تعد الممرات البحرية من أهم معاملات القوة لدورها الإستراتيجي والأمني في حفظ أمن النظام الدولي والإقليمي، فهي الداعم الأكبر لحسم الصراعات والتحكم الإقليمي والدولي، من هذا المنطلق تكتسب منطقة القرن الإفريقي أهمية بالغة لأنها تمثل أهم الممرات البحرية على الصعيد الإقليمي والدولي، كما تمثل منطقة القرن الإفريقي أهم عوامل التوازن والاستقرار الإقليمي، لما لها من موقع جغرافي مميز وأهمية إستراتيجية وعسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة بحكم إطلالها على البحر الأحمر والمحيط الهندي. وتأتي أهمية المنطقة إستراتيجياً بحكم قربها من مضيق باب المندب المتحكم في البحر الأحمر من ناحية الجنوب، لذا كانت وما زالت مطمعاً لكل القوى الخارجية الطامعة في البحر الأحمر والشرق الإفريقي ككل.

تعرضت منطقة القرن الإفريقي لموجات الاحتلال الأوربي التي سيطرت على المنطقة خلال القرن الماضي، وذلك لأسباب الموقع والممرات المائية والمواد الخام والموارد البشرية والدين وغيرها، حيث تنافست عليها ثلاث قوى رئيسية هي: إيطاليا، وبريطانيا، وفرنسا.

وما لبثت أن تحررت من الاحتلال القديم حتى ابتليت باحتلال جديد هذه المرة لم يعتمد على قوته العسكرية بل على النفوذ السياسي والاقتصادي، في ظل تنافس وتكالب دولي على المنطقة برغم ما تعانيه من فقر وتعرضها لمجاعات على فترات متتابعة، تمثلت صورته في إنشاء عدد من القواعد العسكرية بها غير التواجد من قبل القوات الإثيوبية والكينية والرواندية تحت مظلة قوات حفظ السلام الإفريقية.

أهمية منطقة القرن الإفريقي:

القرن الإفريقي هو ذلك الجزء من اليابسة الواقع في شرق القارة الإفريقية غرب البحر الأحمر وخليج عدن ويحده المحيط الهندي جنوباً على شكل قرن ممتد في الخليج الهندي ومن هنا جاءت التسمية، وهو بهذا المفهوم يشمل أربع دول هي الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، وأرى إضافة كينيا لهم لقربها منهم جغرافيا وللتداخل العرقي والإثني وتشابه البيئة.

 يطل القرن الإفريقي على الخليج العربي مباشرة وخليج عدن وباب المندب، كما أنه هو الطريق الوحيد الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. ويطلق على هذه المنطقة أيضاً شبه الجزيرة الصومالية، وتتداخل سياسياً واقتصاديا وأمنياً مع منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، كما يعتبر القرن الإفريقي المدخل الوحيد لإفريقيا من جهة الشرق.

أولاً: أهمية الموقع الجغرافي:

جاء التكالب الدولي على هذه المنطقة في المقام الأول بسبب موقعها المتميز على الخريطة الجيوسياسية فهذه المنطقة تتمتع بمنافذ بحرية متميزة سواء كانت في البحر الأحمر أو بموقع خليج عدن والمحيط الهندي، وهي بهذا الوضع تعد أهم منفذ تجاري على مستوى العالم عن طريقه يتم نقل النفط الخليجي إلى دول العالم، وغيره من السلع التجارية الأخرى، كما أن هذا الموقع يتيح السيطرة على البحر الأحمر عن طريق التحكم في مضيق باب المندب.

كذلك عن طريق هذه المنطقة يمكن السيطرة على حركة التجارة العالمية، فضلاً عن المرور الهام لأي تحركات عسكرية قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة الخليج والعكس.
كما تمثل الأهمية الجغرافية للمنطقة لاتصالها جغرافيا بمنطقة حوض النيل ذات الأهمية الكبرى، واتصالها أيضاً بمناطق ودول الشرق والوسط الإفريقي،فهي المتحكمة بمنابع النيل لوجود منابع النيل في دولة إثيوبيا.

هذا الموقع الجغرافي للقرن الإفريقي يجعله يقع في منطقة ذات خصوصية كبيرة علي المستوى العالمي، حيث يربط بين ثلاث قارات: إفريقيا، وآسيا، وأوربا، كذلك حدوده الممتدة لمسافات طويلة سهلت من اتصاله مع جميع مناطق العالم.

ثانياً: الأهمية الإستراتيجية:

تتخطى الأهمية الإستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي البُعد المحلي والإقليمي لتتبوأ مكانة على مستوى دول العالم، مما أبرز أهميتها وتأثيرها على إحداث التوازن والاستقرار لدول المنطقة والعالم ككل، تنبع هذه الأهمية ليس من الموقع الجغرافي فقط بل أيضاً مما تتميز به المنطقة من الخصائص الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، الحضارية.

    وبرز هذا الدور الإستراتيجي للمنطقة عندما تأثرت الكثير من الدول على مستوى العالم من ظاهرة القرصنة التي ظهرت في المنطقة طوال العقد الماضي، والتي جعلت هذه الدول تنتفض لتزود عن مصالحها الإستراتيجية وحماية طريق التجارة وناقلات النفط، كما برزت الأهمية الإستراتيجية تأثراً بالعنف المسلح بين القبائل والإثنيات في المنطقة، وكذلك الدول، وعنف الجماعات المسلحة في الصومال وغيرها.

وبدا للعيان تأثر الدول عندما تتعرض المنطقة لعدم الاستقرار، وخاصة عند تعرض الممرات المائية للاعتداء، وذلك لارتباط البعد الجغرافي بالإستراتيجي في تلك المنطقة الحيوية، لذا اصطلح على إطلاق مصطلح الأهمية الجيوإستراتيجية على تلك المناطق التي تنبع أهميتها من موقعها الجغرافي.

ويكتسب أيضاً القرن الإفريقي أهميته الإستراتيجية من كون دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، المتوجهة إلى أوربا، والولايات المتحدة. كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية، قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة، في اتجاه منطقة الخليج العربي.

وتتضح الأهمية الإستراتيجية للمنطقة لأنها منطقة اتصال مع الخليج العربي الغني بالنفط، فالموانئ وحاملات النفط والغاز والاتجار بالبضائع والأسلحة وعبور الأشخاص تمر من خلالها.

ثالثاً: الأهمية السياسية:

تعتبر المنطقة منطقة نفوذ وتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، فإثيوبيا كونها أحد محاور القرن الإفريقي والقوة الناهضة به، والتي تملك أكبر قوة عسكرية تفتقد لأي منافذ بحرية على الممرات المائية وبالتالي فهي تعتبر القرن الإفريقي طوق نجاة لها وامتدادها البحري، وهي تتعمد التواجد العسكري في الصومال لضمان امتيازاتها برغم انقضاء الداعي لتواجدها، وتستفيد من ذلك بإبراز الهيمنة السياسية لها، وهذا أيضاً ينطبق على كينيا التي تتذرع بحماية حدودها ومحاربة الإرهاب الذي ضرب أراضيها منطلقاً من الصومال، من هذا المنطلق فإن هذه القوى تخفي مطامعها السياسية والإستراتيجية تحت غطاء عسكري وذريعة محاربة الإرهاب المتمثل في حركة الشباب الصومالية.

أما التنافس الدولي بغرض الهيمنة السياسية فهو لم ينقطع عن المنطقة، قديماً وحديثاً، فأمريكا القوة العالمية تعد المنطقة منطقة نفوذ لها، غاية ما في الأمر هو ظهور لاعبين جدد مثل الصين وتركيا وإيران والكيان الصهيوني.

تدخل أمريكا في صراع مع الصين من أجل وقف نفوذها وحصارها حتى لا تتمدد، أما الصين فاستطاعت أن تمد جذوراً قوية من التواصل في إثيوبيا والصومال وجيبوتي.

وتركيا التي تحاول استعادة جزء من إرثها العثماني وإثبات قوتها وعلاقاتها فهي تتواجد في الصومال بقوة، ولها علاقات مع جيبوتي وإثيوبيا.

أما إيران فتسعى ليكون لها نفوذ في المنطقة الحيوية سعياً لبسط هيمنتها انطلاقاً من ركيزتها في اليمن وهي مليشيات الحوثي الشيعية التي سيطرت على مساحة كبيرة من اليمن بمساعدة إيران، لذا تطمع إيران أن يمتد نفوذها للقرن الإفريقي وبالتالي السيطرة على باب المندب، وحتى تتمكن من حصار وخنق دول الخليج العربي، وقد كانت لها محاولات لبسط نفوذها على باب المندب من خلال الحوثيين لكنها باءت بالفشل، وهي بالتالي ستتصادم مع مصر والسودان.

أما الكيان الصهيوني فهو يعد المنطقة صمام أمان له فالبحر الأحمر بحر عربي لذا ففي أي صراع يمكن خنقه عن طريق غلق الممرات المائية، لذا سعى الصهاينة لإيجاد مجالٍ حيوي في تلك المنطقة الحيوية، فأسسوا وجوداً عسكرياً وأمنياً كما طوروا من علاقاتهم السياسية مع بعض أنظمة تلك المنطقة وخاصة النظام الإثيوبي والإريتري.

وسعى الكيان الصهيوني أيضاً ليكون له أدوات سياسية من خلال القضايا الهامة المطروحة في المنطقة مثل قضية الإرهاب والقرصنة بهدف البقاء في المنطقة، تحت ذريعة محاربة الإرهاب والقرصنة، واستطاع عمل اتفاقات عسكرية لتدريب وتسليح جيوش هذه الدول، غير الاتفاقات الاقتصادية والأمنية، وبالتالي كسب نفوذاً كبيراً للمؤسسة العسكرية بل والهيمنة على المنطقة.

 كما دعم الكيان الصهيوني إثيوبيا في إقامة السدود المائية على نهر النيل لتقليل حصة مصر وخاصة سد النهضة الذي ما زال نقطة خلاف بين مصر وإثيوبيا.

من خلال هذه المعطيات تستطيع أي قوة فرض هيمنتها السياسية على دول المنطقة والدول المجاورة في المحيط الإقليمي من خلال فرض سيطرتها على القرن الإفريقي.

الأهمية العسكرية:

مما سبق يتضح مدى الأهمية العسكرية للمنطقة، فهي بممراتها المائية وموقعها الجغرافي الفريد تستطيع أي قوة من خلالها بسط نفوذها على مناطق شتى كالجزيرة العربية ودول حوض النيل والسيطرة على البحر الأحمر وغلقه متى أرادت عن طريق مضيق باب المندب.

لذا أصبحت المنطقة جاذبة للقوى الدولية لعمل قواعد عسكرية بها، ووجدت الاستجابة من دول المنطقة الضعيفة والفقيرة نظير امتيازات تحصل عليها، ونظير دعم النظم السياسية بها. فتسابقت دول مثل أمريكا وفرنسا صاحبة أقدم قاعدة عسكرية، والصين وتركيا، حتى اليابان التي لا تسعى لأي نفوذ سياسي غير حماية تجارتها الخارجية.

أهم القواعد العسكرية:

فرنسا: احتلت جيبوتي منذ عام 1850م وما زالت تحتفظ بأقدم قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، قاعدة «فورس فرانسيس جيبوت» بالقرب من طريق «دودا» المتفرع من شارع مطار «أمبولي»، حيث يتمركز نحو 900 جندي، مقابل عقد إيجار بقيمة 34 مليون دولار سنوياً، برغم استقلال جيبوتي عنها، وهي تعد أهم قاعدة عسكرية فرنسية في القارة الإفريقية، مهامها: تأمين حركة التجارة عبر مضيق باب المندب، وحماية جيبوتي من أي اعتداء خارجي أو داخلي، على غرار القضاء على التمرد عام 2001م.

أمريكا: تملك أمريكا أهم هذه القواعد وأكبرها في المنطقة، في جيبوتي، حيث يتواجد بها أكثر من أربعة آلاف فرد ما بين عسكري ومدني، وكانت قد أنشأتها واشنطن بعد هجمات 11 سبتمبر. كما تملك أميركا عدة قواعد عسكرية سريّة في دول القرن الإفريقي وجوارها، ففي كينيا هناك قاعدتا مومباسا ونابلوك البحريتان، وفي إثيوبيا توجد قاعدة أربا مينش الجوية للطائرات بدون طيار منذ عام 2011م، ومهمتها الاستطلاع والتجسس في شرق إفريقيا. إلا إنّ القاعدة الأميركية بجيبوتي هي الوحيدة المعلن عنها من قبل واشنطن، وقد تم تمديد بقاء هذه القاعدة الأميركية إلى سنة 2025م بكلفة تناهز 60 مليون دولار سنوياً.

الصين: أقامت أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي سنة 2016م، في موقع يحتل مكانة إستراتيجية كبرى، لإعادة تزويد السفن البحرية المشاركة في مهام حفظ السلام والمهام الإنسانية بالوقود، خاصة قبالة سواحل اليمن والصومال، والاتفاق يضمن وجودها العسكري حتى سنة 2026م، بقوة عسكرية تصل إلى 10 آلاف جندي، ومن مهام القاعدة المراقبة، وحفظ السلام، وتقديم المساعدات الإنسانية في إفريقيا وغرب آسيا، والتعاون العسكري والتدريبات المشتركة وإجلاء وحماية الصينيين في الخارج، وعمليات الإنقاذ الطارئة وتأمين الممرات البحرية الإستراتيجية.

تركيا: سعت تركيا لتعزيز وجودها عبر الصومال حيث كثفت من تدخلها الاقتصادي والإنساني، وعززت وجودها عام 2017م بافتتاح أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها جنوب العاصمة مقديشو لتدريب عشرة آلاف جندي حكومي صومالي، كما حصلت على امتياز تطوير جزيرة سواكن السودانية على البحر الأحمر مما سيعزز من وجودها ونفوذها في القرن الإفريقي، ويساعد في التقدم في مجال تسويق الصناعات العسكرية التركية في المنطقة.

الكيان الصهيوني: استأجر أرخبيل دهلك بإريتريا لبناء أكبر قاعدة عسكرية له فيها، كما أنشأ قاعدة بحرية في ميناء مصوع وقاعدة تنصت استخباراتية تقع على قمة جبل على ارتفاع 3000 متر فوق سطح البحر، ويتخذ الكيان الصهيوني من الجزيرة مركزاً له للرصد والمراقبة في البحر الأحمر لمراقبة السعودية واليمن والسودان وحركة ناقلات النفط، كما أنها تعد أيضاً محطة لتشغيل الغواصات الإسرائيلية المزودة بالصواريخ النووية، التي تقوم بمراقبة حركة الملاحة عند مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر.

إيران: تسعى للسيطرة على مضيق باب المندب بجانب سيطرتها على جزء من منطقة مضيق هرمز، مما يفتح الطريق أمامها للسيطرة على اثنين من أهم المضائق في العالم، وهما باب المندب وهرمز، ليساعدها ذلك في التواجد الفعال في مياه البحر الأحمر لحصار السعودية ودول الخليج.

وهناك شكوك في أن إيران نجحت في إنشاء قاعدة عسكرية في ميناء عصب في إريتريا إلا إن السلطات الإريترية نفت وجود قواعد عسكرية إيرانية على أراضيها. وتتواجد قوات عسكرية إيرانية بالمنطقة وهي المجموعة 41 بحرية التابعة للجيش الإيراني، وهي تتكون من الفرقاطة اللوجستية «لافان»، والمدمرة «الشهيد الأدميرال نقدي»، وسفينة «تنب» للدعم اللوجستي، وتوجد من وقت لآخر ثلاث غواصات إيرانية من نوع «كيلو».

الإمارات: أنشأت قاعدة جوية لها في جزيرة ميون على مدخل المضيق وأخرى في ذباب كما وقعت عقداً لبناء قاعدة جوية شمال ميناء عصب بإريتريا وأبرمت اتفاقية مع جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها دولياً لإقامة قاعدة أخرى في ميناء بربرة، لكن مؤخراً قامت الحكومة الصومالية بإلغاء التعاقد مع الإمارات بخصوص اتفاقية تطوير الموانئ.

السعودية: أعلنت اعتزامها إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي في ظل مسعاها للقيام بدور أكبر في أمن المنطقة، حيث إنها تستشعر الخطر من الوجود والتغلغل الإيراني في المنطقة.

اليابان: تعود علاقتها مع جيبوتي إلى سبعينات القرن الماضي، لكنها لم تتواجد عسكرياً في جيبوتي إلا سنة 2009م من خلال إنشاء قاعدة عسكرية بحرية للمشاركة في التصدي لقرصنة السفن من قبل الصوماليين. وتحتوي القاعدة على ميناء دائم ومطار لإقلاع وهبوط طائرات الاستطلاع اليابانية، وتضم 600 عسكري، وينفق عليها 30 مليون دولار كعقد إيجار سنوياً.

الاتحاد الأوربي: تتمركز في جيبوتي قوة المهام المشتركة، التي شكلها الاتحاد الأوربي، والمعروفة بالعملية الأوربية لمكافحة القرصنة (أتلانتا)، بمشاركة ثماني دول هي: ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا، فرنسا، اليونان، هولندا، بريطانيا، السويد؛ بهدف تطويق جرائم القراصنة في مضيق باب المندب، ومراقبة حركة الملاحة.

مدى تأثير القواعد العسكرية على التوازن في المنطقة:

برغم الامتيازات والاستفادات الاقتصادية للدول التي تحتضن قواعد عسكرية على أراضيها وذلك لحاجتها الماسة لدعم اقتصادها، وتحتاجه بعض الأنظمة لتثبت حكمها، كما تحتاجه بعض الدول التي تعاني من العقوبات الدولية المفروضة عليها كإريتريا، والسودان (حتى أكتوبر 2017م)، كذلك تحتاج بعض هذه الدول لدعم عسكري وسياسي للوقوف في وجه غيرها من دول المنطقة، برغم كل ذلك إلا إن وجود هذه القواعد هو انتهاك للسيادة الوطنية، كما أنه يتسبب في إثارة كثير من المشاكل بين الدول المتنافسة مما ينذر بوقوع صراع في أي وقت.

ومن ناحية أخرى فوجود هذه القواعد يثير حفيظة دول الجوار وذلك لوجود حزازيات وصراعات بين دول المنطقة وبعضها، كما بين إثيوبيا وإريتريا وبين الصومال وإثيوبيا، وبين الصومال ومقاطعة أرض الصومال التي تطمح إلى الانفصال عن الصومال.

كما أنه يثير مشكلات بخصوص بعض الدول الساعية لبسط نفوذها وتطويق دول أخرى قريبة من المنطقة، كما هو سعي إيران والكيان الصهيوني.

كما أن تواجد بعض الدول غير مرحب به إقليمياً مثل تركيا المرفوضة من مصر والسعودية.. وكذلك غير مرحب بالصين من قبل أمريكا واليابان.

لذا فإن الإسراع المتزايد والتكالب على المنطقة لبسط النفوذ من خلال إنشاء قواعد عسكرية قد يكون له تداعيات مستقبلية لا تحمد عقباها، لاسيما أن الدول صاحبة القواعد العسكرية لا تكتفي بقواعدها بل تمد جذورها داخل بلدان القرن الإفريقي عن طريق الهيمنة الاقتصادية والمساعدات الخيرية وغيرها، مما حول دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال إلى دول لا تملك من أمرها شيئاً والأمر فيها للدول ذات الهيمنة العسكرية والاقتصادية.

الأهمية الاقتصادية:

تعاني هذه الدول من فقر مدقع حيث تعتمد جلها على المساعدات الخارجية، فإريتريا تعد واحدة من أكثر دول العالم اعتماداً على المساعدات الخارجية. وكذلك الصومال، أما إثيوبيا فكانت تعتمد على المساعدات الخارجية وما زالت كما كانت تصنف من أفقر دول العالم، إلا إنها في السنوات الأخيرة شهدت نمواً اقتصادياً ملموساً يعد من أسرع معدلات النمو العالمية.

أما جيبوتي فتسعى إلى الاستفادة الاقتصادية من موقعها الإستراتيجي على مضيق باب المندب عن طريق الاستثمار في اقتصاد الموانئ، وكذلك الامتيازات والتربح بالسماح بإنشاء قواعد عسكرية. وتجني جيبوتي نحو ربع مليار دولار سنوياً مقابل تأجير أراضٍ لقواعد عسكرية، وتبلغ قيمة التأجير السنوية للصين مئة مليون، واليابان ما يقارب خمسة وثلاثين مليوناً، ولفرنسا القاعدة الأقدم نحو ثلاثين مليوناً، عدا عن دول أخرى لها قواعد عسكرية فيها مثل ألمانيا وإسبانيا.

مع أن المنطقة تمتلك ثروات طبيعية هائلة، 22% من احتياطي الغاز والنفط في العالم، و25% من احتياطي الذهب، و80% من البلاتين، إضافة إلى نحو نصف احتياطي العالم من الألماس.. إلخ.

وهي تمتلك مقومات اقتصادية أخرى لا تملكها دول أخرى حيث تعد ممراً تجارياً رئيسياً لحركة التجارة الدولية، لاسيما عبر مضيق باب المندب، وتمثل حلقة الربط المائية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وطريق التجارة النفطية بين مناطق الاستخراج ومناطق الاستهلاك، لاسيما وأن نحو 40% من تجارة النفط العالمية تعبر من مضيق باب المندب.

كما تمتلك المنطقة مقومات اقتصادية أخرى بما تحتويه من موارد اقتصادية مختلفة، أهمها المياه، فالمنطقة هي التي تزود مصر والسودان بالمياه الصالحة للشرب، ذلك أن نهر النيل ينبع في جزئه الأكبر من إثيوبيا.

لذا سعت دول العالم إلى هذه المنطقة للاستفادة من مقوماتها الاقتصادية وبسط نفوذها على المحيط الإقليمي تحت ذريعة التعاون الاقتصادي والخيري، ووجدت لها للأسف مواطئ أقدام نظراً للفقر الذي تعانيه، فدولة مثل أمريكا كانت تعرقل استخراج البترول الصومالي حتى لا تخرج من كبوتها وتستقر سياسياً واقتصادياً وأمنياً مما يساعدها على الخروج من التبعية، ومؤخراً اتفقت الصومال مع الصين للتنقيب عن البترول في أراضيها.

القرن الإفريقي وفق الرؤية الإستراتيجية العربية:

الخاسر الأكبر من كل هذا التداعي والتنافس والسيطرة على دول المنطقة هو الدول العربية في شقيها الإفريقي والآسيوي، فدول مثل أمريكا وإيران والكيان الصهيوني لا تخفي أطماعها في دول المنطقة، عبر حصارها والتغلغل في إطار مساحات أمنها القومي المتمثل في البحر الأحمر عبر القرن الإفريقي، ومع ذلك فإن حجم الاهتمام والتعاون والتواجد العربي في المنطقة لا يرتقي إلى مستوى التحديات، فدول مثل مصر والسودان لا وجود لها إلا قليلاً على المستوى الاقتصادي والمشاركة في قوات حفظ السلام، وحجم التواجد السعودي مع محاولات تفعيله إلا أنه ما زال ضعيفاً، والإمارات يثار حول وجودها كثير من الشكوك لمحاولتها السيطرة لبسط نفوذها، اليمن وهي أقربها للمنطقة ترزخ تحت نار الحرب الداخلية منذ سنوات أتت على مقوماتها كدولة فاعلة.

لذا فإن الدول العربية ستكون الخاسر الأكبر إذا حدثت أي تغييرات في المنطقة وسيطرت أي دولة على مضيق باب المندب على سبيل المثال، وستفقد الدول العربية سيطرتها على البحر الأحمر الذي يعد بحيرة عربية.

لا يمكن ترك إيران والكيان الصهيوني بهذه البساطة لبسط نفوذهما في المنطقة والسيطرة على دولة مثل إريتريا التي أصبحت متنفساً للهيمنة اليهودية والإيرانية في المنطقة.

من الطبيعي أن تحول دول مجلس التعاون أنظارها إلى القرن الإفريقي (جيبوتي، الصومال، إريتريا، إثيوبيا)، وذلك سعياً منها إلى كبح جماح التمدد الإيراني.

من سلوك الدول العربية تجاه المنطقة يبدو للعيان أنها زاهدة فيها، ولا تتذكرها إلا حين تتعرض للأزمات كما حدث في الحرب الدائرة رحاها الآن بين قوات التحالف العربي والحوثيين، أو المشكلة بين مصر وإثيوبيا بخصوص سد النهضة، بينما بقيت هذه المنطقة مهملة ومنسية لسنوات، برغم ما تمثله للأمن العربي والخليجي من أهمية قصوى.

خاتمة:

يتضح مما سبق الأهمية الكبيرة لمنطقة القرن الإفريقي على المستوى الجيوإستراتيجي والعسكري والسياسي والاقتصادي، وكيف تطمع دول العالم في السيطرة على دول المنطقة، وكذلك ضعف التواجد العربي وعدم امتلاكه لأي إستراتيجيات فعالة للتواجد والتنافس مع القرب المكاني والتاريخي والديني واللغوي مع دول المنطقة.

ومع هذا التكالب والتنافس الدولي والحشود العسكرية لكثير من دول العالم في المنطقة والمناطق القريبة ينذر ذلك كله بوقوع صراع مستقبلي في هذه المنطقة ومناطق مجاورة، مما سيكون له أكبر الأثر على هذه الدول التي لن يتحمل اقتصادها المتهالك هذه المغامرات الفاشلة.