لسنا ممن يقول إن الهولوكوست، أي محرقة اليهود في ألمانيا النازية، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) أكذوبة أو أسطورة صهيونية محضة، وليس من العدل والإنصاف أصلاً نفي أو إنكار هذه الجريمة، فقد كانت هناك مجازر لليهود فعلاً خلال سنوات تلك الحرب، قامت بها حكومة ألمانيا النازية بزعامة هتلر، وذلك رداً على عمليات تجسس يهود ألمانيا وغيرها لصالح الحلفاء في تلك الحرب. ولكن الأكذوبة هي في التضخيم الأسطوري بل الخرافي لأعداد اليهود الذين لقوا حتفهم في تلك الفترة، حيث تزعم ترسانة الدعاية الصهيونية أنهم كانوا ستة ملايين يهودي، وأنهم قتلوا أو أحرقوا في أفران الغاز النازية، واعتبار هذه الجريمة حدثاً استثنائياً فريداً من نوعه في تلك الحرب، لا يمكن مقارنته أو تشبيهه، بالمذابح النازية التي راح ضحيتها أناس آخرون من غير اليهود، واستغلاله - إن لم يكن هدفاً ابتداءً - لتسويغ انتقال يهود العالم إلى أرض فلسطين.

ترسيخ الأسطورة:

ومع ذلك، فالمشكلة ليست هنا، إنما المشكلة في ترسيخ هذه الأسطورة من قبل ترسانة الدعاية الصهيونية تلك، وتدريسها في المدارس والجامعات الغربية، واستخدامها وسيلة لاستدرار العطف على اليهود، ولابتزاز حكومات الدول الغربية مادياً، ولاستصدار نصوص قانونية من هذه الحكومات تمنع إنكار أو دحض تلك المحرقة اليهودية، أو التشكيك فيها، أو تقديم رواية تاريخية أخرى حولها، تختلف عن الرواية الصهيونية الأسطورية ذائعة الصيت، وكأن هذه الرواية الصهيونية حقيقة مطلقة، وكأنها هي القول الفصل في هذه المسألة، والذي لا يقبل الجدال أو الشك، ومن ثم قمع وإرهاب كل من تسول له نفسه التشكيك في هذه الرواية الصهيونية، أو يحاول نقدها أو دحضها أو تفنيدها، من العلماء والباحثين والمفكرين الشرفاء، واتهامه بتزوير التاريخ، والولاء لهتلر، أو بمعاداة السامية، بدافع العنصرية والتعصب ضد اليهود، حيث تتم ملاحقته قضائياً ومحاكمته، على أساس تلك النصوص القانونية، التي أصدرتها دول أوربا نتيجة لضغوط الصهيونية العالمية عليها، حتى ولو كان هذا العالم أو الباحث أو المفكر أمريكياً أو أوربياً، وغالباً ما تنتهي تلك المحاكمة بإدانته، وإذلاله، وتغريمه مئات الآلاف من الدولارات، وربما سجنه، أو تهميشه وإقصاؤه من الواجهة، وإنهاء دوره العلمي أو الأكاديمي، الأمر الذي يعني تصفيته معنوياً، وذلك حتى يكون عبرةّ لغيره من العلماء والباحثين والمفكرين، وأيضاً لكتم وإخماد أنفاس الحقيقة، وكذا لمزيد من ترسيخ تلك الأسطورة[1]. على أن الهدف الحقيقي من كل ذلك هو في نهاية المطاف إرهاب العلماء والباحثين والمفكرين، وتكميم أفواههم عن استنكار وإدانة الجرائم التي ترتكب في فلسطين والدول العربية من قبل الكيان الصهيوني، هذا الكيان الغريب والدخيل على المنطقة والذي قام أساساً على الأساطير والأكاذيب، كما هو معروف. والملفت للنظر، والجدير بالتأمل، أن تلك المحاكمات حدثت وتحدث على حساب حرية التعبير، وحرية الرأي، وعلى حساب حرية البحث العلمي والأكاديمي، تلك الحريات التي تزايد عليها الحكومات الغربية وتتفاخر بها ليلاً ونهاراً، وتدعي أنها حريات مقدسة. ومن هؤلاء العلماء والباحثين والمفكرين الشرفاء، على سبيل المثال، الذين تعرضوا لمحاكمة من هذا القبيل، المفكر والفيلسوف الفرنسي الذي اعتنق الإسلام، روجيه جارودي، فقد حوكم وتعرض لمضايقات كثيرة، بسبب تفنيده وفضحه للمزاعم والأكاذيب الصهيونية حول هذه المحرقة اليهودية، سواء في كتابه «ملف إسرائيل»، أو في كتابه الآخر «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية». ومن أواخر تلك المحاكمات القمعية والمثيرة للجدل، والتي تقف خلفها الصهيونية العالمية وجماعات الضغط اليهودية، محاكمة المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينغ البالغ من العمر 67 عاماً، في النمسا، والحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، في فبراير 2006م، لكونه كسر القاعدة وتجرأ على التشكيك في مجريات محرقة اليهود وغرف الغاز النازية في ألمانيا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وأشار إلى أنه بولغ فيها كثيراً، وذلك من خلال كتبه ومحاضراته[2].

تهمة معاداة السامية:

تهمة جاهزة يتهم بها الصهاينة أيضاً كل من تعرض للمحرقة الصهيونية الإجرامية للفلسطينيين، والتي تعتبر الهولوكوست الحقيقي، أي الإبادة الكاملة، بالمفهوم الصهيوني، والمستمرة منذ ولادة هذا الكيان اللقيط عام 1948م، بتواطؤ فاضح من الحكومات الغربية، وعلى رأسها الحكومة الأمريكية، وذلك نتيجة لجهل المجتمع الأمريكي وتحيزه الثقافي إلى جانب اليهود، لأسباب دينية وتاريخية وسياسية، من جهة، ونتيجة لنشاط قوى اليمين المسيحي المتصهين، وجماعات الضغط اليهودية، التي تعمل هناك لصالح الكيان الصهيوني، ولدعم سياساته وأنشطته التوسعية، تلك القوى والجماعات المتغلغلة في دوائر الدولة الأمريكية الحيوية، وفي أجهزة الإعلام على أعلى مستوياته، والتي تتسم بالتنظيم القوي وشدة التصميم، وتتوفر على الإمكانات الضخمة، التي تسمح لها بالمضي قدماً في هذا النشاط، من جهة أخرى. لدرجة أن الحكومات الغربية، تقصر معاداة السامية على اليهود فقط، وكأنهم وحدهم أبناء سام بن نوح، المعصومة دماؤهم، والذين يستحقون التعاطف والعيش في أمان وسلام واستقرار، والتمتع بحقهم في الحياة دون أي منغصات أو قلق، مع النظر إليهم على أساس أنهم الناس الطيبون، الواعون، المثابرون، وإلى إسرائيل على أنها دولة العلم، والتطور، والتقنية، والديمقراطية، وعلى أنها الامتداد للغرب وحضارته وقيمه في عالم يعج بالتخلف والجهل والبدائية والتعصب، وهو العالم العربي والإسلامي. ولذلك فإن تلك الحكومات الغربية تغض الطرف عن كل الجرائم والأعمال الإرهابية التي ارتكبت أو لا تزال ترتكب في حق العرب بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام، في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، وسوريا، ولبنان، والبوسنا والهرسك، وإقليم كوسوفا، وألبانيا، وبورما، والهند، وتركستان الشرقية، والصومال، والشيشان، وفي الكثير من البلدان الإفريقية، ذات الأغلبية النصرانية والأقلية المسلمة، مثل جمهورية إفريقيا الوسطى وتنزانيا وأوغندا، على سبيل المثال، بل حتى البلدان الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة، مثل نيجيريا، هذا البلد القارة في وسط غرب إفريقيا، ذو الحضور الإسلامي الكثيف، والغني بإمكاناته المادية، وبخاصة النفط، والذي تهيمن عليه وتتحكم في مقدراته الأقلية النصرانية الحاقدة، وتمارس فيه أبشع صنوف الجرائم ضد الأغلبية المسلمة. بل وحتى منظمات وجمعيات حقوق الإنسان الغربية، المتخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان، والتي تدعي الاستقلالية والنزاهة في ممارسة أنشطتها، والعمل بعيداً عن تدخل وهيمنة الحكومات الغربية، تلتزم الصمت أحياناً، أو تتخذ أحياناً أخرى، وفي أحسن الأحوال، مواقف خجولة، إزاء جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بحق المسلمين، سواء من قبل الحكومات الغربية، أو غيرها من الحكومات، وبخاصة الجرائم الصهيونية، خوفاً من اتهامها بمعاداة السامية، وغالباً ما يقتصر دور هذه الجمعيات والمنظمات إزاء الجرائم التي ترتكب بحق المسلمين على إحصاء أعداد القتلى والجرحى والمشردين والسجناء، أو إصدار التقارير الجوفاء تعبيراً عن قلقها، من هذه الجريمة أو تلك، أو للمطالبة بإجراء تحقيق حولها، وذلك لذر الرماد في العيون، أو لكي لا يقال عنها أنها تطبق سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين، أو حتى لغرض ممارسة الضغط على الأنظمة الخارجة عن هيمنة ووصاية الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية، والتشهير بها إعلامياً في المجتمع الدولي.

سياسة الكيل بمكيالين الغربية:

الجرائم والأعمال الإرهابية التي ارتكبت أو لا تزال ترتكب بحق المسلمين في هذه البلدان الإسلامية وغير الإسلامية ستظل شاخصة مدى الحياة، وشاهدة على نفاق تلك الحكومات الغربية، وازدواج المعايير لديها، وسياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها، في ما يسمى «مكافحة الإرهاب»، وفي ما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وفي مقدمة تلك الحكومات الغربية حكومة الولايات المتحدة، هذه الأخيرة التي تعتبر أكبر دولة تمارس الإرهاب في العالم، ومع ذلك فهي تنتهز أي فرصة، وأي مناسبة للتباكي على محرقة اليهود المزعومة، مرددة ما جاء في الأسطوانة الصهيونية المشروخة حول هذه المحرقة، وتتجاهل في الوقت نفسه الجرائم الحية ضد المسلمين في أنحاء العالم. فالمسلمون أينما كانوا لا بواكي لهم، ولا ينادي بحقوقهم أحد، وكأنهم ليسوا بشراً لهم حقوق، بل إن مسئولي هذه الحكومات الغربية، كما قال صحفي تونسي، إبّان حرب تدمير العراق عام 1992م: «يبكون على طائر ملوث بالنفط ويتجاهلون الأشلاء الممزقة لأطفال العراق». مع إظهار العرب في وسائل الأعلام المختلفة، الخاصة والعامة، في أقبح الصور وأشنعها، ونعتهم بأقذر النعوت، كالتعصب، ومعاداة اليهود، والتخلف، والمكر، والكذب، والكسل، والخداع، والشبق الجنسي، وحب العنف، والجبن، والفساد الأخلاقي، وغير ذلك من الصفات السلبية[3]. حتى النبي # لم يسلم من حملات التشويه والإساءة تلك، تارة عن طريق الرسوم الكاريكاتورية في الصحف والمجلات، وتارة عن طريق الأعمال الدرامية في السينما، وتبرير ذلك، من قبل الحكومات الغربية بأنه يدخل في نطاق حرية الرأي، وحرية الإعلام. والمثير للاستغراب والدهشة حقاً أنه حتى الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية، التي تعمل لإطعام الجائع، وكسوة العاري، وعلاج المريض، وكفالة اليتيم، وإيواء المشرد، دخلت في دائرة الإرهاب عند الحكومات الغربية، وتم حظرها ومنعها من مواصلة العمل، أو تلقي الدعم، بدعوى تجفيف منابع الإرهاب، وبخاصة بعد هجمات نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001م، وتلك الجمعيات تحارب الآن بكل سلاح، ويصد عن سبيلها، بمختلف الوسائل، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً، هذا في الوقت الذي تقوم فيه الحكومات الغربية بإطلاق الحرية لمنظمات التنصير الداخلية والخارجية، بمختلف الكنائس التي تتبعها، لممارسة أنشطتها الهدامة، في جميع البلدان الإسلامية[4]، والتدخل في شئونها الداخلية، وإن نسينا فلن ننسى طوابير المنصرين التي دخلت أفغانستان والعراق خلف القوات الأمريكية في 2002 و2003م، ودور الكنائس الغربية في فصل جنوب السودان عن السودان، وفصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا، وما تقوم به هذه الكنائس حالياً في مناطق البربر بشمال إفريقيا لفصلها عن المغرب والجزائر، وفي كردستان العراق، لفصلها عن العراق، وما تقوم به هذه الكنائس من دور تبشيري واسع النطاق، ودور سياسي متزايد في إفريقيا، ومن تحريض على قتل المسلمين فيها، في ظل صمت غربي رسمي مطبق.

محرقة العصر الصهيونية للفلسطينيين:

نقف قليلاً هاهنا عند موقف الحكومات الغربية، من جريمة واحدة، والتي تعد جريمة العصر الحاضر بامتياز، ألا وهي جريمة اغتصاب فلسطين، من قبل الصهاينة شذاذ الآفاق والمجلوبين من أوربا الشرقية وروسيا ومن شتى بقاع الدنيا، وارتكابهم لأبشع المذابح ضد أهلها، وتشريدهم منها، وسحق إنسانية من تبقى منهم في أرضه ولم يحمل عصاه ويرحل، إن لم يكن ذلك قد حدث ويحدث، بدعم ومباركة تلك الحكومات الغربية، وبخاصة الحكومتين البريطانية والأمريكية، تلك الحكومات التي لا تميز بين إرهاب الصهاينة المحتلين المغتصبين المنظم والممنهج ضد الفلسطينيين، وبين مقاومة الفلسطينيين لمن يحتل أرضهم وديارهم وينتهك حرمة أعراضهم ومقدساتهم، ولإرهابه الأسود الموجه ضدهم. بل تتعمد وسائل الإعلام الغربية، وفي مقدمتها وسائل الإعلام الأمريكية، نعت المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والعنف والتطرف، وتعمل على تقديم الفلسطينيين للمجتمع الأمريكي والغربي على أنهم إرهابيون، ومتمردون، ومتطرفون، وعصابات إجرامية، ولدرجة أن الحكومات الغربية، عملت على تجريم، حركتي حماس والجهاد وكل الفصائل الإسلامية والوطنية، التي تقاوم الطاغوت الصهيوني وغطرسته وصلفه، وممارساته الإرهابية، التي لا يعرف التاريخ لها مثيلاً، من قبل. هذا الطاغوت الفرعوني الجديد، المدجج بأقوى ترسانة سلاح على وجه الأرض، بما فيها ترسانة أسلحة الأسلحة النووية المحرمة دولياً[5]، والذي يمارس سياسة الأرض المحروقة في فلسطين بشهية مفرطة، فيسفك الدماء، ويزهق الأرواح، دون هوادة أو رحمة، ودون مبالاة، ويخرّب المساجد ويدنسها، ويعتقل الصغير والكبير، والمرأة والطفل والشيخ، ويدمر الحجر والشجر، والعامر والدامر، والأخضر واليابس، وبصورة ممنهجة ومنظمة، غير عابئ بالقانون الدولي، وقوانين حقوق الإنسان، وعلاوة على ذلك يعمل على تطويق البلدات الفلسطينية بالمستوطنات من جميع الجهات، وبجدار الفصل العنصري المعروف بالجدار العازل[6]، وذلك لخنق من تبقى من الفلسطينيين العزل في تلك البلدات، أو لإجبارهم على النزوح من أرضهم وديارهم، وتشتيت شملهم في مخيمات اللجوء البائسة في الدول المجاورة. ولم تكتف الحكومات الغربية بذلك، بل قامت بإدراج حركات وفصائل المقاومة الفلسطينية الإسلامية والوطنية، على لوائح الإرهاب، وحالت بينها وبين الاتصال بأي دولة عربية أو إسلامية، أو تلقي الدعم منها، فيما عدا إيران الخمينية، وذلك لتشويه صورة تلك الحركات المقاومة، وإحراق صورتها في أعين المسلمين، لكون النظام الإيراني الكهنوتي، شريكاً أساسياً في المؤامرات الغربية على بلاد المسلمين، وفي الجرائم التي يرتكبها الغرب الصليبي ضد المسلمين في كثير من البلدان الإسلامية، فلولا نظام ولاية الفقيه الكهنوتي في طهران ما سقطت كابول في أيدي الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002م، ولولاه أيضاً لما سقطت بغداد في أيديهم سنة 2003م[7]، وهو ما يفتخر به المسئولون والقادة الإيرانيون، السياسيون والعسكريون، وهذا وغيره قد صار معلوماً للخاصة والعامة، من المسلمين، اللهم إلا المنافقين والانتهازيين والمارقين والأدنياء، وعديمي الشرف، ومن أعمى الله بصره وبصيرته عن رؤية الحق ومعرفة الحقيقة.

أمريكا ودعم الغطرسة الصهيونية:

قامت أمريكا على أنقاض شعوب الأرض الأصليين بعد ارتكاب الأوربيين مجازر إبادة جماعية في حقلهم. لذا فليس مستغرباً أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تسكت عن محرقة العصر هذه، وهي محرقة الفلسطينيين على أيدي اليهود الصهاينة، إن لم تكن مشاركة فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتسخر جزءاً كبيراً من وقتها وجهدها وإمكانياتها السياسية والدبلوماسية والإعلامية، للدفاع عن جرائم الكيان الصهيوني في المحافل الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، وترى أن الصهاينة مساكين، وضحايا، ومظلومون، وأنهم يدافعون عن أنفسهم وحياتهم وقيمهم ومستقبلهم، أمام هؤلاء الفلسطينيين الأوغاد، القتلة، المتوحشين اليائسين، والمجردين من القيم الدينية والخلقية، والذين لا يملكون شيئاً، إلا أنفسهم يفجرونها في أولئك اليهود المساكين المسالمين. وانتصاراً للدولة الصهيونية اللقيطة، وسياساتها الإجرامية، واعتداءاتها المتواصلة على الفلسطينيين والدول العربية المجاورة، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بعرقلة تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الصادر عام 1967م والقاضي بانسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي العربية التي احتلها في ذلك العام، وهي القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وهضبة الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية، والقاضي أيضاً بعدم جواز اكتساب أراضي الغير بالقوة، أو عن طريق الحرب. ومنذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ومع صعود نجم التيار اليميني المسيحي المتصهين[8]، وسيطرته على سياسة الحزب الجمهوري، وذلك في عهد الرئيس رونالد ريجن (1982-1988م)، لجأت الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض ضد أي مشروع قرار يطرح للتصويت في مجلس الأمن الدولي، يدين الكيان الصهيوني، لإقامته مستعمرات استيطانية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، أو لارتكابه جرائم حرب ضد الفلسطينيين أو اللبنانيين، أو لمحاولاته تهويد مدينة القدس، وطمس معالمها العربية والإسلامية، أو لممارساته الإرهابية الأخرى، وعلى رأسها سياسة الاغتيالات التي يمارسها ضد خصومه، سواء في فلسطين أو خارج فلسطين. بل إن الولايات المتحدة مستمرة حتى الآن في منع مجلس الأمن الدولي من إدانة الجرائم الإرهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين وتواصل في الوقت نفسه دعم الكيان الصهيوني بأحدث الأسلحة الفتاكة، لضمان استمرار تفوقه العسكري في المنطقة، ولكي يستمر في سياساته الإجرامية ضد الفلسطينيين والعرب، ولتشجيعه على العربدة، والتهام المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية. وقد وصل الدعم الأمريكي السياسي والمادي والمعنوي للغطرسة الصهيونية، إلى ذروته في عهد الرئيس الأمريكي اليميني الحالي غريب الأطوار ترمب، صاحب قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في مايو الماضي[9]، في تحدٍ سافر للعرب والمسلمين، واستفزاز صارخ وجارح لمشاعرهم الدينية. وبجانب ذلك تمارس الإدارة الأمريكية عمليات ابتزاز ضخمة ضد البلدان العربية النفطية، لإفقارها واستنزافها مادياً، والحيلولة بينها وبين تحقيق عمليات التنمية الشاملة، التي تسعى لتحقيقها من جهة، وإضعافها عن التصدي للأخطار الداهمة المحدقة بها، وعلى رأس تلك الأخطار، الخطر الصهيوني في فلسطين، والخطر الإيراني الرافضي في الشرق، والخطر الروسي الصليبي في الشام، من جهة أخرى.

 


 


[1] للمزيد حول هذا الموضوع انظر: عبد الله بن ناصر الحديب، الهولوكوست وآراء المنصفين (مقال)، مجلة الرافد ، الصادرة عن دائرة الإعلام بالشارقة، العدد 65، يناير 2002م، ص56-59.

[2] انظر، برنامج ما وراء الخبر، حلقة من تقديم محمد كريشان بعنوان، سجن مؤرخ بريطاني لتشكيكه بالهولوكوست، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 23/6/2006م، رابط:

http://www.aljazeera.net/programs/behindthenews   .

[3] للمزيد حول هذا الموضوع انظر: أدمون غريب، الإعلام الأمريكي والعرب، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 260، أكتوبر 2000م، ص71-82.

[4] للمزيد حول هذا الموضوع انظر ، على سبيل المثال، ديفيد فان بيما، صوت الإنجيل في بلاد المسلمين، مجلة تايم الأمريكية، والذي تم تعريبه وإعادة نشره في مجلة المستقبل، الصادرة عن الندوة العالمية للشباب الإسلامي، العدد 154 صفر 1425هـ/ أبريل 2004م، ص28- 33.

[5] وهي تتبنى إستراتيجيتها في السلاح النووي على أساس قاعدة التفرد، ومن ثم فهي لم تطق وجود مفاعل نووي عربي في العراق ولو سلمياً، فقامت بتدميره بالكامل عام 1981م قبيل تشغيله مباشرة، بعدما قتلت العالم النووي المصري الدكتور يحيى المشد الذي ساهم بخبراته في إنشاء المفاعل النووي العراقي. الدكتور فوزي حماد في مقابلة أجرتها مجلة المستقبل، التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي، العدد 154 صفر 1425هـ/ أبريل 2004م، ص19.

[6] حول هذا الجدار والمأساة الإضافية المروعة التي يسببها للفلسطينيين، انظر، زها حسن وستيفن غولدبرغ، الجدار الإسرائيلي العازل: تحليل لسلامته القانونية بمقتضى القانونين الأمريكي والدولي، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 298م، ديسمبر 2003م، ص69- 77.

[7] تناولنا هذا وغيره بصورة شاملة في دراسة بعنوان: إيران وأمريكا عداء في الظاهر وصفقات في الباطن، منشورة في موقع البينة الإلكتروني، 6 ربيع الأول 1430هـ/ 2 مارس 2009م، رابط:

http://www.albainah.net/Index.aspx?function=Item&id=27048&lang=.

[8] للمزيد حول خلفيات وأولويات وأهداف هذا التيار وطبيعة علاقته باليهود والكيان الصهيوني ومعركة هرمجدون، انظر: جريس هالسل، النبوءة والسياسة: الإنجيليون العسكريون في الطريق إلى الحرب النووية، ترجمة محمد السماك، دار الشروق، بيروت، ط1 1418هـ/ 1998م، ط2 1424هـ/ 2003م.

[9] حول حيثيات ودوافع وأبعاد هذا القرار انظر: أحمد الظرافي، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس انتصار لمن؟ موقع مجلة البيان الإلكتروني، 23/6/2018م، رابط:

http://www.albayan.co.uk/Article2.aspx?id=6280 .