تولى بيبرس مقاليد دولة المماليك سنة 658هـ/1260م، وقد بدأ عهده بعدة أعمال لتوطيد سلطته، ومنها: إحياء الخلافة العباسية في القاهرة، سنة 659هـ/1261م، وتنظيم الجيش، وتحصين الثغور، والعناية بالأسطول والبريد، وهو يعد المؤسس الحقيقي لدولة المماليك (648-922هـ/1250-1517م). وكان بيبرس فارساً مقداماً، وقائداً فذاً، وسياسياً محنكاً، وإدارياً قديراً، قضى معظم حياته مجاهداً، فكان قبل أن يتولى السلطنة، أحد أبطال معركة غزة (642هـ/1244م)، ومعركة المنصورة (648هـ/1250م)، ومعركة عين جالوت (659هـ/1260م)، وعلى يديه أحرز المسلمون أول انتصار على المغول، وذلك في ضواحي غزة، قبيل معركة عين جالوت، وقضى بيبرس مدة حكمه التي استمرت 17 عاماً، في جهاد متصل ضد الصليبيين والمغول وفي جبهات أخرى عديدة، وقام بالعبء الأكبر في عملية تصفية الوجود الصليبي من الشام، بعد صلاح الدين. وهذا إلى جانب إنجازاته في المجالات الأخرى، ولذلك يعد عصره من أزهى عصور التاريخ الإسلامي.

أولاً: جهاد بيبرس ضد الصليبيين:

بدأ السلطان بيبرس جهاده ضد الصليبيين في الشام، في رمضان سنة 662هـ/1263م، حيث كانت بعض الإمارات الصليبية لا تزال جاثمة في سواحلها، منذ وفاة صلاح الدين، نتيجة لتوالي وصول النجدات إليها من أوربا، بل إنها أعادت احتلال كثير من القلاع والمدن، أثناء فترة الصراع الداخلي بين العائلات الأيوبية الحاكمة. وقد زاد الطين بلة أن الصليبيين أخذوا يتعاونون مع المغول، ويدلونهم على عورات المسلمين، بل إن بعض الإمارات الصليبية سمحت بنزول حاميات مغولية في قلاعها نكاية بالمسلمين. وقد بدأت حروب بيبرس ضد الصليبيين على شكل مناوشات، وذلك لتحسس مواطن ضعفهم قبل الدخول في مواجهات مباشرة معهم. وعندما استشعرت الإمارات الصليبية نوايا بيبرس ضدها بادرت بإرسال رسلها إليه تطلب منه المهادنة، لكنه رفض ذلك بشدة، وطرد الرسل من مجلسه.

استرداد بيبرس لقيسارية وحيفا وأرسوف:

وفي سنة 663هـ/1264م، قام بيبرس بغزوات عديدة ضد تلك الإمارات، توجت بالاستيلاء على مدينة قيسارية في فلسطين، ثم سار قسم من جيشه إلى حيفا، فدخلها دون قتال لهروب الصليبيين منها، وبعد ذلك زحف إلى قلعة أرسوف البحرية، في جنوب قيسارية، فاستولى عليها بعد حصار أربعين يوماً، لأنها كانت بيد فرسان الإسبتارية، وكان هؤلاء وفرسان المعبد (الداوية)، أشدّ الصليبيين عداوة للمسلمين، وأكثرهم وحشية ضدهم، وكانوا اليد الضاربة للبابوية، ورأس حربة للصليبيين في الشام. وقام بيبرس بتخريب قلاع هذه المدن جميعاً، حتى يقطع أمل الصليبيين في العودة إليها، واستعاض عنها، بقلعة قاقون، التي أمر ببنائها سنة 665هـ/1267م، في موضع يبعد قليلاً عن الساحل، وذلك لمراقبة تحركات الصليبيين هناك، ولكي تكون مستودعاً للذخيرة والمؤن، ومحطة للبريد.

استرداد بيبرس لقلعة صفد وتحرير الجليل:

وفي رمضان 664هـ/1266م، هاجم بيبرس قلعة صفد، وكانت قاعدة صليبية خطيرة في الشام، لكونها كانت تسيطر على الجزء الشمالي من إقليم الجليل، وعلى الطريق بين دمشق وعكا، وكانت قاعدة لفرسان الداوية الخطرين، فاستولى عليها، بعد حصار خانق استمر حتى منتصف شوال، ثم قام بتجديد عمارتها، وشحنها بالجند والمؤن، وجعلها مركزاً متقدماً لمقارعة الصليبيين، في الساحل، كما جدد عمارة مدينتها، وعين لها والياً، وأسكنها جماعة من أهالي دمشق، وكان سقوط قلعة صفد في أيدي المسلمين، ضربة قاسية للصليبيين، وبسقوطها سقطت بيد بيبرس بلاد الجليل كلها، وقلاع أخرى عديدة منها هونين وتبنين، بين صور وبانياس. كما استعاد بيبرس مدينة الرملة، وكانت مركزاً مهماً بين القدس ويافا.

استرداد بيبرس ليافا والشقيف وتأديب نصارى لبنان:   

وفي سنة 666هـ/1268م استولى بيبرس على مدينة يافا في أقصى الجنوب، كما استولى على قلعة الشقيف القريبة، من صيدا. ثم من الشقيف سار شمالاً مخترقاً جبال لبنان الشاهقة، وفاجأ طرابلس بالحصار من حيث لا تحتسب. وأثناء حصاره لها بعث فرقة من جيشه للإغارة على جبال النصارى لتأديبهم على خياناتهم المتكررة للمسلمين، ولقيامهم أيضاً بمهاجمة جيشه أثناء انشغاله بحصار طرابلس. ثم إن بيبرس اضطر لرفع الحصار عن طرابلس لخطورة ومناعة الحصون الصليبية المحيطة بها، واكتفى بتطويق طرابلس بحزام من جهة الشرق، تمثل في إقامة العديد من المراكز والحصون، تمهيداً للعودة إليها لحصارها مرة أخرى.

استرداد بيبرس لأنطاكية:

في رمضان من العام المذكور، ضرب بيبرس ضربته الكبرى، فاستولى على أنطاكية في أقصى الشمال، بعد أن هاجمها بغتة، وحاصرها براً وبحراً، وهي لم تكن مجرد مدينة ساحلية يحتلها الصليبيون، وإنما كانت عاصمة لإمارة أنطاكية، والتي كانت حينذاك أهم إمارة صليبية في الشام، وكان أميرها بوهيمند السادس أعظم الأمراء الصليبيين، إذ كانت تتبعه أيضاً إمارة طرابلس، وكان يُحالِف المغول ويناصرهم بقوة. وقد أسر بيبرس أو قتل كل من كان بها من الصليبيين المقاتلين، وكان سقوطها في أيدي المسلمين كارثة كبرى على القوى الصليبية الباقية في الشام، لأنها كانت بحكم قوتها وإمكاناتها وموقعها الجغرافي سنداً قوياً لها، وذلك منذ بداية الحروب الصليبية، ونزل خبر سقوطها بتلك السرعة كالصاعقة على رءوس الصليبيين وأرعبهم، ولذلك، فقد سارعت القلاع الصليبية القريبة منها بإعلان الاستسلام للسلطان بيبرس مقابل تأمينهم على أنفسهم، فكان ذلك، بل سارع فرسان الداوية في قلعة بغراس بالهرب منها، وتركوها خاوية، فاستولت عليها فرقة من جيش بيبرس. كما سارعت بعض القوى الصليبية إلى عقد هدنة مع السلطان بيبرس، وتسليمه نصف غلال الأقاليم التي تحت سيطرتها، وفي مقدمتها فرسان الداوية بقلعة إنطرسوس، وفرسان الإسبتارية بقلعة المرقب القريبة من بانياس.

حصار بيبرس لطرابلس:

في سنة 669هـ/1271م أخذ بيبرس في مهاجمة إمارة طرابلس للمرة الثانية، فاستولى على الحصون المنيعة المحيطة بها، ومن أهمها صافيتا (القلعة البيضاء)، وحصن الأكراد (قلعة الحصن)، وحصن عكّار، وغيرها، وبذلك أصبحت مدينة طرابلس مكشوفة أمامه، ولذلك ضرب الحصار حولها، حتى أوشك أن يستولي عليها، ولكنه اضطر لتركها عندما علم بخروج حملة صليبية من فرنسا بقيادة لويس التاسع (أسير المنصورة سابقاً)، حيث عاد مسرعاً إلى مصر، للدفاع عنها خوفاً من أن تكون الحملة متجهة نحوها إلا إن الحملة غيرت وجهتها وذهبت إلى تونس. ولذلك فقد عاد بيبرس إلى حصار طرابلس من جديد سنة 670هـ/1271م، فأرسل إليه ملك قبرص «هيو» الوصي على أمير طرابلس الطفل، بوهيموند السابع، يطلب الصلح، فأجابه بيبرس إلى طلبه، وعقد معه صلحاً لمدة 10 سنوات. وكان بيبرس بحاجة لهذا الصلح ليواصل جهاده في الجبهات الأخرى.

تصدي بيبرس للحملة الإنجليزية:

وكان أحد أسباب موافقة بيبرس على عقد الهدنة مع إمارة طرابلس، هو أنه في هذا الوقت، وصلت حملة صليبية إنجليزية إلى عكا، بقيادة الأمير إدوارد (الملك إدوارد الأول، في ما بعد)، وكانت مكونة من ألف مقاتل، وكان بيبرس يعتقد أنها مقدمة لحملة صليبية كبيرة قادمة من الغرب، الذي اهتز لسقوط إمارة أنطاكية الصليبية، وهي لم تكن كذلك، وتبين فيما بعد أن هذا الأمير الإنجليزي المغامر كان يأمل التعاون مع أباقا خان مغول فارس على غزو مصر والشام. ولكن انشغال أباقا بمحاربة مغول القبيلة الذهبية المسلمين، حال دون تنفيذ هذا المشروع. ومهما كان من أمر، فقد نجح بيبرس في التصدي له، وإجباره على العودة من حيث أتى، يلعق جراحه ويجر أذيال خيبته.

ثانياً: تحطيم بيبرس لمملكة أرمينيا الصغرى:

كانت هذه المملكة تقع في كليكيا جنوب غرب الأناضول، وظهرت إلى الوجود في أواخر القرن الخامس الهجري، وسميت أرمينيا الصغرى، تمييزاً لها عن أرمينيا الكبرى، الواقعة في القوقاز، وقد لعبت هذه المملكة دوراً خطيراً ضد المسلمين، زمن الحروب الصليبية، إذ إنها لم تكتف بمساعدة الإمارات الصليبية في الشام، بل إنها تحالفت مع المغول الوثنيين ضد الخلافة العباسية، وكان الأرمن مشاركين بكثافة في اجتياح بغداد إلى جانب المغول سنة 656هـ/1258م، وفي ارتكاب ما ارتكبوه من جرائم ضد أهلها، وبعد ذلك أخذ ملكهم (هيثيوم الأول)، يحرّض هولاكو على اجتياح الشام، ولعب الأرمن تحت قيادته دوراً بارزاً في إسقاط العديد من مدن الجزيرة والشام، وارتكبوا إلى جانب المغول مذابح ضد أهلها، وبعد سقوط حلب في يد هولاكو سنة 658هـ/1260م، قام ملكهم هيثيوم بحرق جامعها الكبير، كما إنه شارك المغول في اقتحام دمشق، بعد ذلك، قبل أن يعود إلى بلاده يجرّ طابوراً طويلاً من أطفال المسلمين ونسائهم، والذين بيعوا كرقيق في عاصمته (سيس). وبعد وفاة هولاكو ظل هيثيوم على ولائه لابنه وخليفته أباقا، وظل يقوم عنده بنفس الدور التحريضي ضد المسلمين، وهذا إلى جانب منعه تصدير الأخشاب من آسيا الصغرى إلى مصر، حيث كان المماليك بحاجة ماسة إليه لصناعة أسطولهم. ولكل ذلك، فقد أرسل بيبرس سنة 666هـ/1266م حملة تأديبية لمملكة الأرمن هذه، حيث أغارت على مدنها الرئيسية مثل سيس، وطرسوس، والمصيصة، ونشرت الخراب في ربوعها، وقتلت أمراءها وأحد أبناء ملكها وكثيراً من مقاتليها، أما هيثيوم نفسه، فكان حينذاك، في تبريز يستجدي مساعدة المغول. ثم عادت الحملة، ومعها عدد كبير من الأسرى، من بينهم ابن آخر لملكها. فاضطر هذا الملك، لأجل إطلاق سراح ولده، إلى التعهد بدفع الجزية، وإلى التنازل عن أهم المواقع التي تربط دولته بحلفائها مغول فارس، وبالصليبيين، للسلطان بيبرس.

ثالثاً: محاولة بيبرس فتح قبرص:

لعبت جزيرة قبرص في البحر المتوسط دوراً خطيراً أثناء الحروب الصليبية، منذ أن استولى عليها شارل قلب الأسد، ملك إنجلتراً، من البيزنطيين، وهو في طريقه إلى الشام، سنة 587هـ/1191م. فقد صارت منذ هذا الوقت قاعدة تنزل بها الحملات الصليبية قبل توجهها إلى سواحل المسلمين في الشام ومصر، وذلك لموقع قبرص القريب من هذه السواحل، وعندما قامت دولة المماليك، كان المسلمون قد فقدوا سيطرتهم على البحر المتوسط، نظراً لعدم الاهتمام بالأساطيل بعد العصر الأيوبي، في الوقت الذي قويت فيه شوكة الصليبيين في حوضه الغربي، والذين اتخذوا من جزيرة قبرص حصناً ومركزاً للتجمع مرة أخرى. وفي عهد السلطان بيبرس، كان يحكم هذه الجزيرة الملك هيو الثالث لوزنيان، والذي اشتهر بصلفه وأطماعه الصليبية في الشام، كما اشتهر أيضاً بعداوته الشديدة للمسلمين، ولدولة المماليك، وكان دائم التهديد للسفن الإسلامية في البحر المتوسط، ودائم المساعدة للصليبيين، واضعاً أسطوله في خدمتهم، وكان هذا الأسطول سبباً في إفشال حصار بيبرس لمدينة عكا، فازداد خطر قبرص في هذه المرحلة. ولأجل تأديب هذا الملك الخبيث، والرد على تعديات الأسطول القبرصي، وفتح هذه الجزيرة المهمة، فقد جهز بيبرس أسطولاً وأرسله لغزوها سنة 668هـ/1270م، غير أن عاصفة شديدة هبت عليه عند شاطئ الجزيرة الجنوبي، مما أدى إلى تحطم معظم هذا الأسطول، فسارع بيبرس بإنشاء أسطول جديد لتعويض ذلك الأسطول، واستأنف حملاته الجهادية ضد الصليبيين في الشام في العام التالي.

رابعاً: تأديب بيبرس لمملكة النوبة:

كانت النوبة، في جنوب مصر، مملكة نصرانية، تدفع الجزية للمسلمين، منذ العهد الذي أبرم بينها وبين القائد عبد الله بن أبي سرح، والي مصر، سنة 31هـ، وهو العهد الذي عرف باسم «البقط»، بلغة النوبيين، وظلت مملكة النوبة ملتزمة بهذا العهد عدة قرون، ولكن في فترة انشغال المسلمين بحروبهم ضد الصليبيين في الشام، بدأت هذه الدولة تتنمر، وتمتنع عن دفع الجزية، لذلك فقد أرسل إليها صلاح الدين حملة تأديبية بقيادة أخيه توران شاه، وترك بها حامية هناك، أقامت فيها ثلاث سنوات. ثم إن ملك النوبة المدعو داود، انتهز فرصة انشغال بيبرس بحروبه ضد الصليبيين والمغول، وهاجم أسوان هجوماً عنيفاً سنة 671هـ/1273م، كما هاجم ميناء عيذاب على البحر الأحمر. وقد رد بيبرس على ذلك بإرسال حملتين متتاليتين إلى بلاد النوبة، في سنتي 671هـ/1273م، 674هـ/1275م، واشتركت البحرية النيلية فيها، حيث توغلت جيوشه حتى دنقلة، واكتسحت بلاد النوبة كلها، ووصلت إلى أماكن لم يصل إليها أي جيش إسلامي، من قبل، وفي الحملة الثانية تمت هزيمة الملك داود وأسره، ثم خلعه وتنصيب قريبه شاكنده ملكاً بدلاً منه، وقد تعهد الملك الجديد بالالتزام بدفع الجزية في كل عام. وعلى إثر ذلك انتشرت القبائل العربية في النوبة، وبانتشارهم انتشر الإسلام واللغة العربية على نطاق واسع، حتى إن مملكة النوبة النصرانية تلاشت تماماً بعد أقل من قرن، وانضمت البلاد كلها إلى عالم الإسلام، وانصهر العرب والنوبيون في هذه البوتقة. 

خامساً: جهاد بيبرس ضد المغول:

لم ينته خطر المغول بعد هزيمتهم في عين جالوت وإجلائهم من الشام، لأنهم استقروا في فارس وأذربيجان والعراق، فظلوا يتحفزون لعبور نهر الفرات، وغزو الشام من جديد. وقد زاد الطين بلة ارتباط هذا الخطر بخطر الصليبيين، الذين رحبوا باجتياح المغول لبلاد المسلمين، وحاولوا نشر المسيحية بينهم، ومن ثم الاستعانة بهم في غزو الشام ومصر، وبخاصة بعد هلاك هولاكو في ربيع سنة 663هـ/1665م، إذ خلفه ابنه أباقا، وكان مسيحياً نسطورياً، ولذلك فقد تعمقت علاقته بالمسيحيين في الشرق، وكان يتبادل السفارات مع البابوات وملوك أوربا، لغرض القيام بحملة مشتركة ضد المماليك، ومن ثم استرداد القدس.

الإجراءات التي اتخذها بيبرس لمواجهة المغول:

ولم يكن السلطان بيبرس في غفلة عن هذا الخطر، بل كان متيقظاً له غاية التيقظ، وقام بجملة من التدابير والإجراءات لمجابهته، ومنها:

تحالف مع مغول القبيلة الذهبية في منطقة حوض نهر الفولجا، والذين اعتنقوا الإسلام مع ملكهم بركة خان وصاروا حرباً على بني جنسهم، مغول فارس.

تحصين أطراف الدولة، المواجهة لدولة مغول فارس على نهر الفرات، لاسيما قلعة إلبيرة، والتي صارت شوكة في جنب المغول، في هذه الجبهة.

إفساد المروج الواقعة بجانب الطرق المؤدية إلى الشام، كي لا يجد المغول، أثناء زحفهم إليها ما يحتاجون إليه من أقوات وأعشاب لدوابهم.

حث العشائر العربية في غرب العراق على قتال المغول، وإغداق الأموال عليها، فقام هؤلاء العرب بمهمتهم بنجاح، حتى وصلت غاراتهم ضد المغول إلى أبواب بغداد.

أهم وقائع بيبرس ضد المغول:

قد كانت أول محاولة مغولية للعودة إلى الشام في بداية حكم بيبرس في سنة 659هـ/1261م، لاضطراب الأوضاع بها، بسبب قتل بيبرس لقطز، وجلوسه محله، ولكن بيبرس سرعان ما قمع المعارضين وأصلح الأمور، ولذلك فقد هزمت قواته جيش المغول شرّ هزيمة في حمص، وقتلت المئات من فرسانه، فولت فلوله هاربة نحو العراق. 

وفي سنة 671هـ/1272م قاد بيبرس حملة ضد المغول في العراق، فأنزل بهم هزيمة قاسية، عند نهر الفرات، ثم قام بمطاردة فلولهم في الأراضي العراقية، ولم يجرؤوا بعدها على عبور نهر الفرات باتجاه الشام حتى وفاته.

وفي سنة 675هـ/1277م قاد بيبرس جيوشه إلى آسيا الصغرى، وانتصر على الجيوش المغولية انتصاراً ساحقاً، عند بلدة أبلستين أو أبلستان (البستان)، وقتل كثيراً من طغاتهم وفرسانهم، وبعد ذلك دخل بيبرس مدينة قيصرية عاصمة سلاجقة الروم دخول الفاتحين، وكانت هذه آخر فتوحاته. وبعدها توفي بدمشق عن عمر يناهز السابعة والستين.

سادساً: استيلاء بيبرس على قلاع الحشاشين:

قام الإسماعيليون المعروفون باسم «الحشاشين»، بلعب دور خبيث في إعاقة جهاد المسلمين ضد الصليبيين، وبرغم حملات صلاح الدين ضدهم، إلا إنه أخفق في القضاء عليهم، لكونهم كانوا يتحصنون في قلاع منيعة على القمم الجبلية المطلة على الساحل الشامي، مثل قلعة الكهف، وقلعة مصياف، إلى جانب مجموعة قلاعهم الرابضة حول القدموس، مثل الخوابي، والرصافة، والقلعة، والعليقة. بيد أنهم لم يجرؤوا في فترة حكم بيبرس على القيام بأي عمل عدائي ضده، نظراً لهيبته وصرامته وشدة بطشه، ولأنهم أيضاً كانوا قد ضعفوا بعد تدمير هولاكو لمركزهم الرئيسي في ألموت سنة 654هـ/1256م، واستطاع بيبرس بما له من دهاء أن يوظفهم في التخلص من أعدائه، فعن طريقهم تم تصفية كونت صور، والذي كان من كبار قادة الصليبيين، ومن ألد أعداء بيبرس. ولكنه في نهاية المطاف قرر كسر شوكنهم تماماً، خوفاً من غدرهم ومكرهم، فاستولى على قلعتي العليقة والرصافة، عام 669هـ/1271م، ثم استولى على باقي القلاع عام 672هـ/1273م.

سابعاً: نتائج جهاد السلطان بيبرس:

استرداد أكثر المدن والقلاع التي كانت بأيدي الصليبيين في الشام، وحصرهم في منطقة ساحلية لا تعدو عكا وطرابلس. واستمر الوضع كذلك إلى وفاة بيبرس سنة 676هـ/1277م، بعد أن مهد الطريق لخلفائه لطرد بقايا الصليبيين من الشام، وقد كان.

تحطيم مملكة أرمينيا الصغرى، وقطع صلتها نهائياً بالمغول والصليبيين، مع إجبارها على دفع الجزية. صحيح أنها حاولت التمرد بعد وفاته، ولكن قلاوون رد عليها بعنف، وحطم البقية الباقية منها، ولذلك لم تقم لها قائمة بعد ذلك.

إعادة فتح النوبة من جديد، وكسر شوكة مملكتها النصرانية، وإجبارها على العودة لدفع الجزية، وإقامة ملك عليها خاضع لسلطة المسلمين، وقد أنشأ بيبرس عقب هذه الانتصارات ديواناً خاصاً للنوبة في القاهرة لمراقبة وصول الجزية من النوبة بانتظام.

منع المغول من عبور نهر الفرات، وقهرهم في العديد من المعارك، ومنعهم من العودة إلى الشام، أو بمعنى أصح، تمكن بيبرس وخلفاؤه الأقوياء، من بعده، من تأخير زحف المغول على الشام لعدة عقود، وذلك أنهم عادوا إليها، فيما بعد، تحت قيادة قازان.  

فتح جميع قلاع الإسماعيليين في الشام، وبذلك أنهى سلطتهم التي استمرت هناك حوالي قرنين، لكن يلاحظ أن بيبرس قد عوضهم عنها بإقطاعات، وتركهم يعيشوا في دولته، كرعايا عاديين.

أدت انتصارات بيبرس الخالدة، إلى رفع مقام أمة الإسلام في أعلى قمة، وصارت وفود ملوك ذلك الزمان تتسابق إلى بلاط السلطان بيبرس تطلب التحالف معه، مثل ملوك الحبشة والقسطنطينية وصقلية، وعدد من ملوك أوربا، وبعض ملوك آسيا.