِها في البحرِ الكاريبيِّ والفليبين حيث ابتلعتهما أمريكا، ولكن المعضلةَ الكبرى هي توحدُ ألمانيا وصعودُها السريعُ بدونِ مستعمراتٍ تليقُ بمكانتِها وعظمتِها، وكذلك روسيا القيصريةُ التي تتضاعفُ قوتُها باطرادٍ وتتمددُ بسرعةٍ نحوَ الجنوبِ والشرقِ في مشروعٍ إستراتيجيٍّ للوصولِ إلى البحارِ الدافئةِ، مما يؤذنُ بصراعٍ مستقبليٍّ مع الإنجليزِ في الهندِ فلم تبقَ سوى أفغانستانُ كمنطقةٍ عازلةٍ بينهما، وأدى التنافسُ الشديدُ عليها إلى فشلِ كلٍّ منهما في السيطرةِ عليها، وفي الوسطِ توجدُ الدولةُ العثمانيةُ التي برغم قوتِها العسكريةِ فإنها محاصرةٌ بالأعداءِ وتحاولُ البقاءَ أمامَ مدٍّ طاغٍ من هوسِ التوسعِ الاستعماريٍّ وتعملُ جاهدةً لمنعِ اتفاقِهم عليها. لقد فرضَ جوُّ التنافسِ المرضيِّ للسيطرةِ والتوسعِ بروزَ ظاهرةٍ تُشكلُّ سلسلةً متغيرةً من التحالفاتِ المعلنةِ والسريةِ، وكان همُّ بريطانيا وفرنسا هو محاولةَ تحجيمِ ألمانيا وروسيا ومنعَ تمددِهما في المناطقِ التي تُسلخُ من الدولةِ العثمانيةِ، وكانت حربُ البلقانِ الأخيرةُ خاتمةَ المطافِ في مسلسلِ من الحروبِ والثوراتِ المدعومةِ بل والمدبرةِ من القوى الاستعماريةِ، وتمَّ من خلالِها سلخُ صربيا والبوسنةِ وألبانيا وبلغاريا واليونانِ على مدى أكثرَ من نصفِ قرنٍ وعلى عدةِ مراحلَ، وبقيتْ خلافاتٌ حولَ تقاسمِ الغنائمِ، والذي حصلَ أن الذي أشعلَ النارَ احترقَ بها! ففي حادثةٍ من الواضحِ أنها مقصودةٌ تمّ دفعُ متطرفٍ صربيٍّ لاغتيالِ وليِّ عهدِ النمسا في مدينةِ سراييفو عاصمةِ البوسنةِ التي تحتلُها النمسا، وتمَّ القبضُ على القاتلِ لكنَّ المخططَ الحقيقيَّ بقي مجهولاً،  ولكن كما هو متوقعٌ تمَّ اتهامُ صربيا وأعلنتْ النمسا الحربَ على صربيا واحتلتْها، وهنا تمَّ جرُّ الروسِ للحربِ لوجودِ اتفاقاتِ حمايةٍ سريةٍ، ومع دخولِ الجيشِ الروسيِّ وتضعضعِ الجيشِ النمساويِّ اضطرتْ ألمانيا لإعلانِ الحربِ على روسيا، وإلى هنا كانتْ الأحداثُ كما يريدُ الإنجليزُ ولكن الفرنسيين ينظرون برعبٍ إلى احتمالٍ هزيمةِ روسيا وتفردِ ألمانيا بهم، ولذا فَعَّلوا اتفاقاتٍ سريةً مع روسيا وأعلنوا الحربَ على ألمانيا، وبُعيدَ ذلك بقليلٍ سُحبتْ رِجلُ إنجلترا للحربِ بدعوى انتهاكِ ألمانيا لحيادِ بلجيكا، وتتابعتْ الدولُ في الدخولِ بالحربِ اضطراراً أو طمعاً بمكاسبَ متوقعةٍ، وفي النهايةِ تمَّ استكمالُ ما بدأته الثورةُ الفرنسيةُ التي ترفعُ شعارَ الماسونيةِ وتمتْ تصفيةُ الإمبراطورياتِ الأوربيةِ في ألمانيا والنمسا وروسيا، وأتبعتْ بإسقاطِ الخلافةِ العثمانيةِ ومن الغرائب أنه أثناء الحربِ قامتْ المخابراتُ الألمانيةُ بدعمِ الثورةِ البلشفيةِ في روسيا بهدفِ إخراجِ الروسِ من الحربِ، وتمَّ لهم ذلك ووصلَ إلى السلطةِ في روسيا نظامٌ شيوعيٌّ جديدٌ أغلبُ زعمائه يهودٌ، ومنهم ماركس ولينين وتروتسكي، ومن الغريبِ أن اليهودَ كانت وما زالت لهم بصمةٌ واضحةٌ في النظامِ الجديدِ في روسيا. وكانت آثارُ الحربِ كارثيةً على الجميعِ ما عدا أمريكا التي دخلتْ في آخرِ الحربِ لترجيحِ كفةِ الحلفاءِ المنهكين، وفي النهايةِ وبرغم انتصارِ الحلفاءِ فإن بريطانيا وفرنسا فقدتا الكثيرَ من طاقتِهما البشريةِ وتراجعا إلى دولٍ من الدرجةِ الثالثةِ أو الرابعةِ وكان كلُّ فشلٍ أو هزيمةٍ لهما تنتهزه أمريكا وتحلُّ مكانَهما، وتمتْ تصفيةُ الاستعمارِ القديمِ وحلَّ محلَّه استعمارٌ جديدٌ بنكهةٍ أمريكيةٍ. كانَ مبررَ التمددِ الأمريكيِّ هو الحفاظُ على مصالحِ الغربِ ومواجهةَ الشيوعيةِ في مرحلةٍ كانت تسمى الحربَ الباردةَ قُتل فيها ملايينُ البشرِ في كوريا وفيتنام وأنجولا والسلفادور، ومع سقوطِ الاتحادِ السوفيتيِّ كان البحثُ عن عدوٍ جديدٍ يُبقي على حيويةِ أمريكا ويبررُ وجودَها العسكريَّ في أنحاءِ العالمِ أمراً حيوياً، ولم يكنْ هذا العدوُ سوى عدوٍ حضاريٍّ يحملُ مبادئَ ومثلاً مختلفةً وهو الإسلامُ، ولكن المعضلةَ أنه عدوٌ لا يملكُ حالياً تهديداً مادياً، ولذا فقد تمَّ تسويقُ نظريةِ صراعِ الحضاراتِ وأن الحضارةَ الغربيةَ القائمةَ على المُثلِ والثقافةِ المستقاةِ من المسيحيةِ واليهوديةِ مهددةٌ بخطرِ عودةِ الإسلامِ للساحةِ الدوليةِ، وبدعوى حمايةِ الغربِ من الخطرِ المزعومِ وقعَ العالمُ الإسلاميُّ تحتَ نيرِ حملةٍ شاملةٍ فكريةٍ واقتصاديةٍ وعسكريةٍ بقصدِ ابتلاعِه والسيطرةِ التامةِ عليه، وهنا لا يمكنُ إغفالُ أن الحربَ يتم تسويقُها بفزّاعاتٍ متعددةٍ، فمحاربةُ الإرهابِ تقتضي وجودَه بصورةٍ متحكَمٍ بها، ولذا فقد وُجدت التنظيماتُ الإرهابيةُ مثلُ داعش في مناطقِ السيطرةِ الأمريكيةِ الإيرانيةِ، ومنها تمددتْ بحسبِ الحاجةِ،  وإليها عادتْ ولجأتْ في وقتِ الضرورةِ، ومنها ستنطلقُ من جديدٍ، وبالمثلِ تمثلُ إيرانُ وأدواتُها بالمنطقةِ دورَ فزاعةٍ أخرى لأمريكا فهي تتمددُ وفقِ اتفاقاتٍ إستراتيجيةٍ مع أمريكا ولذا لا ننسى أن الخطابَ الغربيَّ حولَ التطرفِ الإسلاميِّ أو الإرهابِ الإسلاميِّ يقصد به المنتمي للسنةِ تحديداً. وهنا نتوقفُ عندَ ظاهرةِ تصاعدِ الحملةِ وتسارعِها بصورةٍ شرسةٍ فلم يعد منفذو مشاريعِ التغييرِ الاجتماعيِّ يعيرون بالاً للتدرجِ بل يتمُّ تحطيمُ العقدِ الاجتماعيِّ بصورةٍ متعجلةٍ بدءاً من قراراتٍ فوقيةٍ تعسفيةٍ وحتى عملياتِ تهجيرٍ قسريٍّ تهدفُ إلى إضعافِ مقاومةِ المجتمعاتِ للتغييرِ الشاملِ الذي تريدُه قوى الطغيانِ، وهذا التغييرُ وللهِ الحمدُ يتعرضُ للتعثرِ بسببِ ضيقِ الوقتِ المتاحِ فالعالمُ مقبلٌ على جولةِ تنافسٍ جديدةٍ لن تكونَ أقلَّ دمويةً وشراسةً مما جرى قبلَ قرنٍ من الزمانِ، وحيث إن الانزلاقَ لصراعٍ عسكريٍّ شاملٍ خطرٌ وجوديٌّ على الجميعِ فالصراعُ سيكونُ في البدايةِ واللهُ أعلمُ في ميادينِ السياسةِ والاقتصادِ، فعلى سبيلِ المثالِ الصينُ شهدتْ خلالَ العقودِ القليلةِ الماضيةِ مرحلةَ نهوضٍ اقتصاديٍّ وتقنيٍّ هائلٍ وتبدلتْْ حياةُ كثيرٍ من الناسِ من مجتمعٍ ريفيٍّ بسيطٍ إلى مجتمعٍ صناعيٍّ وتجاريٍّ أكثرَ ترفاً، ولذا فتزايدُ الإنتاجِ يقتضي فتحَ أسواقٍ جديدةٍ،  لذا فأيُّ خللٍ في منظومةِ التصديرِ سيؤدي حتماً إلى اضطرابٍ داخليٍّ، وبالتالي فإن أكبرَ خطرٍ على الصينِ هو احتمالُ إغلاقِ السوقِ الأمريكيةِ أمامَها أو فرضُ عقوباتٍ أمريكيةٍ بسببِ التعاملِ مع بعضِ الدولِ، وبالتالي فالبحثُ أو إيجادُ أسواقٍ جديدةٍ مسألةٌ مصيريةٌ، وبالمثلِ هذه حالُ دولٍ أخرى مثلِ روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا والبرازيلِ التي ستحرصُ على بناءِ تكتلاتٍ جديدةٍ والبحثِ عن مناطقَ نفوذٍ مع ما يمثلُه من تماسٍ مع مصالحِ الدولةِ المسيطرةِ. نعم فترةُ التنافسِ هي فترةُ تنفسٍ للأممِ الضعيفةِ وفرصةُ سانحةٌ للأمةِ المسلمةِ للنهوضِ من بين الركامِ والعودةِ للساحةِ من جديدٍ وهو أملٌ متحققٌ بإذنِ اللهِ فتغيرُ الأحوالِ سنةٌ كونيةٌ جاريةٌ من الأزلِ، قالَ تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، وفي الصحيحين عن حذيفةَ قالَ: «كانَ الناسُ يسألون رسولَ اللهِ عن الخيرِ وكنتُ أسألُه عن الشرِّ مخافةَ أن يدركني، فقلتُ يا رسولَ اللهِ: إنّا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ فهل بعد هذا الخيرِ من شرٍّ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشرِّ من خيرٍ؟ قالَ: نعم، وفيه دخنٌ، قلت: وما دخنُه؟ قال: قومٌ يهدون بغيرِ هديي، تعرفُ منهم وتنكرُ، قلتُ: فهل بعد ذلك الخيرِ من شرٍّ؟ قالَ: نعم، دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، من أجابَهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسولَ اللهِ: صِفهم لنا، فقالَ: همْ من جلدتِنا ويتكلمون بألسنتِنا، قلتُ: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قالَ: تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قالَ: فاعتزلْ تلك الفرقَ كلَّها ولو أن تعضَّ بأصلِ شجرةٍ حتى يدرككَ الموتُ وأنتَ على ذلك»، إنها آيةٌ تبعثُ الأملَ وحديثٌ يؤكدُ على مسؤوليةِ الفردِ في البحثِ عن الحقِ والتمسكِ به.