قال الفريابي: قال لي سفيان الثوري يوماً، وقد اجتمع الناس عليه: «يا محمد، ترى هؤلاء ما أكثرهم، ثلث يموتون، وثلث يتركون هذا الذي تسمعونه، ومن الثلث الآخر ما أقلَّ من يَنجُب»[1].

لقد كانت عواصم الإسلام زاخرة بمجالس الحديث وحلقاته، إذ كان يمثل الاشتغال بحفظ الحديث وروايته وسماعه وجمعه طفرة علمية في تلك العواصم، لاسيما في بلاد العراق، الأمر الذي نظر له البعض بعين الإعجاب والغبطة، فكانوا يُسرُّون لما يرونه من هذا الإقبال على سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

لكن أصحاب النظرة الثاقبة والبصيرة الناقدة لم تكن نظرتهم إلى ذلك سوى كونه ظاهرة مؤقتة تخفت فيما بعد، ومن هؤلاء أمير المؤمنين في الحديث الإمام سفيان الثوري رحمه الله. ولهذا لما رأى إعجاب بعضهم بهذا التجمهر في سبيل طلب الحديث قال مقولته تلك، وهوَّن من هذه الظاهرة معللاً بمعادلة النمو التعليمي في حينها، ومنوِّهاً بالنظر في الأمر من زوايا أخرى: الموت، وتسرب الطلاب، وقلة النابغين والنجباء. ومثل هذه المعادلة أو قريب منها تحدث عنها غيره من محدثي عصره! إنها دعوة ثورية إلى عدم الاغترار بالإقبال الغفير نحو الأماكن المزدحمة!

ولو سلطنا الضوء على هذه المعادلة التي سكَّها أمير المؤمنين في الحديث لوجدنا أنه أحال كتلة الإخفاق الغالبة عليها - من حيث الكم - إلى ثلاثة عناصر: الظروف القاهرة مثل الموت، وانحراف بوصلة الميول الشخصية عن مسار علم الحديث وملكاته ومهاراته مما يفضي بالطلاب إلى تسربهم من حلقاته ومجالسه، وضعف القدرات التحصيلية والمهارية التي تؤدي إلى الإخفاق وعدم النبوغ مع كثرة المذاكرة وبذل الجهد في سبيل التعلُّم.

أما الموت ونحوه من الظروف القاهرة فهي محض قدر لا نستطيع التحكم في مجرياته، لقد مات المحدثون، وطلبة العلم، والقادة الشجعان، والفضلاء، والنبلاء.. بل مات الرسل والأنبياء، ولكننا بالتأكيد نستطيع أنْ نقدم بعض التقنيات لمنع الإخفاق الناتج عن انحراف بوصلة الميول الشخصية وضعف القدرات التحصيلية والمهارية، لمنع الهدر الهائل الذي يقع في محاضن التربية وحلقات التعليم، الهدر في الطاقات والأموال والجهود، وللحصول على نتائج أكثر إيجابية.

ألهاكم التكاثر:

التقويم ذو المعايير غير الصادقة للاحتياج الميداني والميول الشخصية والقدرات الذاتية هو بداية الإخفاق في المشاريع الكبرى، التقدير الذي تغلب عليه العاطفة، ويسيره العقل الجمعي، ويتأثر بحملات التسويق المقصودة وغير المقصودة؛ إنه يخفض من قيمة المعايرة ويقلل من أهمية الميزان القسط، فتنطلق مشاريع وتبنى لها قصور المديح وبروج الثناء، ثم يفجؤنا تاريخ هذه المشاريع بقلة الإنتاج والإخفاق في النتائج.

أما حين تكون معايير التقويم على درجة عالية من المصداقية والموضوعية فإنها تهدي - بإذن الله - إلى ما هو أصوب وأحسن وأفضل، بعيداً عن التقدير العاطفي للأمور وبعيداً عن سياط العقل الجمعي وحملات التسويق، ولذلك وقف شيخ الإسلام ابن تيمية في وجه التيار العلمي في زمنه، ثم انعطف عنه متخذاً مساراً علمياً آخر؛ كانت الأمة أشد حاجة إليه، ولم يتأثر بسطوة التيار ولا بضجيج الزحام، فكانت له تواليف وتصانيف مختلفة، جاءت على غير النسق العام في وقته، قال الحافظ عمر البزار: «ولقد أكثر رضي الله عنه التصنيف في الأصول فضلاً عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمستُ منه تأليفَ نصٍّ في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرُها قريب، ومن قلَّد المسلمُ فيها أحدَ العلماء المقلَّدين جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة والقائلين بوحدة الوجود والدهرية والقدرية والنصيرية والجهمية والحلولية والمعطلة والمجسمة والمشبهة والراوندية والكلابية والسليمية وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأَزِمَّة الضلال، وبان لي أنَّ كثيراً منهم إنما قصَدَ إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العلية على كل دين، وأنَّ جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قلَّ أنْ سمعتُ أو رأيت مُعرِضاً عن الكتاب والسنة مقبلاً على مقالاتهم إلا وقد تزندق أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده.

فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم وأضاليلهم أنْ يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويزيِّف دلائلهم ذباً عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجلية»[2].

نحن في مشاريعنا التربوية والدعوية أشد ما نكون حاجةً إلى نصب ميزانٍ قسط صادق المعايير غير متأثر بالضجيج، يساعدنا في تقويم أهدافنا وغاياتنا التربوية والتعليمية حتى لا نقع في فخ التكاثر الملهي عن الحقائق.

وبلا شك سيكون للدراسات الميدانية المتجردة تأثير إيجابي بالغ في معايرة هذا الميزان، من خلال تقديم الحقائق والآراء التي تصف الواقع وتحلله.

الانطلاق من الذات:

انطلق ابن تيمية في بناء رؤيته العلمية الإصلاحية من منطلقين اثنين: حاجة الناس، وقدراته الذاتية. لقد كوَّن منهما خط عملٍ علمي إصلاحي، غير عابئ بسطوة الكثرة الملهية.

كما أنَّ سفيان الثوري أشار إلى أمرين ذاتيين لهما كبير الأثر في قلة الإنتاج: ضعف الميل الذاتي نحو هذا الفن، وضعف القدرات الذاتية لاستيعابه. ومدى انسجام الذات مع البرنامج التربوي هو عقدة الحبل في نجاح الفكرة.

وإنَّ أول ما يجب علينا ونحن نوجِّه الشباب نحو برامج التربية والدعوة أنْ نتحقق من تفسير ذواتهم وتحليل شخصياتهم وفهم ميولهم وتحديد قدراتهم، وهذا ما يجيب على سؤال المربي: منْ هم طلابي؟ وستمثل هذه الإجابة نقطة الانطلاق في التوجيه نحو المناسب من البرامج والمشاريع، وبداية الانسجام المفضي إلى النجاح.

وهذه الخطوة ليست من ترف التربية وليست من ثانويات المطالب التربوية، إنها تحتل الصدارة في قائمة المهام الواجبة على المربي. في أول لقاء جمع زيد بن ثابت رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم  وهو غلام لما يبلغ الحلم؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «تعلمْ لي كتاب يهود»[3]، أيْ إنه صلى الله عليه وسلم  منذ اللقاء الأول بزيد بن ثابت تمكن من معرفة قدراته فوجهه إلى مشاريع ينسجم معها ويحقق فيها أعلى درجات النجاح، فتعلم زيد لغة اليهود وأتقنها في نصف شهر فقط، وكانت الانطلاقة! فتعلم اللغة الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوماً، وتعلم الحبشية والرومية والقبطية من خُدَّام رسول الله صلى الله عليه وسلم [4].

أما ابن مسعود رضي الله عنه فهو كذلك، في أول لقاء يجمعه بالنبي صلى الله عليه وسلم  يقول له: «إنك غلام معلَّم». قال ابن مسعود عقب روايته هذه: «فأخذت من فِيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد»[5]. وقوله صلى الله عليه وسلم : «معلَّم» يعني: ملهَم للصواب والخير[6]. وحتى ندرك أهمية هذا التوصيف النبوي علينا أنْ نعلم أثر ابن مسعود في حفظ القرآن وتفسيره وفقه أحكامه، إذ تمثل مدرسته عموداً في فقه الأحكام وتفسير القرآن.

وهنا ملاحظة مهمة ينبغي التركيز عليها، ودراستها بعناية، والسعي في ترجمتها عملياً في محاضن التربية، وهي أنَّ طريقة النبي صلى الله عليه وسلم  في تربية أصحابه ليست طريقة سلبية: تَسلِب الطالبَ شخصيتَه وقواه وقدراته وعقله فيكون بلا شخصية تميزه عن غيره، أو بلا شخصية تعبِّر عما في ذاته من العناصر المكونة لهذه الشخصية، فهو رقم ضمن الأرقام الكثيرة ونسخة بين النسخ المرصوصة على الرف. كلا! بل طريقته صلى الله عليه وسلم  أنْ يجعل العمل والإنتاج أساساً ومنطلقاً لتربية الفرد على الإسلام وقيمه وأحكامه ومفاهيمه، فالفرد ليس مُتلقياً فحسب، بل هو عضو في مجموعة عمل وهو مسؤول عن تسخير قدراته في خدمة الإسلام، والجميع يقدمون جهوداً، متنوعة لكنها مما تنسجم فيها ذواتهم فينتجون ويبدعون، وفي ذات الوقت يتربون!

والمقصود أنَّ الانطلاق في بناء البرامج والمشاريع التربوية لا تحدده رغبات مجالس الإدارات، وإنما تحدده شخصيات الشباب واتجاهاتهم وميولهم. وهذا هو الذي يصنع رجالاً يستطيعون أنْ يبنوا المستقبل بما يحملونه من منهج الإسلام. وهذا سيجعل مجالات العمل التربوي متنوعة ومتكاثرة، قادرة على استيعاب الكثير من الشباب، بعد أنْ أصبحت الشكوى تتزايد من تسربهم من محاضن التربية، وتأمل قول سفيان الثوري مرة أخرى.

وذلك يتطلب أشكالاً وألواناً جديدة من البرامج والمشاريع  والبيئات؛ تولدها الأفكار الإبداعية.

 


 


[1] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/170.

[2] الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص33.

[3] سير أعلام النبلاء 2/428.

[4] البداية والنهاية 8/28.

[5] الطبقات الكبرى 3/139.

[6] النهاية في غريب الحديث 3/292.