لعل أهالي غزة يستحقون لقب أعجوبة العالم في ظل ما يعيشونه من واقع يفتقر إلى مقومات العيش، فمع الحصار الذي يشتد ككماشة تحتبس بين فكيها قطعة هشة من خشب مهترئ، تقبض عليها شيئاً فشيئاً مفتتة إياها غير مبالية بما يتساقط من ذراتنا، هنا غزة حيث الجوع لطفل لم يبلغ الرابعة، يركض وراء والده الذي هرب من تأنيب ضميره وهو يجد نفسه أباً غير قادر على توفير لقمة العيش لصغاره، أو حتى سيدة باكية ليلها وخائفة نهارها على طفلها الذي نهشه المرض وما من علاج في مستشفيات غزة، وحتى الشباب الذين تحطمت أحلامهم على مقصلة البطالة، أما الحروب وما احتوته من جنون النار والدخان وأزيز الرصاص ووقع القذائف في كل صقع فاسأل الأعوام الخوالي والأيام الجاريات عن شهداء بالآلاف وجرحى هم أكثر من ربع سكان القطاع، وهنا حيث اللاأمان اللاستقرار اللاصحة واللاكهرباء وكثير من اللا كما كثير من التعجب والاستفهام؟! بكيف يحيا هؤلاء؟! وما الذي يصبرهم على احتمال المكوث في غزة؟

عندما نتحدث عن غزة فنحن نتحدث عن عقيدة دينية إسلامية وردت في أسانيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن ابن عباس  رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَوَّلُ هَذَا الأَمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكاً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ إِمَارَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَتَكادَمُونَ عَلَيْهِ تَكادُمَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ جهادِكُمُ الرِّبَاطُ، وَإِنَّ أَفْضَلَ رباطِكُمْ عَسْقَلانُ»[1]، وغزة كانت على مر العصور تابعة لعسقلان الملاصقة لها حتى إنه كان يطلق عليها اسم «غزة عسقلان»، فالمتأمل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعلم قدر هذه الأرض وأجرها ومكانتها في الإسلام، فكم من صالح فهم المقصد فلزم ساحل عسقلان مرابطاً كأبي ريحانة الأزدي رضي الله عنه، وكم من عالم ارتحل إلى عسقلان لينال شرف الرباط فيها كالإمام سفيان الثوري الذي رابط على ساحل عسقلان أربعين يوماً، وكالإمام عطاء بن رباح الذي جعل له في كل عام أربعين يوماً يرابط فيها على ثرى عسقلان، ومنهم من مات فيها مرابطاً كعمر بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

فبرغم الآلام والمواجع التي أقضت المضاجع وأحرقت الأفئدة، إلا إن حقيقة إدراك أهل غزة لعظيم أجر الرباط بشكل عام وعظيم أجر الرباط في هذا الساحل بشكل خاص يوقر في قلوبهم أنهم على ثغر من ثغور الإسلام يتذكرون عظيم أجره في ظل عظم البلاء، فغزة آسرة للأفئدة بأجر رباطها وذكرها في عقيدة الأمة، فهذا الإمام الشافعي المولود في غزة وبالتحديد في حي الزيتون فيها والذي قدم مئات الشهداء في الحرب الأخيرة يخرج طالباً للعلم ولا ينسى غزة وحبها وقد قال رحمه الله أبياتاً تبين مدى تعلقه بها:

 وإني لمشتاق إلى أرض غزة‏

وإن خانني بعد التفرق كتماني‏

سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها‏

كحلت به من شدة الشوق أجفاني

وقد نجح أهل غزة بتمسكهم بالرباط في هذه الأرض قهراً لعدوهم في تفنيد الأكاذيب الصهيونية بمقولتهم: «الكبار يموتون والصغار ينسون»، ففي مسيرات العودة التي خرج بها أهل قطاع غزة بالآلاف أثبتوا أن الكبار لم يموتوا والصغار لن ينسوا، وأن المراهنة الصهيونية على الذاكرة الفلسطينية غير مجدية كذا المراهنة الصهيونية على الذاكرة الصهيونية نفسها بأن هذه أرض صهيونية قد تحطمت بالوقائع الدينية والتاريخية التي عززها بقاء الفلسطيني في أرضه. 

فالرباط يعرّف بأنه «الإقامة بثغر من ثغور المسلمين تقوية لهم»، ويُسن الرباط في الثغور خوفاً من اقتحام العدو بلد المسلمين، وأجره عظيم، وإذا تعين على أناس وجب عليهم، أي إذا لم يوجد غيرهم فيجب عليهم ذلك، وعلى ولي الأمر أن يجعل على الثغور جنوداً أقوياء ليحفظوا الحدود، وليس هذا فحسب فالرباط يشمل المجاهد وغيره إذا ما اقترنت النية، فالرباط وتطبيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  هما الباعث على مكابدة الحصار والبقاء في غزة؛ فيا أهل غزة صموداً وفداء، يا أهل غزة صموداً وفداء، وهنيئاً لكم عظيم أجر الرباط بإذن الله.

 

 


 


[1] سلسلة الأحاديث الصحيحة (7/803). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عَامَّةُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ فَضْلِ عَسْقَلَانَ والإسكندرية أَوْ عَكَّةَ أَوْ قَزْوِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا يُوجَدُ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَهُوَ لِأَجْلِ كَوْنِهَا كَانَتْ ثُغُوراً؛ لَا لِأَجْلِ خَاصِّيَّةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَوْنُ الْبُقْعَةِ ثَغْراً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ ثَغْرٍ: هُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لَهَا، لَا اللَّازِمَةِ لَهَا؛ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ أَوْ دَارَ كُفْرٍ، أَوْ دَارَ حَرْبٍ أَوْ دَارَ سِلْمٍ، أَوْ دَارَ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ دَارَ جَهْلٍ وَنِفَاقٍ؛ فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سُكَّانِهَا وَصِفَاتِهِمْ (مجموع الفتاوى 27/ 53).

وقال أيضا: وَأَمَّا عَسْقَلَانُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَغْراً مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ صَالِحُو الْمُسْلِمِينَ يُقِيمُونَ بِهَا لِأَجْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَكَذَا سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي مِثْلُ هَذَا الْجِنْسِ، مِثْلُ جَبَلِ لُبْنَانَ والإسكندرية وَمِثْلُ عبادان وَنَحْوِهَا بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَمِثْلُ قَزْوِين وَنَحْوِهَا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ ثُغُوراً؛ فَهَذِهِ كَانَ الصَّالِحُونَ يَقْصِدُونَهَا؛ لِأَجْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (مجموع الفتاوى 27/ 141).

وبتقدير صحة الحديث؛ فإنه يدل على فضل الرباط بعسقلان مطلقاً، وكذا غزة؛ لأنها كانت تابعة لها كما تقدم، وكأن في ذلك إشارة إلى أنها تبقى ثغراً، زماناً طويلاً.