تمثل سيادة الوطنية أهم ركائز قيام الدول واستقلالها وحريتها، كما أنها دليل تعافي الدولة من الاستغلال والانحدار والاحتلال، وهي معيار لقوة الدولة أو ضعفها.

لذا تبذل الدول الغالي والثمين في سبيل الحفاظ على سيادتها واستقلالها ومقاومة أي نفوذ خارجي يسعى لتقويض هذه السيادة والحرية.

ولقد عانت دولنا الإسلامية في القرنين الأخيرين من التعدي على سيادتها وخضوعها للمحتل الغربي، الذي قضى على سيادتها واستقلالها وأخضعها لسلطانه وسيادته. وقام في سبيل الحصول على الحرية الكثير من الثورات والبطولات حتى تحررت بعضها إلا أنها بقيت منقوصة السيادة.

وفي أتون حالة الضعف والهوان التي مرت بها الأمة قام الغرب الصليبي المحتل بغرس نبتة شيطانية غريبة عن جسد الأمة وهي الكيان الصهيوني، وأمدها بكل وسائل القوة والمنعة لتكون حجر عثرة تمنع التئام الأمة ووحدتها وتحررها واستقلالها وحصولها على سيادتها كاملة غير منقوصة.

مفهوم السيادة

مصطلح السيادة من أكثر المصطلحات التي يتم تداولها في العقود المتأخرة في علم السياسة والقانون الدولي العام؛ لبيان تحرر واستقلال الدول وقدرتها على السيطرة على كامل أراضيها وفرض هيمنتها، لاسيما بعد الحقبة الاستعمارية التي هيمن فيها الغرب على دول العالم في معظم القارات وخاصة منطقتنا العربية والإسلامية، والسيادة هي أهم معايير قيام واعتبار الدول، وهي تعني الاستقلال التام في اتخاذ كل القرارات دون الخضوع لقوى خارجية أو داخلية، ولا تخضع لإملاءات من قبل دول أو مؤسسات أو كيانات، فالدولة ذات السيادة هي التي تتخذ قراراتها وتسن قوانينها وتشريعاتها بإرادتها، وتعقد الاتفاقات والمعاهدات وتتعامل مع كل الدول بحرية واستقلال، ولا تسمح لغيرها من الدول من التدخل في شؤونها الداخلية والخارجية.

كما أن الدولة ذات السيادة هي التي تبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتطبق القوانين والتشريعات على الجميع وتحافظ على أراضيها من سيطرة الغير عليها أو الدخول إليها بلا إذن أو ممارسة أي شكل من أشكال التعدي، وعدم التنازل عن شبر من أراضيها، وتمنع تمركز أي قوى خارجية ووجود قواعد عسكرية بغير إذنها. كما تتحكم في ضبط حدودها البرية والبحرية والجوية وممارسة سيادتها كاملة عليها.

ومن مظاهر هذه السيادة أن تقوم العلاقات بين الدول ذات السيادة على مبدأ الندية وفق المعايير القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة.

قراءة في بنود معاهدة كامب ديفيد:

«جئنا إلى كامب ديفيد بكثيرٍ من الإرادة الطيبة والإيمان، وغادرناها قبل دقائق بإحساس متجدد من الأمل والإلهام»، بهذه الكلمات وقع السادات على المعاهدة التي أجراها منذ أربعين عاماً بين مصر والكيان الصهيوني، وتحديداً مساء السابع عشر من سبتمبر عام 1978م داخل البيت الأبيض.

حيث اقترح السادات مشروع سلام بين مصر والكيان الصهيوني لإنهاء حالة الحرب وقدمه لوزير الخارجية الأمريكية لعرضه على الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وفي سبتمبر 1977م أوفد بيجن وزير خارجيته موشى ديان، ليلتقي سراً نائب رئيس الوزراء المصري حسن التهامي، واتفق الطرفان على عقد لقاءٍ سري بين بيجن والسادات، وعندما أعلن السادات لوزير خارجيته إسماعيل فهمي أنه يفكر بالذهاب إلى القدس، ولقاء بيجن علناً لا سراً، عارض فهمي ذلك، ونصحه بالعدول عن الفكرة.

وانتهى الأمر بسفر السادات للقدس وقدم كل من إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري ومحمد رياض وزير الدولة للشئون الخارجية استقالتهما احتجاجاً على مبادرة السادات، فتم تعيين بطرس غالي ليقوم بمهامهما ويكون ضمن الوفد المتوجه إلى الكنيست في القدس.

وهذا مما يعزز الرأي القائل بأن السادات خاض حرب أكتوبر سعياً لتحقيق نصر ولو جزئي لإجبار اليهود على عقد معاهدة صلح ينهي بها حالة الحرب، وبعدها ينغلق على نفسه وينشغل بمشاكله الداخلية.

وقد شملت المعاهدة التالي:

إطار عمل للتسوية السلمية من خلال مقدمة ووثيقتين،

الأولى: وضعت إطاراً عاماً غير محدد للسلامٍ في الشرق الأوسط، تضمن إجراء مفاوضات للفلسطينيين والضفة الغربية وغزة في ثلاثة بنود. والثانية: تتناول إطار التسوية بين مصر وإسرائيل في بندين؛ انسحاب القوات الصهيونية على مراحل من سيناء، على أن يسبق ذلك إجراء مفاوضات للوصول إلى معاهدة سلام بين مصر والكيان الصهيوني.

ثم مبادئ عامة من ست نقاط.

معاهدة السلام: 

تقرر توقيع معاهدة السلام في واشنطن في 26 مارس 1979م.

أكدت معاهدة السلام على ما جاء في اتفاقية كامب ديفيد، ومن نصوصها:

إنهاء حالة الحرب بين البلدين.

انسحاب إسرائيل من سيناء على مراحل خلال 3 سنوات.

إقامة علاقات طبيعية وودية بعد المرحلة الأولى من الانسحاب.

خفض التواجد العسكري للبلدين على الحدود.

وبالنظر للبنود المبدئية يلاحظ التالي:

استمرار المفاوضات أكثر من خمس سنوات، بعد حرب 6 أكتوبر 1973م والتي انتصر فيها الجيش المصري على الصهاينة، كانت سيناء فيها خاضعة خضوعاً كاملاً للكيان الصهيوني، الذي عمل على استغلال أراضي سيناء وسرقة خيراتها من آثار ومعادن ومياه جوفية وغيرها.

الانسحاب الصهيوني لن يكون سريعاً بل على مراحل خلال ثلاث سنوات مما أذهب جدوى وفرحة نصر أكتوبر، حتى إنه تم الانسحاب من سيناء في عام 1982م أي بعد تسع سنوات من حرب 1973م.

اشترط اليهود عدم انسحابهم من سيناء حتى يتم إبرام اتفاقية صلح كاملة حيث أبلغ وزير الخارجية الأمريكي هنري كسنجر السادات أن رابين لن ينسحب بجيشه أي خطوة أخرى إلا بعد اتفاقية سلام كامل.

فرض إقامة علاقات طبيعية وتطبيع مع الصهاينة، وهذا اعتراف رسمي وقانوني بقيام دولة للكيان الصهيوني على دولة فلسطين المحتلة.

ومن البنود المثيرة للجدل حتى اليوم هي خفض التواجد العسكري للجيش المصري في سيناء، وهي أراض مصرية كاملة، وهذا معناه غياب السيادة الكاملة للدولة المصرية على جزء من أراضيها.

تأثير الاتفاقية على سيادة الدولة المصرية

أولاً: أثر الاتفاقية على اللحمة العربية: 

بعد الإعلان عن الاتفاقية تصاعدت الاحتجاجات في الوطن العربي من شرقه إلى غربه، اعتراضاً على انفراد مصر باتفاقية صلحٍ مع الصهاينة تعترف فيها بشرعية دولتهم التي قامت على أنقاض فلسطين المحتلة.

وكان من تداعيات هذا القرار الدعوة إلى عقد قمة عربية طارئة في بغداد وهي القمة التاسعة في 2 نوفمبر 1978م أدانت الاتفاقية، واعتبرت القرار أضر بالقضية الفلسطينية، وجمدت العلاقات مع مصر بعد دعوتها لعدم توقيع الاتفاقية، مما ترتب عليه لاحقاً قطع العلاقات مع القاهرة.

في 31 مارس 1979م بعد خمسة أيام من توقيع الاتفاقية اجتمع القادة العرب مرة أخرى في بغداد وقرروا طرد مصر من الجامعة، كما قرروا نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس بدل القاهرة.

وكان رد فعل السادات غاية في الغرابة حيث قال: «قرار قطع العلاقات مع مصر كان تطاولاً وقحاً منهم، فاندفعوا في موكبٍ واحد».

وقال في تصريح آخر يتعمد النكاية في القادة العرب: «عشرات المليارات نازلة علينا وبحمد الله من غير الأمة العربية، مضت السنين العجاف، لأننا عرفنا طريق السلام. مضت كل المعاناة».

وكان السادات قد توجه إلى دمشق قبلها، آملاً في دعم سوريا، التي يحتل الصهاينة جزءاً من أراضيهم، لكن الأسد أبلغ السادات أن الذهاب إلى الكنيست استسلام لا سلام، وأنه يعني التخلي عن التضامن العربي الذي حقق نصر أكتوبر.

زاد الانقسام العربي وأقامت دول مثل الجزائر وسوريا وليبيا والعراق حملات ضد قرار السادات، وتم قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وهذه الدول، وزاد الشقاق وظهر للعلن وللعالم الخارجي حتى جاء العنوان الرئيسي للتايمز البريطانية: «وداعاً للتضامن العربي».

كانت الاتفاقية بذلك قطعاً للحمة وتفريقاً للعرب، وبرغم أن الجامعة العربية كيان هش لا قيمة له، إلا أنه يمثل مظهراً من مظاهر التجمع العربي، وقد أدت خطوة السادات إلى قطع أواصر امتداداته وعلاقاته العربية، مما جعل مصر وحدها أمام الضغوط الأمريكية والصهيونية، وجعلهما يستفردان بها ويمليان عليها القرارات التي أثرت على السيادة والقرار المصري.

ثانياً: مدى استعداد الصهاينة للوفاء بالمعاهدة، ووقف العدوان:

اعتقد السادات أنه بهذه المبادرة والتنازلات سيدفع الرأي العام الأمريكي واليهودي إلى الضغط على بيجن والقادة الصهاينة لتحقيق السلام ومن ثم حصد مكاسب شخصية ودعم شامل له، لكنه لم يحصد غير التعنت والإملاءات وفرض الرأي.

وكان رابين وزير خارجية الكيان الصهيوني وخليفته بيجن يرفضان الحديث عن القدس والضفة الغربية ضمن الاتفاقية.

وفي أثناء عملية المفاوضات وتحديداً ليلة الثالث عشر من مارس عام 1978م، اعتدت قوات الصهاينة على الحدود اللبنانية وأرسل بيجن برقية عاجلة إلى السادات يقول فيها: «بدأت قواتنا عملية محدودة على الحدود اللبنانية لإزالة قواعد الإرهابيين في المنطقة وأرجو ألا تعطل هذه العملية المحدودة المحادثات بين بلدينا».

وعندما وجه كارتر دعوة لكلٍ من بيجن والسادات لعقد مؤتمر قمة في منتجع كامب ديفيد قرب واشنطن، وبينما كان الوفد المصري متجهاً إلى كامب ديفيد لتحقيق السلام، احتفل الكيان الصهيوني ببناء مستوطنة جديدة في مرتفعات الجولان السورية!

في 26 مارس 1979م، وبينما كان بيجن يتغنى بالسلام كان جنوده يفرضون على أهالي بلدة حلحول بفلسطين حظر تجول عسكري بعد استشهاد اثنين من أبنائها.

في الذكرى الحادية والثلاثين لمذبحة دير ياسين التي قادها مناحم بيجن أقر مجلس الشعب المصري معاهدة السلام بالأغلبية 9/4/1979م، وفي اليوم نفسه قصف الاحتلال منطقة الدامور بلبنان، وأقر توسيع مستوطناته في الخليل بفلسطين.

وبينما كان السادات مع بيجن في شرم الشيخ في إحدى الزيارات كان طائرات F16 الإسرائيلية تنهي آخر تدريباتها، لتقوم بمهمة خاصة، بعد يومين قصفت مركز الأبحاث النووي في العراق.

كل هذه الأحداث وغيرها تبين مدى استهانة الصهاينة بعملية السلام برمتها، وتعاملهم بتعالٍ وعجرفة مع النظام المصري، وأن الأمريكان يقدمون لهم الدعم الكامل وأنهم وسطاء غير نزيهين فهم يعلنون بكل وضوح وقوفهم في جانب الصهاينة.

وهذا تعدٍ واضح على السيادة العربية عامة والمصرية بصورة خاصة، وذلك بالاستهانة بالمعاهدات التي أبرمت للتو أو التي في طريقها للإنجاز.

ثالثاً: الخضوع للضغوط والإملاءات الأمريكية:

وضح منذ بداية مراحل التفاوض تعنت الوفد الصهيوني بقيادة رئيس الوزراء مناحم بيجن حتى حول الانسحاب من سيناء التي كبلها ببعض الشروط، وفي يوم الحادي عشر من سبتمبر قدم كارتر للسادات مشروعاً أمريكياً، تمت صياغته قبل ذلك بالتشاور مع بيجن، وعرض كارتر تأجيل المواضيع الحساسة، مثل السيادة على الضفة الغربية، وغزة والقدس إلى مرحلة لاحقة، ورد وزير الخارجية إبراهيم كامل بأنه لا يمكن أن ينجح المؤتمر دون اتفاق ينص على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 1967م.

ومع استمرار التعنت الإسرائيلي والدعم الأمريكي للصهاينة هدد السادات بالانسحاب من المؤتمر في الخامس عشر من سبتمبر حتى يضغط على كارتر! إلا إن كارتر أخبره أن الانسحاب يعني نهاية العلاقة بين مصر وأمريكا، ونهاية الصداقة الشخصية بينهما.

كتب أحد أعضاء الوفد الأمريكي ويليام كوانت: «بعد اتفاقية كامب ديفيد كان على كارتر أن يواجه الاختيار بين الضغط على بيجن أو السادات لتقديم التنازلات، وكان يلجأ دائماً للسادات، وكان لهذا تأثيرٌ كبير على النتيجة النهائية للمفاوضات».

اعترض وزير الخارجية المصرية محمد إبراهيم كامل على هذا المسلك وبين للسادات خطورة التوقيع على الاتفاقية، لأنها تتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في مصر.

فكان رد السادات أن أمريكا وعدته بدعم الموقف المصري! وأنه لا يريد أن يشمت به رافضي المبادرة وأعداءها!

هنا قدم محمد إبراهيم كامل استقالته ولحق برفيقيه «الجمسي وإسماعيل فهمي».

ذكر ذلك كامل في مذكراته: وقع السادات في النهاية على ما لم يكن ليراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلاً. وتم توقيع معاهدة كامب ديفيد، في السابع عشر من سبتمبر عام 1978م.

هكذا تم توقيع الاتفاقية دون اعتبار للسيادة الوطنية وامتدادها الإستراتيجي، كل ذلك حتى يرضي كارتر، وكانت عبارة: «علشان خاطر كارتر» أكثر العبارات تردداً بين أعضاء الوفد المصري كلما اعترض معترض على أحد البنود، كما ذكر ذلك بطرس غالي نفسه.

رابعاً: التأثير على القضية الفلسطينية:

نجح الصهاينة وحلفاؤهم الأمريكان عبر الضغط على السادات في فك الارتباط بين المسار المصري والفلسطيني من الاتفاق، وتم تأجيل الفصل في قضية الضفة الغربية والأراضي المحتلة بعد هزيمة العرب في حرب يونيو 1967م بما فيها القدس المحتلة، والتركيز على الأراضي المصرية فقط وهي سيناء.

فكما أسلفنا وحكاه وزير الخارجية محمد كامل إبراهيم رفض فرض الأمريكان لمسودة اتفاقية وضعوها بالتشاور مع اليهود تستبعد تماماً أراضي 67.

كما وضح ذلك في كلمة بيجن أثناء حفل عشاء في القدس، رداً على تصريح وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل الذي أكد فيه على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

فقال بيجن: «وزير الخارجية المصري قدم لزيارتنا، جاء كضيف على بلدنا، يطلب منا التخلي عن جزء من عاصمتنا، تخيلوا أن أذهب إلى مصر وأطلب أن يتخلوا عن جزء من القاهرة!».

في حيفا استقبل المسئولون الصهاينة السادات في إحدى الزيارات الرسمية، قال السادات: «لن يكون هناك أبداً معاناة أو إراقة دماء»، حين قال بيجن: القدس عاصمة إسرائيل، وهي غير قابلة للتجزئة.

كتب بطرس غالي يقول: «مما لا شك فيه أنه بتحقيق المعاهدة، تم تهميش الفلسطينيين، فمصر ستحصل على السلام، بينما لن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم».

وبذلك تم الفصل التام بين المسارين حتى خاض الفلسطينيون بأنفسهم المفاوضات المتعلقة بفلسطين عبر أوسلو منذ 1991م حتى توقيع الاتفاق في 1993م، وبذلك نجح الصهاينة في تمزيق الوحدة في المفاوضات واستفردوا بكل دولة على حدة، ونجحوا في استغلال الجميع وفرض شروطهم ورؤيتهم للسلام.
وهكذا فرط النظام المصري في قضية العرب والمسلمين الأولى القضية الفلسطينية وقدموها لقمة سائغة للذئب الصهيوني، وفقد المصريون امتدادهم الأمني والسياسي والإستراتيجي وتحولوا إلى أطراف خارجية وإقليمية بعيداً عن القضة الفلسطينية التي كانت قضيتهم، وخاضوا من أجلها الحروب، أليس ذلك أكبر عدوان على سيادتهم الوطنية.

خامساً: تأثير الاتفاقية على عقيدة الجيش المصري:

ظل الكيان الصهيوني هو العدو الأول للجيوش العربية عامة والجيش المصري بصفة خاصة منذ بدايات العصابات الصهيونية واعتدائها على الأراضي الفلسطينية ثم احتلالها وإقامة كيان يحمل اسم دولتهم اللقيطة.

لكن بعد اتفاقية كامب ديفيد تبدل الحال وأصبح الكيان الصهيوني هو الصديق وأصبحت بلدان عربية كثيرة هي العدو، وأن الصهاينة أقرب لهم من إخوانهم العرب المسلمين.

حيث أشرفت أمريكا بنفسها على تدريب قيادات جديدة للجيش المصري تشربت بروح التسامح مع اليهود، وتغيرت العقيدة باعتبار الصهاينة العدو الأول.

وكذلك تم تحديد مساعدات عسكرية ومالية للجيش المصري تصل سنوياً من الأمريكان، وهي المساعدات المرتبطة بعملية السلام، والتي يصاحبها تقديم تنازلات أحياناً.

تطور الأمر إلى اعتبار أن الكيان الصهيوني أقرب إليهم من الفلسطينيين، وأن الجهاد الفلسطيني أكثر ما يؤلمهم ويدمر مصالحهم.

ثم في مرحلة لاحقة أصبح ما يسمى الإرهاب هو العدو الأول للجيش المصري.

عندما يتبدل الحال ويصير العدو صديقاً والصديق عدواً تحدث الكارثة على السيادة الوطنية، فلم تقف الاعتداءات اليهودية على الحدود المصرية والضرب بالطائرات بدون طيار في عمق سيناء. وهذا أكبر اعتداء على السيادة الوطنية.

سادساً: الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه:

مثلت اتفاقية كامب ديفيد اعترافاً كاملاً بالكيان الصهيوني، وأقرته على ما احتله من أراض قبل حرب 67، وأنها ملكه، وله الحق في إقامة دولته، وأن أراضي فلسطين التي تم احتلالها واغتصابها من قبل العصابات الصهيونية هي أراض ملك للصهاينة ولدولتهم المسخ.

وقد جاء ذلك تصريحاً من خلال مواد المعاهدة التالية:

«المادة الثانية:

إن الحدود الدائمة بين مصر وإسرائيل هي الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب كما هو واضح بالخريطة في الملحق الثاني وذلك دون المساس بما يتعلق بوضع قطاع غزة. ويقر الطرفان بأن هذه الحدود مصونة لا تمس ويتعهد كل منهما باحترام سلامة أراضي الطرف الآخر بما في ذلك مياهه الإقليمية ومجاله الجوي.

المادة الثالثة:

   يطبق الطرفان في ما بينهما أحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تحكم العلاقات بين الدول في وقت السلم، وبصفة خاصة:

أ- يقر الطرفان ويحترم كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي.

ب- يقر الطرفان ويحترم كل منهما حق الآخر في أن يعيش في سلام داخل حدوده الآمنة والمعترف بها.

جـ- يتعهد الطرفان بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها أحدهما ضد الآخر، على نحو مباشر أو غير مباشر، وبحل كافة المنازعات التي تنشأ بينهما بالوسائل السلمية.

   يتعهد كل طرف بأن يكفل عدم صدور فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو أفعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر.

كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر في أي مكان. كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة.

  يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع. كما يتعهد كل طرف بأن يكفل تمتع مواطني الطرف الآخر الخاضعين لاختصاصه القضائي بكافة الضمانات القانونية ويوضح البروتوكول الملحق بهذه المعاهدة (الملحق الثالث) الطريقة التي يتعهد الطرفان بمقتضاها بالتوصل إلى إقامة هذه العلاقات وذلك بالتوازي مع تنفيذ الأحكام الأخرى لهذه المعاهدة».

وبموجب هذه الاتفاقية تم وقف كل أسباب الصراع والحرب والاعتداء بين الطرفين وإقرارهم على ما احتلوه من أراضٍ فلسطينية، في جريمة لا يمكن استيعابها بأن تقر كياناً محتلاً على ما اغتصبه من أراض ليست ملكاً له، كل ذلك بإملاءات الغرب الذي فرض الكيان واقعاً ملموساً، والعرب لا يملكون من أمرهم شيئاً.

وتواصى بذلك كل القادة والمسؤولين والأتباع، حتى صار الاعتراف واحترام كامب ديفيد ديناً في رقبة الجميع، ولا يمكن أن يصل رئيس للحكم دون أن يعترف علانية باحترام كامب ديفيد.

وأنهت المعاهدة بذلك إمكانية قيام أي حرب بين الطرفين، حيث أعلن السادات بنفسه ذلك الأمر أن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب.

وترتب على ذلك حدوث تطبيع مع الكيان الصهيوني في المجالات السياسية والاقتصادية لكن على استحياء، ولولا الرفض الشعبي لصار تطبيعاً كاملاً، فلا يوجد أي مانع عند النظام السياسي.

وقد جاءت نتائج هذا التطبيع وبالاً على الواقع المصري سياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، فقد غاب تأثير دور مصر المحوري في العالم العربي، وقد تأثر الاقتصاد المصري جراء غزو الصهاينة لكثير من المجالات الاقتصادية المصرية وخاصة في مجال الزراعة، كما انتشرت المخدرات التي يتم تهريبها عبر سيناء من خلال حدود فلسطين المحتلة من قبل الصهاينة.

 المفاجأة كانت بعد عقد من الزمان أو يزيد قليلاً حيث حدثت الهرولة العربية باتجاه السلام مع الكيان الصهيوني، على خطى السادات بعد معاداته، حيث تم إبرام معاهدة أوسلو بين السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات والكيان الصهيوني عام 1993م، ثم اتفاقية وادي عربة مع المملكة الأردنية عام 1994م، وما تبعها من تطبيع وحدوث لقاءات مع مسؤولين، وقيام دول عربية أخرى بعمل علاقات سياسية واقتصادية مع الكيان الصهيوني.

وبذلك اخترق الكيان الصهيوني الوطن العربي من خلال أكبر دولة فيه، ففقد الكثير من قوته ومنعته، كما ضعف موقفه، وخسر كثيراً من قوته الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

وبذلك صارت الكيان الصهيوني صديقاً! برغم عدائه الشديد لكل ما هو عربي وإسلامي، وتم الاعتراف به والتطبيع معه، وفي ذلك تأثير على السيادة الوطنية، فقبول الدول بوجود هذا الكيان المعتدي على حدودهم هو اعتداء على سيادتهم وخصوصياتهم، وهو لا يفتر من الاعتداء على حدود هذه الدول.

سابعاً: الاعتداءات الصهيونية على سيناء:

لم تنجح اتفاقية كامب ديفيد في وقف الاعتداءات الصهيونية على سيناء، فقد تم رصد كثير من الضربات بطائرات بدون طيار وغيرها.

وتم استغلال وجود ما يعرف بتنظيم الدولة في سيناء بحيث مكن ذلك اليهود من القيام بغارات كثيرة على سيناء، في ظل سكون مطبق من الدولة المصرية، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها بداية 2018م عن قيام الطائرات الحربية الصهيونية بشن غارات على سيناء تحت زعم أنها استهدفت مواقع لتنظيم الدولة.

كما جاء في التقرير أن الغارات الصهيونية استمرت لمدة عامين على سيناء بطائرات بدون طيار وطائرات مروحية ومقاتلات بلغت أكثر من 100 غارة.

وهذا التقرير أكدته أيضاً شبكة بلومبرج الإخبارية الأمريكية وبعض الصحف الصهيونية.

فكيف تقبل دولة ذات سيادة مثل مصر قيام هذا الكيان باستهداف عناصر إجرامية على أراضيها! هذه الاعتداءات تمثل أكبر صور غياب السيادة الوطنية على جزء هام من الوطن، ولو جاء بتنسيق مسبق.

ثامناً: وجود قوات حفظ السلام الدولية على الحدود بين البلدين:

توجد قوات متعددة الجنسيات في سيناء كمراقبين لتحقيق بنود المعاهدة بين الطرفين، تم إعدادها عام 1982م كنتيجة ومقتضى لاتفاقية كامب ديفيد، ومقرها الجورة، وتدعمها أمريكا، وتقيم مكاتب اتصال وأبراج مراقبة وصل عددها 35 برجاً، ومراكز تفتيش على طول الشريط الحدودي شرق سيناء، والقوة تشمل 2000 جندي بالإضافة لـ15 مراقباً أمريكياً، لمراقبة تنفيذ البنود الأمنية في المعاهدة.

وقد نصت معاهدة كامب ديفيد على ذلك في المادة الرابعة:

«  بغية توفير الحد الأقصى للأمن لكلا الطرفين وذلك على أساس التبادل تقام ترتيبات أمن متفق عليها بما في ذلك مناطق محدودة التسليح في الأراضي المصرية والإسرائيلية وقوات أمم متحدة ومراقبين من الأمم المتحدة وهذه الترتيبات موضحة تفصيلاً من حيث الطبيعة والتوقيت في الملحق الأول وكذلك أية ترتيبات أمن أخرى قد يتفق عليها الطرفان.

   يتفق الطرفان على تمركز أفراد الأمم المتحدة في المناطق الموضحة بالملحق الأول ويتفق الطرفان على ألا يطالبا بسحب هؤلاء الأفراد وعلى أن سحب هؤلاء الأفراد لن يتم إلا بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بما في ذلك التصويت الإيجابي للأعضاء الخمسة الدائمين بالمجلس وذلك ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.

  تنشأ لجنة مشتركة لتسهيل تنفيذ هذه المعاهدة وفقاً لما هو منصوص عليه في الملحق الأول.

  يتم بناء على طلب أحد الطرفين إعادة النظر في ترتيبات الأمن المنصوص عليها في الفقرتين ١ - ٢ من المادة وتعديلها باتفاق الطرفين».

هذه القوات تتبع الأمم المتحدة، ولا سلطان للدولة المصرية عليها، وهي موجودة منذ ما يقرب من 40 عاماً، فهل توجد حاجة لها برغم مرور أربعة عقود على إنشائها؟!  والسؤال الأولى ألا يمثل وجود قوة عسكرية أجنبية، حتى كانت تابعة للأمم المتحدة، على الأراضي المصرية ألا يمثل هذا عدواناً على سيادة الأراضي المصرية؟!

بالطبع وجود أي قوة عسكرية أجنبية على أراضي دولة مهما كانت أهدافها وسماح الدولة بها يعد انتقاصاً للسيادة الوطنية.

وختاماً، فقد كانت اتفاقية كامب ديفيد وبالاً على الدول العربية عامة ومصر خاصة، وكانت اعتداءً مباشراً على سيادة الدولة المصرية واستقلالها السياسي ووضعها الاقتصادي والاجتماعي والأمني وغيره، فالكيان الصهيوني عدو متربص بنا ولن تنتهي عداوته لنا، وهم يصرحون بذلك علانية فلما التعامي عن ذلك.
ولقد استفاد الصهاينة أيما استفادة من هذه الاتفاقية في تفتيت الوحدة العربية والاستفراد بالدول والتأثير عليها وإضعافها والاعتداء على سيادتها واستقلالها وحريتها.

ولن يتوقف هذا الكيد والمكر والعداء حتى نتبع ملتهم، {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 210].