ستة أشهر تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل  2019م، الإسلاميون في الجزائر منقسمون أكثر من أي وقت مضى، وشعارهم «اتفق الإسلاميون على أن لا يتفقوا»،  وأحدثت الولاية الرئاسية الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة انقساماً كبيراً في صفوف الأحزاب الإسلامية، في وقت أجمعت الأحزاب والشخصيات الموالية للسلطة  و«الكارتل المالي»، وأيضاً الزوايا التي تعد من بين المنظمات الدينية الأولى في البلاد على دعوة الرئيس بوتفليقة للبقاء في الحكم.

انقسام وتشرذم

حتى كتابة هذه الأسطر، أجمع الإسلاميون في الجزائر على رفض الولاية الرئاسية الخامسة وأجمعوا كلهم على المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2019م، لكن تصريحاتهم توحي بوجود اختلاف حول مرشحهم، فحركة مجتمع السلم (الإسلامية) الجزائرية تعد أول المبادرين للإعلان عن رفض ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، وقال زعيمها عبد الرزاق مقري، في حوار صحفي: «نحن رفضنها العهدة الرابعة، فكيف لا نرفض العهدة الخامسة»، فالولاية الرئاسية الخامسة كذلك مرفوضة لدى مجتمع السلم لأسباب صحية، فرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة ليست له القدرة على الاستمرار في الحكم.

واستعرض زعيم «إخوان الجزائر» سيناريوهات عديدة بشأن رئاسيات 2019م، أولها التمسك بمبادرة التوافق الوطني والعمل على إنجاحها، والتي دعت من خلالها «حمس» المؤسسة العسكرية إلى «مرافقة» العملية السياسية الانتقالية التي تدعو لها، وجعل رئاسيات 2019م فرصة للتداول السلمي للسلطة.

والسيناريو الثاني الذي رجحه مقري، هو الجلوس على طاولة الحوار مع المعارضة من أجل اختيار مرشح التوافق في رئاسيات 2019م.

ويعد خيار المقاطعة ثالث السيناريوهات التي تحدث عنها زعيم إخوان الجزائر، وهذا في حال تمسك أحزاب السلطة في البلاد بالولاية الرئاسية الخامسة، وقال في تصريح صحفي: «إذا ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة رئاسية جديدة.. فإن الأمور عندها تكون قد حسمت لصالح مرشح السلطة».

زعيم جبهة العدالة والتنمية، عبد الله جاب الله، واحد من الوجوه الإسلامية البارزة في الساحة الجزائرية، أعلن رفضه بشكل صريح وواضح  للولاية الرئاسية الخامسة، واعتبر أن الداعين لاستمرار بوتفليقة في الحكم يسعون جاهدين للحفاظ على مصالحهم، ورجح  في الوقت ذاته إمكانية عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية التي سبق وأن خاضها وخسر مرة أمام مرشح الجيش الجنرال زروال عام 1995م، كما خسر مرتين أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ويشرح في هذا السياق القيادي في جبهة العدالة والتنمية، حسن لعريبي في تصريح لمجلة «البيان» موقف حزبه من رئاسيات 2019م، قائلاً: إن جبهة العدالة والتنمية كغيرها من الأحزاب الإسلامية في الساحة السياسية تفضل متابعة تطورات الأحداث، وقررت تأجيل الكشف عن موقعها ضمن هذا الاستحقاق إلى غاية اتضاح المشهد السياسي في البلاد. وعن إمكانية ترشح الشيخ عبد الله جاب الله، يقول: إن مجلس الشورى هو الوحيد المخول له الفصل في هذا الملف.

حركة الإصلاح الوطني (حزب إسلامي) قرر رئيسها المشاركة في الانتخابات الرئاسيات القادمة، وصرح رئيسها فيلالي غويني، قائلاً: «قررت المشاركة في الانتخابات القادمة، بشكل سياسي»، أما حركة البناء الوطني فسارت على خطى أحزاب السلطة في البلاد، وأعلنت على لسان رئيسها أحمد الدان، عن مساندتها للاستمرارية في تطبيق برنامج الرئيس بوتفليقة، وقالت إن المرحلة الحالية تقتضي التوافق.

وكانت أول تجربة للتيار الإسلامي في الانتخابات الرئاسية عام 1995م، عندما حلت حركة مجتمع السلم آنذاك بزعامة محفوظ نحناح مرشح الإسلاميين في البلاد،  في المرتبة الثانية وفق النتائج الرسمية المعلن عنها من وزارة الداخلية، لكن أنصاره لم يهضموا هذه النتائج، وأكدوا مصادرة حقهم في المرتبة الأولى التي عادت لمرشح السلطة زروال.

ومباشرة بعد هذه الانتخابات خاض التيار الإسلامي في البلاد سباق الرئاسة بشكل منقسم، حيث خاض زعيم جبهة العدالة والتنمية السباق في 2004م بينما غاب عنه في 2009 و2014م، بينما جنحت حركة مجتمع السلم بقيادة عبد الرزاق مقري وحركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية نحو خيار المقاطعة في انتخابات 2014م، والتأموا تحت جناح تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، أكبر تكتل جمع مختلف أطياف المعارضة في البلاد.

سيناريو رئاسيات 2014م وارد

يرجح القيادي في حركة النهضة الجزائرية (حزب محسوب على تيار الإخوان المسلمين في البلاد) يوسف خبابة، في تصريح لمجلة «البيان» إمكانية تكرار سيناريو رئاسيات 2014م، والمتمثل في مقاطعة أحزاب إسلامية ومشاركة أخرى، فالمهم في الظرف الراهن هو: «هل ستكون هناك عهدة خامسة»؟ ففي هذا الوضع يقول خبابة: إن رئاسيات 2019م ستكون عبارة عن استفتاء.

وعن الانقسام القائم داخل عقر دار الإسلاميين، يقول المتحدث إن «الحسابات الحزبية التكتيكية وأحياناً حتى الشخصية تجعل من العملية السياسية عملية عبثية موجدة لا تخضع للمعايير الأخلاقية والانتخابية والمرجعية الشعبية، فالكثير من النخب والأحزاب فاقدة للنفس الطويل، وتسعى لجني ثمار الحكم والسلطة بلا جهد أو خلفية شعبية، وهو ما جعلها تقع في تناقض المواقف من النقيض إلى النقيض، ومن المطالبة بعزل الرئيس ومقاطعة تشريعات 2014م إلى التواجد في السلطة تحت عنوان «التوافق» ومطالبة الرئيس برعاية حوار وطني.

 

ثلاثة احتمالات واردة

يعتقد القيادي في حركة مجتمع السلم، ناصر حمدادوش، أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئاسية محتملة أهمها المقاطعة الشاملة لهذه الانتخابات، خاصة من الأحزاب والشخصيات الوطنية الفاعلة، والطعن في شرعيتها ومصداقيتها، مع يقيننا بأن تكلفة هذه المقاطعة ستدفع الجزائر والشعب الجزائري ثمنها لوحدهم، كما هو حادث مع نتائج الولاية الرئاسية الرابعة، على اعتبار أن استمرار هذا الوضع ستكون نتائجه كارثية، أما السيناريو الثاني، فيتمثل في الدفع بالمشاركة المتعددة فيها، برغم الحرج من مهزلتها في ظل العهدة الخامسة، بشرط مشاركة الأحزاب الكبيرة والشخصيات الثقيلة من الموالاة ومن المعارضة، وذلك لإحداثِ زخمٍ شعبيٍّ واختراقٍ سياسيٍّ لصالح البلاد، يُبنى عليه الحراك السياسي المستقبلي.

التشتت وراء تراجع الوعاء الإسلامي

يقول المحلل السياسي الجزائري أحسن خلاص، في تصريح لمجلة «البيان» إن الأحزاب الإسلامية في البلاد تبحث عن دور لها، لكنها منقسمة في ذلك، والشيء المؤكد كما يقول خلاص أن الإسلاميين لن يدخلوا المعترك الرئاسي القادم موحدين، كما أنه مستبعد أن يقاطعوا الانتخابات هذه المرة، ويضيف: «الحاصلة أن حركة مجتمع السلم ستقدم مرشحها، والأمر ذاته يحدث مع جبهة العدالة والتنمية دون أن تضمن مؤازرة البناء والنهضة اللذين سيدعمان مرشح السلطة، فمخرجات المؤتمر الأخير لحركة مجتمع السلم والتزام جاب الله التريث والترقب وعدم الاستعجال في اتخاذ أي موقف يوحي أن الإسلاميين هذه المرة لن يتخذوا موقفاً سلبياً.

ويرى المتحدث أن الانقسام في المواقف داخل عقر دار الأحزاب الإسلامية ليس وليد اليوم، فهو قديم ولا يعود إلى اختلاف الرؤية بقدر ما يعود إلى أزمة زعامة، ويشير أحسن خلاص إلى أنه حتى وإذا قرر الإسلاميون أن يتوحدوا فلن يكون ذلك سبباً في زيادة قوتهم بسبب الانشقاقات التي حدثت في صفوفهم منذ 2008م والتي أثرت سلباً عليهم.