أن تولد مسلماً فذلك مرض يجب أن تعالج منه، أن تمارس شعائر الإسلام فقد تمكنت منك فيروسات أيدلوجية، ويجب عليك الذهاب للمشفى للعلاج، أن تظن أن هناك خالقاً للكون واحداً أحداً مستحقاً للعبادة فأنت محتاج إلى إعادة تأهيل نفسي وعقلي!

مليون مسلم من أقلية الإيغور في الصين زج بهم إلى معتقلات سرية، وهذا أكبر رقم لمعتقلين أو موقوفين عرف في تاريخ البشرية، ذنبهم الوحيد أنهم مسلمون يقولون ربنا الله. تطلق السلطات الصينية على تلك المعتقلات اسم مراكز التدريب وإعادة التأهيل النفسي، أو المشافي العلاجية. تستهدف تلك المشافي تطويع المسلمين، وإعادة هيكلة عقولهم بحيث يتم طمس هويتهم الإسلامية بالكامل فتصبح الصلاة أو تلاوة القرآن أو الصوم أو الامتناع عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير من مؤشرات الأمراض النفسية التي لا يصبح الإيغوري مواطناً صالحاً إلا بالتخلي عنها، منذ منتصف عام ٢٠١٧م شرعت السلطات الصينية في بناء عدد هائل من مراكز الاحتجاز والسجون التي يبلغ عدد نزلائها المئات من الآلاف اليوم. وتجمع هذه المعسكرات بين الأساليب الوحشية لنظام «إعادة التعليم من خلال العمل» من أوائل الحقبة الشيوعية في الصين، وبين أحدث التقنيات والذكاء الاصطناعي. يخضع النزلاء في تلك المشافي لجلسات «النقد الذاتي» وحفظ الشعارات المضنية المصممة لحثهم على نسيان الولاء الديني لصالح الهوية الصينية. في داخل تلك المراكز يلبس النزلاء جميعهم لباساً موحداً، ويقومون بعمل بدني شاق، وينشدون النشيد الوطني الصيني، ويغنون الأغاني الوطنية، ويشاهدون الأفلام الوطنية.. وإذا كان لدى أحدهم أقارب غادروا تركستان الشرقية إلى الخارج، يعرضون عليهم صورهم ويجبرونهم على الاعتراف بأنهم خونة للصين. وفي حال عدم الخضوع يتم استخدام العنف الجسدي ضد السجناء إذا رفضوا اتباع التعليمات، وفي المعسكر، خلافاً للسجن، لا أحد يعرف كم من الوقت سوف يحتجز. هناك من يمكث عاماً أو عامين ويخرج، وهناك من يمكث أكثر من ذلك. يقول: إيفان زوينكو، الباحث في مركز دراسات الشرق الأقصى التابع للأكاديمية الروسية للعلوم: يضطر الإيغور وغيرهم من المسلمين إلى كسر صوم رمضان، وحلق لحاهم، وتسجيل حتى سكاكين المطبخ، ويمكن أن يفصحوا حتى هواتفهم المحمولة في الشارع بحثاً عن مواد محظورة، كما أن رحلاتهم إلى الخارج تخضع لرقابة صارمة... الغرض الرئيس من كل تلك الممارسات هو زرع الخوف والخضوع لديهم[1]. ولا يعني خروج الإيغور من تلك المشافي أن عملية إعادة التأهيل واستعادة صحتهم من المرض الأيدلوجي قد انتهت، فبعد العودة إلى ديارهم يجب أن يظلوا يقظين وأن يمدوا أنفسهم بالمعرفة الصحيحة وتعزيز دراساتهم الأيدلوجية وحضور مختلف الأنشطة العامة بنشاط لتعزيز نظامهم المناعي! كما أجبرتهم السلطات الصينية على تحميل تطبيق إلكتروني على هواتفهم النقالة، لرصد ومراقبة أنشطتهم على المواقع الإلكترونية[2].

تسحب العائلات إلى تلك المعتقلات فرادى، فالنساء في مكان خاص بهن والرجال كذلك، ويفرق بين الأقارب فلا يلحقون بمكان واحد، ونتيجة لذلك تفرقت العائلات وأصبح هناك عدد لا يحصى من الأطفال بلا آباء أو أمهات، ليتم وضعهم في مراكز خاصة بحجة حمايتهم، أنشأتها لهم السلطات الصينية خصيصاً، تعرف بدور الأيتام، ليتم وضع أبناء المعتقلين والمنفيين فيها، وعلى غرار ما يحدث لذويهم يتم التعامل معهم، ولكن بأساليب أكثر خبثاً في محاولة لإبعادهم عن هويتهم وثقافتهم[3]، ويطلق على تلك الدور «مراكز رعاية» أو «مراكز حماية».

أما على صعيد القوانين الرسمية فقد سنت الحكومة الصينية جملة من القوانين منها منع استعمال اللغة الإيغورية بالجامعة (مشتقة من اللغة التركية)، ويبحث قانون منعها في المدارس الثانوية. ومنعت الحكومة الصينية تعليم الإسلام للأطفال دون سن 18 في الإقليم، ومنع الصيام في رمضان ويعرض للعقاب كل من خالف قانون منع الصوم في رمضان، كما تم حظر الحجاب للنساء واللحية للرجال وغيرها من المظاهر الإسلامية.

الإيغور المسلمون ونظرية شد الأطراف:

عرف الإيغور الإسلام قديماً منذ عهد الخلافة الأموية، ولا تزال بعض الآثار الإسلامية موجودة في الإقليم، مثل مسجد عيد كاه، وضريح ملك مملكة هامي من قومية هوي، وبرج سوقونغ، وكان المسلمون الإيجور في صراع دائم مع الصينيين، الذين شنوا عدة هجمات فاشلة على الإقليم. ولكن في عام 1759م، نجحت العائلة الحاكمة الصينية (الماتشو) في احتلال هذا الإقليم، ثم استرده الإيغور مرة أخرى. وظل الإقليم مستقلاً لفترة قصيرة، إلى أن نجحت العائلة الصينية نفسها في احتلاله مجدداً بمساعدة البريطانيين عام 1876م. وبعد الحرب اليابانية - الصينية في منتصف القرن العشرين، نشأت جمهورية تركستان الشرقية كجمهورية إسلامية في شمال الصين، ولكنها لم تستمر طويلاً، حيث قام ماوتسي تونج (الزعيم الصيني المعروف) بفرض سيطرته على المنطقة كلها في عام 1949م، وإن كان قد أعطى الإقليم - بعد تغيير اسمه - صفة إقليم متمتع بالحكم الذاتي ثقافياً وإثنياً ودينياً ولغوياً، إلا إنه من الناحية التطبيقية حدث العكس تماماً، وقامت الحكومة الصينية بضرب الإقليم بيد من حديد.

تقع تركستان الشرقية غرب الصين في أواسط آسيا الوسطى وتحدها من الشمال جمهورية روسيا الاتحادية ومن الغرب الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق ومن الجنوب باكستان وكشمير والتبت ومن الشرق الصين ومن الشمال الشرقي منغوليا، وتبلغ مساحتها 1.6 مليون كيلومتر مربع، أي خمس مساحة الصين.

وتوجد في تركستان الشرقية أو إقليم سينكيانج حسب التسمية الصينية الجديدة، معظم الصواريخ النووية الباليستية - التي تمتلكها الصين، كما أن بها مخزوناً هائلاً من الثروات المعدنية، من الذهب والزنك واليورانيوم. وتشير بعض التقديرات إلى أن بها احتياطياً ضخماً من النفط. علاوة على هذا تعد تركستان الشرقية الواصلة التي تنقل الثروات النفطية من جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة إلى الصين. واللغة التي يستخدمها مسلمو الإيغور هي اللغة الإيغورية، وهي أحد فروع اللغة التركية لكنها تكتب بالحروف العربية.

إذن موقع تركستان الشرقية هو امتداد طبيعي ومتصل مع بقية الشعوب المسلمة في آسيا، وإذا نظرنا إلى جغرافية العالم الإسلامي من دون الحدود السياسية المصطنعة نجد أن عمليات الشد ثم بتر الأطراف قائمة على قدم وساق، فمسلمو بروما تجري إبادتهم جماعياً وتهجيرهم، وفي الهند تم سحب الجنسية الهندية من مليوني مسلم في ولاية آسام، تمهيداً لطردهم بحجة أنهم ليسوا مواطنين، وفي الصين يجري الضغط على مسلمي الإيغور تمهيداً لبترهم عن امتدادهم الإسلامي. والأجساد الصحيحة لا قوام لها من دون الأطراف،  ومن يبتر طرفك اليوم سيطعن قلبك غداً.


 


[1] معسكرات اعتقال و«تربية وطنية» للأقلية المسلمة في الصين، 15 أغسطس 2018م، موقع روسيا اليوم: (http://v.ht/qO8X ).

[2] الصين تطلق تطبيقاً إلكترونياً لمراقبة نشاطات مسلمي الإيغور، 27 يوليو 2017م، وكالة الأناضول: (http://v.ht/jz9v ).

[3] أطفال الإيغور المسلمون.. أيتام وسجناء بصك من الشيوعي الصيني، 10 صفر 1440هـ، موقع ياني شفق: (https://bit.ly/2q9lhuC ).