إن الاحتساب هو القطب الأعظم في الدين، وهو وظيفة الرسل عليهم السلام، ولو طوي بساطه، لاضمحلت الديانة، وظهر الفساد، وخربت البلاد‏، وفتن العباد.

ومن أجل القيام بهذا الواجب على الوجه المشروع، جاءت الآيات تعرض هدي الرسل عليهم السلام والمصلحين في أداء شعيرة الاحتساب؛ لتكون نبراساً للغيورين، ولتصون هذه الشعيرة من التشدد والإهمال.

وإن هذه النماذج الربانية الرائعة التي خلدها القرآن الكريم، تستحق الوقوف على كل مفاصل حياتها؛ وذلك لبيان أثر الإيمان وقوة الاعتقاد في رفع راية دين الله، ومن تلك القدوات الاحتسابية ذلكم الرجل المؤمن من آل فرعون، كما تناولت قصته في الاحتساب طائفة من الآيات الكريمة من سورة غافر، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ 26 وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْـحِسَابِ 27 وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 26 - 28]، وسنتطرق لأهم الجوانب الاحتسابية المستفادة من قصة مؤمن آل فرعون، ومن ذلك ما يأتي:

1- جرأة المحتسب في الحق: ذلك يظهر جلياً في قصة مؤمن آل فرعون، وذلك حينما حان موعد الصدع بالحق، فذلك الرجل المؤمن لم يأبه بفرعون وجبروته، ولم يثنه تهديد فرعون لموسى عليه السلام بالقتل من أن يدافع عن الحق بكل شجاعة.

وعليه فإن الثمرة الاحتسابية هنا تتمثل في نبذ الجبن، والدفاع عن الحق، وعدم مداهنة الظلمة، أو إعانتهم على ظلمهم، وأن يقف المحتسب دائماً في جانب الحق وأهله مهما كانت النتائج.

2- استخدام المحتسب الخطاب العقلي: وذلك ما توضحه هذه القصة من استخدام مؤمن آل فرعون العقل في المفاضلة بين الأشياء، حيث أظهر الفارق بين الدنيا الفانية والآخرة الباقية، وبين جزاء الطائع وجزاء المخطئ، وبين دعوته إياهم إلى عبادة الله، وهذا ما يؤدي بهم إلى الجنة، وبين دعوتهم إياه للكفر بالله، وهذا ما يؤدي إلى جهنم.

 والخطاب العقلي ضروري للمحتسب في مجتمعاتنا المعاصرة، وذلك لإقناع الملاحدة والعلمانيين والمستغربين، ومع اتساع رقعة الانحرافات، يحتاج المحتسب إلى الخطاب المنطقي، والجدال، وسوق المقدمات، وسرد الحجج المجردة من النص لمزيد الإقناع.

 وتتمثل الثمرة الاحتسابية هنا في ضرورة استخدام المحتسب تحكيم العقل في المفاضلة بين الأمور، وأن يخضع الأشياء للتحليل بطريقة موضوعية.

3- تهديد الدعاة بالقتل أسلوب قديم متجدد للطغاة: ظهر هذا الأمر جلياً في تهديد فرعون لموسى عليه السلام بالقتل، كما في قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]، ولذا يتعين على المحتسبين في زماننا أن لا يتعجبوا من تهديد الظلمة لهم بالقتل أو بالحبس أو بالتعذيب الجسدي أو بمصادرة الأموال، فكل هذا من أساليب الطغاة في القديم والحديث، والواجب على المحتسبين أن يأخذوا الحذر المشروع من أعداء الدعوة.

4- غرس معاني الإيمان في نفوس المدعوين: ظهر هذا جلياً في وصف الله سبحانه وتعالى لهذا الرجل بالإيمان، كما في قوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ} [غافر: 28]؛ إذ الإيمان يدفع صاحبه إلى دعوة الناس للحق، فعلى المحتسبين اليوم أن يعمقوا معاني الإيمان في من يدعونهم؛ حتى يكونوا صالحين مصلحين.

5- استغلال الصلة بأصحاب القرار لمصلحة الاحتساب: للمحتسب أن يستغل صلته بأصحاب السلطة لمصلحة الحسبة والمحتسبين، كما استغل مؤمن آل فرعون صلته بالأسرة الحاكمة؛ إذ كان من عشيرة فرعون، فانطلق يتكلم بكل صراحة أمام فرعون وملئه مبيناً لهم أحقية دعوة موسى، وأنه لا ينبغي لهم أن يعاقبوه.

6- ضرورة تحلي المحتسب بالأخلاق الحسنة: تخلق مؤمن آل فرعون أثناء قيامه بواجب الاحتساب بأفضل الخصال، ومن تلك الأخلاق الحسنة إظهار الشفقة على قومه، وإبداء الخوف عليهم من عذاب يوم القيامة، وتجلى مدى خوفه عليهم ورغبته في هدايتهم وحرصه على صلاحهم في نداءاته لقومه، ومنها: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ} [غافر: 30]، {وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} [غافر: 32]، {يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38]، {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ} [غافر: 41].

وهذا مسلك جميع الرسل عليهم السلام أيضاً، فشفقتهم على أقوامهم واضحة من نوح إلى محمد عليهم السلام أجمعين، حيث ردد كل نبي لقومه عبارة: {إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 178].

 ومن تلك الأخلاق الحسنة التي تخلق بها مؤمن آل فرعون التلطف في الخطاب، ومن ذلك تلطفه في الحوار مع فرعون وملئه، حيث أخذهم بالحوار على طريقة التقسيم، فبين لهم أنه لا يخلو موسى من أن يكون كاذباً أو صادقاً: {وَإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} [غافر: 28]، أي: يعود عليه ضرر كذبه، {وَإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28]، ويلحظ تلطفه معهم بقوله لهم: {يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}، ولم يقل كل الذي يعدكم؛ لأن كلمة البعض قد تستعمل في موضع الكل تلطفاً في الخطاب وتوسعاً في الكلام، ومن هذا الباب خطابه لهم بصيغة الجمع، {فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا} [غافر: 29]، جاعلاً نفسه معهم؛ لأنه منهم في القرابة؛ وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به أو يحذرهم منه هو مشارك لهم فيه، فكأنه يقول لهم: إن جنودكم لا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أراد إنزال العذاب بنا بسبب كفركم وعنادكم، ومن هذا القبيل أيضاً تقديم الكاذب على الصادق[1]، وعليه فالمحتسب الحكيم يخاطب مدعويه بما يثير فيهم الرغبة في الإصغاء إليه.

ومن الأخلاق الحسنة التي تخلق بها مؤمن آل فرعون إبرازه العلاقات التي تجمعه بقومه، وهذا يلحظ من خلال تأمل خطابه لهم بعبارة: «يا قومي»، وتكرر هذا الخطاب الحاني منه ست مرات، ولا غرو في ذلك فإن هذا النداء أدعى إلى استجابتهم، وأبلغ في إشعارهم بأن الذي يخاطبهم هو واحد منهم في النسب، وتأكيداً لهم بأن الرائد لا يكذب أهله، وابن العشيرة لا يخون عشيرته، وأنه لذلك يريد النفع لهم، ونظير هذا الخطاب الحاني خطاب الخليل عليه السلام آزر ب {يَا أَبَتِ} [مريم: 42]، بل ظل عليه السلام يكرر هذه الكلمة في كل عبارة يوجهها إليه؛ زيادة في التلطف مع أبيه، ونظير هذا الخطاب أيضاً توسل هارون إلى موسى عليهما السلام بنداء الأمومة: {قَالَ ابْنَ أُمَّ} [الأعراف: 150]، ولذا فعلى المحتسبين في وقتنا الحاضر التحلي بالأخلاق الحسنة أثناء قيامهم بواجب الاحتساب على الناس؛ حتى تلقى دعوتهم القبول.

7- شمولية الاحتساب لجميع مجالات الحياة: لا شك أن احتساب مؤمن آل فرعون على قومه شمل جميع مجالات الحياة، من عقيدة، وأخلاق، وسياسة، والدار الدنيا والآخرة وغيرها، وبيان ذلك أن هذا الرجل المؤمن بدأ بالإنكار على فرعون قتل نفس محرمة، فقال منكراً: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28]، ويعلق الزمخشري على الآية فيقول: «وقول المؤمن: {فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا} [غافر: 29]، دليل ظاهر على أنه ينتصح لقومه، {أَن يَقُولَ} لأن يقول. وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله ربي الله، مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة، ولكن بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم، ويكسر من سورتهم»[2]، ثم دعا فرعون وقومه إلى الإيمان بالواحد الديان، والكفر بالطواغيت والأوثان، فقال: {تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} [غافر: 42]، ثم أرشد قومه إلى اتباع الرشد، فقال: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ} [غافر: 41]، وقوله: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38]، ثم ذكر قومه بنعم الله عليهم، فقال: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْـمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا} [غافر: 29]، ثم حث قومه على الاعتبار من هلاك الأمم السابقة فقال: {يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ} [غافر: 30]، ثم خوف قومه بيوم القيامة فقال: {وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} [غافر: 32]، ثم وعظ قومه بحقارة الدنيا فقال: {يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39].

 وتتمثل الثمرة الاحتسابية هنا في ضرورة توسيع موضوعات الاحتساب، ومن هنا يتعين على المحتسبين في الوقت الحاضر كسر الصورة النمطية للاحتساب، وتغطية مساحات في الاحتساب لم تكن مطروقة من قبل، وتوسيع مجالات المنكرات المهمشة في اهتمامات المجتمع؛ كالمنكر الاقتصادي، والمنكر الإداري المتمثل في تأثير المحسوبيات، والشفاعات المحرمة في التوظيف، والتوسع في إهدار المال العام، والكيد الوظيفي، وترقية غير الأكفاء، وغير ذلك، وكالمنكر الاجتماعي المتمثل في التعدي بالسب والقذف على أعراض الآخرين - سواء بشكل خاص أو في وسيلة إعلامية -، وتدمير منظومة القيم، ونحوه، وعلى رأسها المنكر السياسي المتمثل في الاستبداد، والاستئثار بالسلطة، وسوء توزيع الثروات، والاعتقالات التعسفية، والابتزاز، ومنع الحقوق، ومصادرة حرية الرأي، ونحو ذلك من مجالات المنكرات التي هي أبعد أثراً من كثير من المنكرات التي ضخمها المجتمع والمؤسسات الدينية وبعض المحتسبين.

والناظر في واقعنا المعاصر يجد أن كل المعاصي التي سلفت في الأمم الغابرة قد اجتمعت في الحضارة المعاصرة، مما يجعل التبعات على المصلحين كبيرة في إنكار هذه المنكرات مجتمعة؛ رفعاً للعذاب، وإصلاحاً للناس، ومعذرة إلى الله عز وجل.

والمتأمل في الواقع الاحتسابي الحالي يلحظ أن كثيراً من المحتسبين ينفر من الاحتساب في الشؤون الحياتية، ولسان حاله يقول: «دع الدنيا لأهل الدنيا»، وهذه كأنها علمانية خفية مشرعنة، وشطحة صوفية، وهذا الفهم خلاف ما نطق به القرآن الكريم، ومن شواهد ذلك صيغ العموم التي وردت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ويتبين من الآية الكريمة أن الشريعة المطهرة أمرت بكل معروف، ونهت عن كل منكر، ولم تخص شيئاً دون آخر، ومن شواهد ذلك من قصة مؤمن آل فرعون أنها مثلت مقاومة الفساد، حيث أنكر فيها ذلكم الرجل المؤمن على طاغية قومه وحاشيته المضلين.

جملة القول: لقد كانت كلمات مؤمن آل فرعون بمثابة منهج احتسابي متكامل، يحتاج إلى إدراك تكامل أبعاده أولئك الذين تصدروا منابر الاحتساب والدعوة.


 


[1] انظر الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر (ت538هـ)، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التنزيل، تخريج: الإمام الزيلعي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1407هـ، (4/ 163).

[2] انظر، الزمخشري: الكشاف، (4/ 162).