تارة يسمونها مشكلة الشرق الأوسط، وتارة يقولون الصراع العربي الإسرائيلي، أياً ما تكن التسمية فإن المضمون الحقيقي للقضية هو سلب أرض إسلامية في المقام الأول، بها مسرى النبي وقبلة المسلمين الأولى، وتشريد شعب هو في المقام الأول شعب عربي مسلم، ومع تطور الصراع منذ إعلان الوصاية البريطانية على فلسطين وبدء هجرات اليهود إليها مروراً بحرب 1948م وما تلاها من معارك فإن النفق الذي دخلته تلك القضية بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979م كان مرحلة مختلفة تماماً، كان المضمون الأساس لتلك الاتفاقية هو الاعتراف بالعدو أنه صاحب حق في الأرض، ودولة معترف بها، وسقطت اللاءات الثلاث التي كانت شعاراً للأنظمة العربية تدغدغ بها مشاعر الشعوب. كان الهدف الأساس من الاتفاقية هو التطبيع وإسقاط حق النضال والمقاومة ونزع الغطاء عنهما، ومن يومها وأصبحت الأمة في صراع بين تطبيع ترعاه أنظمة وتبشر به، وشعوب تدعم المقاومة وتعمل على صمودها، وكلما ضعفت القوة لدى الشعوب للتعبير عن تضمانها مع خيار المقاومة كلما هرولت الأنظمة في التقارب والتطبيع مع العدو الصهيوني.

كامب ديفيد والمقاومة:

كانت زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة عام 1977م قفزة كبيرة وغير متوقعة في اتجاه التطبيع والهرولة تجاه عدو صهيوني غاصب، كانت الصفعة القوية التي تلقتها المقاومة كخيار وحيد للأمة، حيث بدأت أولى مراحل تفكيك القضية إلى قضايا أحادية؛ أعقب ذلك التوقيع على الاتفاقية المشؤومة الموسومة بـ«كامب ديفيد» في 17 سبتمبر 1978م بين السادات ورئيس وزراء الكيان الصهيوني مناحم بيجن بعد 12 يوماً من المفاوضات في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد في ولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. كانت المفاوضات والتوقيع على الاتفاقية تحت إشراف الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر.

أعقب ذلك الاتفاق معاهدة سلام بين مصر والعدو الصهيوني، عبر مفاوضات تمت بين الطرفين في بلير هاوس، وتم التوصل إلى اتفاقية السلام المعروفة بينهما، ووقع عليها كل من السادات وبيجن وكارتر في مارس 1979م، واعترفت مصر بإسرائيل كدولة رسمياً، وأنهت حالة الحرب معها.

لم تكن كامب ديفيد مجرد اتفاقية بين دولتين لحل صراع عسكري بل دشنت للاعتراف بأول استعمار استئصالي في العالم، وانتزعت أكبر دولة عربية من  محيطها الإقليمي وفتحت الباب على مصراعيه لمن أراد أن يتخلى عن القضية، فمن الأنظمة من دلف إلى التطبيع في العلن كالأردن التي وقعت على اتفاق وادي عربة بعد كامب ديفيد بسنوات، ومنها من تسلل ليقيم علاقات في الخفاء، وضاعت قضية الدين والوطن وأصبح الحديث الآن عن لاجئين ومستوطنات وشُلَّ مشروع المقاومة، وتاهت القضية الفلسطينية بين العرب بعد خروج مصر منفردة، ثم وقعت اتفاقية أوسلو سنة 1993م، وبعدها بثلاث سنوات وتحديداً في 24 أبريل 1996م حذفت منظمة التحرير الفلسطينية من دستورها كل البنود التي تصف اليهود بالأعداء، وحذفت كذلك كل ما يلغي الاعتراف بإسرائيل كدولة. وظهر الانقسام الفلسطيني بشكل سافر، ودخل القادة الفلسطينيون في صراع داخلي مع الذين تمسكوا بحق التحرير للبلاد، وبحق العودة للاجئين، وأصبح هناك من ينادي بالسلام كخيار إستراتيجي مع العدو الصهيوني في مقابل من ينادي بالمقاومة حتى تحرير الأرض.

وبتوقيع تلك الاتفاقية المشؤومة أضحت القضية الفلسطينية كاليتيمة، فتلقفتها يد الشر مستغلة خلو الساحة، وأصبحت إحدى وسائل ملالي طهران في الترويج لمذهبهم والتغلغل داخل المجتمعات الإسلامية بدعوى أنهم يتبنون قضية الدفاع عن إسلامية القدس وتحرير المسجد الأقصى من يد اليهود، وهي الخدعة التي انطلت على كثير من مجتمعات أهل السنة، فرأوا أن إيران هي حقاً محور مقاومة الاستعمار والمدافعة عن حقوق الفلسطينيين، واستطاعت إيران بتلك الحيلة أن تدشن ما كان يعرف إلى وقت قريب بمحور المقاومة والممانعة.

لقد نجح السادات بإبرامه معاهدة كامب ديفيد في تحطيم حاجز نفسي كبير، حيث أصبح الاتصال والتفاوض وتبادل الزيارات مع إسرائيل أمراً مألوفاً في عالم السياسة والأعمال في المنطقة العربية، لكن لأن الأمة لا تعدم خيراً فإن المقاومة الفلسطينية، والحروب التي شنتها إسرائيل في أغلب الأحيان، حافظت على جذوة القضية الفلسطينية وفرضتها على الواقع.

كامب ديفيد والتطبيع:

لم تكن كامب ديفيد نهاية إرب العدو الصهيوني بل كانت الخطوة الأولى التي أعقبتها خطوات كانت فحوى كامب ديفيد هي التطبيع الكامل مع ذلك العدو، تطبيع قائم على التنازل عن الأرض وإسقاط حق العودة مقابل إقامة دولة هشة على أمتار قليلة مما تبقى من الأرض الفلسطينية، تشمل حدودها قطاع غزة وأجزاء أخرى من الضفة، بدأ سيناريو تنفيذ هذه الخطة منذ كامب ديفيد لتصفية القضية، ولم تكن الخطوة الأمريكية بتصديق الرئيس ترمب على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقرار نقل سفارة الأمريكية إليها، خطوة منزوعة عما قبلها، بل نستطيع القول إن القدس سقطت من لحظت الاعتراف بالكيان الصهيوني.

إن التركيز الإعلامي في أوساط الرأي العام العربي على أن العدو الرئيس للعرب هو إيران وليس إسرائيل؟ يقصد به تسويق التطبيع وتسويغه والحقيقية أن إيران عدو لا شك، لكن إسرائيل عدو أيضاً وما يقال عن عداء بين الطرفين ما هو إلا قنبلة دخان تخفي ما بينهما من تعاون، وإن كان الأمر لا يخلو من تنافس بينهما كونهما قوى إقليمية، وليس عداء تاريخياً كما يوهموننا، إن المخطط الإستراتيجي الأمريكي ليس فقط لتصفية القضية الفلسطينية، ولكن أيضاً لإعادة هيكلة المنطقة، بما يجعل الكيان الصهيوني قوة إقليمية.

لقد أريد لكامب ديفيد السادات بيجن، وكل كامب ديفيد قادمة، أن تكون خنجراً مسموماً في ظهر المقاومة، وأداة رافعة للتطبيع ما العدو، ولكن أياً ما كان من أمر وبرغم ما تمر به القضية الفلسطينية والمنطقة العربية بالكامل من ضعف وتشرذم لا يبدو أن ما يخطط له الأعداء يمكن أن يمر، وأن الرؤية الغربية الصهيونية ستحقق كما يريدونها، بل ستكون الشعوب هي حجر العثرة الذي ستتوقف عنده مخططاتهم، وهو الأمر الذي أقر به نتنياهو نفسه حيث قال: إن «الزعماء ليسوا عائقاً أمام توسيع علاقات إسرائيل مع جيرانها من الدول العربية، وأن الحاجز الذي تصطدم به إسرائيل وتخشاه دائماً هو الشعوب العربية؛ التي لا تقبل التطبيع معنا، وتحمل لنا العداء»[1]. إن المقاومة هي قانون الشعوب بينما التطبيع والمعاهدات هي قانون الأنظمة، وبرغم حالة الانكسار التي تحياها الشعوب تبقى هي المعادلة الوحيدة التي تتلاءم مع قانون الحق سبحانه وتعالى.

 


 


[1]  موقع قناة روسيا اليوم على شبكة الإنترنت، نشر بتاريخ 24/11/2017م، على الرابط التالي:(  https://goo.gl/iNziBA).