هتف التاريخ بنا قولوا

إنّا أشبالك حطّين

الفجر الآتي يرقبنا

إيمان، عزم ويقين

هذا النشيد الأول لأطفال فلسطين، أطفال الأقصى الذين صنعوا ببطولاتهم ومشاعرهم الغاضبة أمجاداً بعد أمجاد، حتى أعلن العدو المحتل اليهودي قبل أشهر قليلة أن القضاء على الانتفاضة سيكلفه ثمناً باهظاً من وجوه كثيرة!

ونراه يدعو «أشبال فلسطين» لمعانقة الفجر المضيء  بالإيمان والعزم واليقين، فلا فجر بمعزل عن الإيمان، وهنا يرتكز في دعوته على تاريخنا الإسلامي الأصيل، يقطف من حدائقه باقات معطرة من البطولة والمجد، وكل ذلك يكون بظلّ الراية الخضراء، راية القرآن الكريم:

بالجد وبالعلم الباني

سنحقّق حلم الأوطان

ستعود الراية خافقة

خضراء بظلّ القرآن

ويمضي الشاعر ينشد لهؤلاء الأطفال (الكبار) أو ينشدون له، فلا فرق حين يصبح الحلم الطفولي اقتناص دبابة أو جندي من المحتلين بحجر أو زجاجة حارقة في القدس أرض الإسراء:

قدسي يا أرض الإسراء

يا ثأراً يجري بدمائي

سنهبّ نهبّ إلى الأقصى

في عزم حرّ ومضاء[1]

هكذا ينفض هذا الشعر الإسلامي غبار الهزائم ليبث في نفوس أطفالنا عشق الحرية والجهاد، ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم  الأسوة الحسنة حيث كان يجيز بعض الشباب الصغار للاشتراك في غزواته صلى الله عليه وسلم ، وكان يحزن هؤلاء الصغار الذين يتسابقون للجهاد أن يردّوا عن المعارك، ففي غزوة أحد ردّ صلى الله عليه وسلم  أسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وذلك لصغر سنهم. بينما أجاز سمرة بن جندب، ورافع بن خديج[2].

وفي نشيده الثاني «غرّد يا شبل الإيمان» يرسم صورة صادقة للطفل المسلم، الطفل الذي ينبغي أن نربيه على مائدة القرآن لا الطفل الذي نسلبه هويته الإسلامية بأفلام الرسوم المتحركة المضللة الزائفة والبرامج المشبوهة التي تلغي اعتزازه بدينه وتاريخه العريق، ونجده في هذا النشيد يخاطب الطفل بأسلوب بسيط يعتمد على ألفاظ سهلة، ووزن سريع متدفق، وهو البحر المتدارك:

غرّد يا شبل الإيمان

واصدح واصدح بالقرآن

فيه الحق وفيه النور

وفيه اللؤلؤ والمرجان

غرّد يا شبل الإيمان

اتل السطر وراء السطر

فالقرآن ربيع العمر

والقرآن شفاء الصدر

فيه الرحمة والغفران

غرّد يا شبل الإيمان

إنّ المنهل الشعري عند محمود مفلح في هذه الأناشيد، وفي شعره كله هو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهما معين لا ينضب لأفكاره، ومعانيه وألفاظه ويمكن أن نلحظ ذلك جليّاً في قوله «فالقرآن ربيع العمر»، وقوله «والقرآن شفاء الصدر: فيه الرحمة والغفران»، وهذا استرشاد واضح لقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، وما أحوجنا أن نحاور أطفالنا من خلال كتاب الله، نعظهم بالكلمة الطيبة والأسلوب الرقيق:

لا تهجر أبداً قرآنك

تطرد يا ولدي شيطانك

واجعله دوماً بستانك

وانـــعم في هذا البستان

غرّد يا شبل الإيمان

اتل المصحف فجراً عصراً

تعشق روحك هذا السحرا

تلق الخير وتلق الأجرا

وتــــــــبدد فيه الأحزان

غرّد يا شبل الإيمان[3]

أما في نشيده «العيد السعيد» فنراه يجعل هذا العيد دفئاً وفرحاً من خلال أحلام الطفولة، وأشواق الصبا. وهو يربط هذا العيد من خلال فكره النيّر بحياة أعظم وأسمى من اللهو واللذة الدنيوية الفانية، فالإسلام أباح لعب الأطفال ولهوهم، ولكنه وجه هذا اللهو الوجهة الصحيحة. أما المرح في العيد فهو لا يخرج عن دائرة شكر الله على نعمه الكثيرة على عباده، وصلة الأرحام، ودعاء المولى جل وعلا أن يغفر الذنوب ويحفظ الأوطان وينشر الإسلام، ولا تخرج أعيادنا عن التغنّي بأمجاد الأمة، والتمتع بها، وقد وهبنا الله بلاداً خيّرة خلابّة. وهكذا يكون أطفالنا صغاراً في قاماتهم، كباراً في عقولهم وأهدافهم، وليس هذا مستحيلاً ولكنها تربية الروح على الحب والعطاء:

ألبس أغلى ثوب عندي

يا ثوبي يا عود النّد

ألثم أمّي، ألثم جدّي

أقطف لهما أحلى ورد

يا ربّي يا ذا الإنعام

طهّر قلبي من آثامي

واحفظ يا ربّي أوطاني

وانشر رايات الإسلام[4]

ويتميز شاعرنا في أناشيده بالتقاط المعاني الكبيرة من خلال الأشياء الصغيرة الموحية عند أطفالنا، لذا يصبح للقلم بين أنامل صغارنا دور عظيم متجدّد. ولا شك أن للقلم معنى أصيلاً في قرآننا، فقد خلق قبل خلق السماوات والأرض، بل إن أول آيات نزلت على رسولنا صلى الله عليه وسلم  حضّته على القراءة والعلم، وذكرت القلم كوسيلة ضرورية للكتابة والتعلم، فقال تعالى: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ 2 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العلق: ١ - ٣]. وإن كان القلم يصاحب أطفالنا في جدّهم ولهوهم، وتعلّمهم ولعبهم، فهو جدير بعون الله أن ينير بصائرهم، ويشدّهم إلى خالقهم، ويعينهم على آخرتهم، فدعونا نستمع لشاعرنا محمود مفلح في نشيده «القلم»:

باسم الله حملت القلما

وكتبت به رقماً رقما

باسم الله رفعت العلما

باسم الله حملت القيما

فاحذر فاحذر من شيطاني

يا قلمي يا طوع بناني

لا تكتب غير الإحسان

واصدح في حبّ الأوطان[5]

ونقرأ لفتات هادفة معبرة أخرى في أناشيد مثل: (الشباب المسلم، عصفوري، حقيبتي، إسلامنا، هيا إلى الصلاة، البحر، النبع، الفجر، الربيع، أهلاً أهلاً يا رمضان، مدرستي)، وغيرها.

فتصبح هذه الأناشيد عند محمود مفلح مجالاً خصباً للتأمل في سرّ الكون وجمال الطبيعة، وتحبّب لأطفالنا هذا الدين وتربطهم بعراه الثابتة، وإن كان فيها متعة جمالية متألّقة، فهي متعة تأوي إلى عظمة هذا الخالق وحكمته ولطفه ونعمائه على عباده. يقول في نشيده «النبع»:

النبع غزير فوّار

والعشب حواليه سوار

ويظلّ الماء به صفواً

مهما قذفته الأحجار

النبع غزير فوّار

قد قال النبع لنا يوماً

لا أبخل أبداً بعطائي

أسقي ورداً أسقي شوكاً

أجري حتى للأعداء

لا أبخل أبداً بعطائي

شكراً لله على نعمه

شكراً لله على كرمه

فالله تعالى رازقنا

فالله كريم وهّاب

والله كريم وهّاب[6]

في هذا النشيد يمكن أن نقف ببساطة على جمال الصورة الشعرية في البيت الأول، فنبع الماء غزير فوّار، أما العشب فيحيطه كما يحيط السوار المعصم. لقد سخّر الله الماء ليكون حياة لكل شيء فقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]، فما أعظم عطاء الله ورزقه وكرمه للإنسان الذي كثيراً ما ينسى هذه النعم!

ومن الملحوظات الجديرة بالوقوف عند الشاعر قدرته الواضحة على ربط أطفالنا بعقيدتهم، وهموم أمّتهم في أناشيده، ولو تدبّرنا أناشيد مثل: (ونحييّكم بالريحان، نرحب بالحضور الأمهات، جئتم شرفتم نادينا) لوجدنا أنها تزخر بالرقائق الإيمانية الصادقة، ففي نشيده «ونحييّكم بالريحان» نقرأ:

في مدرستي في بستاني

أهلاً أهلاً بالإخوان

بالحب الصافي نلقاكم

ونحييّكم بالريحان

ونسمعكم أحلى نغم

في أصفى قول وبيان

هيّا نركب في زورقنا

كي نمضي للشطّ الثاني

فالزورق يبدأ رحلته

باسم الرحمن المنّان[7]

وفي أناشيده الأخيرة «أناشيد الأبطال» ندخل إلى تاريخنا بكل رياحينه، بكل أمجاده وبطولاته، ندخل إلى معاركه المظفرة، ونحاور كماته الميامين، وننصت إلى سيرة أعظم بطل في التاريخ الإنساني على مرّ العصور، سيرة رسول البشرية كافة، رسولنا محمّد صلى الله عليه وسلم ، رسول الهدى للثقلين، رسول العقيدة الصافية، والأخلاق السامية، ونعيش كذلك في ساحات الجهاد من خلال ركب من الصحابة، عمر بن الخطاب، سعد بن أبي وقاص، خالد بن الوليد، زيد بن حارثة، صهيب الرومي، زيد بن ثابت رضوان الله عليهم، وما أروع أن نصغي مع أطفالنا لنشيده «يا رسول الهدى»:

يا رسول الهدى وعطر الوجود

من سجاياك لا يملّ نشيدي[8]

وهكذا يقرأ أطفالنا من خلال هذا الديوان صفحات مشرقة من تاريخنا التليد، فليت شعراءنا يمنحون هذه البراعم النديّة مزيداً من الحب والتواصل والعطاء.

 


 


[1] ديوان  «غرّد يا شبل الإسلام» ص8.

[2] الفصول في اختصار سيرة الرسول، لابن كثير، تحقيق محمد الخطراوي ومحيي الدين مستو، ص129.

[3] ديوان «غرّد يا شبل الإسلام» ص9.

[4] الديوان السابق ص10.

[5] انظر ديوان الشاعر ص14.

[6] الديوان السابق ص21.

[7] الديوان السابق ص36.

[8] الديوان السابق ص41.