روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قائلاً: «مُرْ مَن قِبلَك بتعلم الشعر؛ فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب»[1].

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كما كان صاحب نظرية إدارية فهو أيضاً صاحب نظرية تربوية؛ نحن أحوج إلى سبرها واستقرائها وتحليلها والاسترشاد بها في عملنا التربوي. ومن ذلك حرصه رضي الله عنه على المحافظة على ثقافة العرب وأخلاقهم التي أقرَّهم عليها الإسلام واختار أهلها من بين الأمم ليكون منهم خاتم رسله صلى الله عليه وسلم  والصفوة من أصحابه، ثم تممها وسما بها إلى الكمال وأقام ما اعوجَّ منها، قال أبو عثمان النهدي: «أتانا كتابٌ من عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: أما بعد، فاتزروا وانتعلوا وارتدوا وألقوا الخفاف والسراويلات وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزي العجم، وعليكم بالشمس، فإنها حمام العرب، وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا، واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزواً، وارموا الأغراض، وامشوا ما بينها»[2].

والشعر ديوان العرب، وهو «من بين الكلام كان شريفاً عند العرب. ولذلك جعلوه ديوانَ علومهم وأخبارهم وشاهدَ صوابهم وخطئهم وأصلاً يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، وكانت ملَكته مستحكمة فيهم شأن الملَكات كلها»[3].

ولذلك يحسن بشباب الإسلام أنْ يكون لهم سماع واطلاع على عيون الشعر العربي المتقدم والمتأخر والمعاصر، لاسيما في عصرٍ شاعت فيه الأغاني وما يشبهها مما إنْ لم يكن محرماً حرمةً واضحة فهو أقرب إلى الحرام منه إلى الحلال، أو هو من المشتبهات، ناهيك عن ركاكة الأسلوب وتكسُّر الألفاظ وضعف الاهتمام بالقيم، بينما عيون الشعر العربي تُكسب سامعها الفصاحة والبلاغة ومتانة الألفاظ، كما تبعث على الأخلاق العربية الرفيعة والمبادئ الإسلامية الجليلة لما فيها من الجزالة والعمق وقوة التصوير، وهي أيضاً تحدثك عن تاريخ القوم وأيامهم.

قال أحمد بن يحيى ثعلب: «كنتُ أحب أن أرى أحمد بن حنبل، فصِرتُ إليه، فلما دخلت عليه قال لي: فيمَ تنظر؟ فقلت: في النحو والعربية. فأنشدني أبو عبد الله أحمد بن حنبل:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقلْ

    خلوت ولكن قل عَلَيَّ رقيبُ

ولا تحسبــــــنَّ اللَّه يُغفِـــــــــــلُ ما مضى

ولا أن ما تخفي عَلَيْهِ يغيـــــــبُ

لَهَوْنا عن الأيــــام حتى تتابعتْ

ذنوبٌ على آثارهـــنَّ ذنوبُ

فيا ليتَ أنَّ اللَّه يغفرُ ما مضى

ويأذن فِي توباتنا فنتـــوبُ[4]

فهذا مثال على تأثير الشعر العربي على إمام من أئمة المسلمين، كان يتمثل به ويردده لما فيه من معاني الرقابة الإيمانية الذاتية ومحاسبة النفس ومقتها في ذات الله ورجاء التوبة والمغفرة، وهو أيضاً برهان على أنَّ الشعر القيم لا يتضاد مع الوحي المنزل، وأنَّ له تأثيراً على النفس والسلوك.

حكمة الشعر الجاهلي:

عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: «ردفت رسولَ الله يوماً، فقال: هل معك من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت شيء؟ قلت: نعم، قال: هِيه. فأنشدته بيتاً، فقال: هيه. ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه. حتى أنشدته مئة بيت[5]. وأمية بن أبي الصلت أدرك الإسلام لكنه مات على الكفر ولم يؤمن. ومقصود الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم  استحسن شِعر أمية واستزاد من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، ففيه جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه، سواء شعر الجاهلية وغيره، وأنَّ المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه إنما هو الإكثار منه وكونه غالباً على الإنسان فأما يسيره فلا بأس بإنشاده وسماعه وحفظه[6]. وأنت تلحظ أنَّ إنشاد هذا الشعر قد طلبه النبي صلى الله عليه وسلم  وهو في حالة ربما احتاجت النفس فيها إلى ما ينشطها، فاختار صلى الله عليه وسلم  شعر أمية بن أبي الصلت. وليس المقصود بالإنشاد التلحين، وإنما هو رفع الصوت بالشعر[7].

وهكذا الأجواء التربوية ربما احتاجت فيها النفوس إلى ما ينعشها وينشطها، ألا فليكنْ منْ ذلك شعر يُطرب النفس ويغرس القيم في آنٍ معاً.

أليس من الحَسن أنْ يطرق آذانَ الطلبة قولُ عنترة العبسي في المروءة قوله:

هلَّا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالك

    إنْ  كنتِ جاهلةً بما لم تعلــــمي

يخبرْكِ من شهِد الوقيعـــــــةَ أنني    

أغشى الوغى، وأَعِفُّ عند المغنمِ

فهو إنْ نادت الحرب والأزمات رجالها غشيها غير حاذر ولا جبان، فإذا انجلت الحرب عن نصرٍ ومغنم عفَّت نفسه

عن ذلك المغنم، لكرم نفسه وسموها.

ويقول في معلقته المشهورة نفسها:

أَثني عليَّ بما علِمـــــــــــتِ فإنني

      سهلٌ مخالقتي            إذا لم أُظلمِ

فإذا ظُلمتُ فإنَّ ظلمي باسلٌ

      مُرٌّ مذاقتُه كطعم العلقـــمِ

فهو يتحدث عن سماحة نفسه وطيب معشره ولينه مع الناس، ما لم يقع الظلم عليه؛ فإذا وقع عليه ظلم فإنه لنْ يبقى على تلك السماحة واللين، إذ لا يقبل من كائنٍ من كان أنْ يمسَّ كرامته ويخدش وجه مكانته. وهذا معنى رائع، لولا أنَّ الإسلام جاء بأكمل منه وأهدى وهو احتمال الأذى والصبر على الظلم احتساباً لوجه الله تعالى، ولم يمانع منْ أخذ المظلوم لحقه وانتصاره ممن ظلمه، كما هو معلوم. ويبقى أنَّ اقتران السماحة بالعزة مطلب شرعي كما كان من الأخلاق النبيلة عند العرب، والتي يتغنون بها ويفاخرون بها.

ويقول في قصيدة أخرى:

لا يحملُ الحقدَ مَنْ تعلو به الرُّتَبُ

ولا ينالُ العُلَا مَنْ طبعُه الغضبُ

  إلى أنْ قال:

اليومَ تعلـــمُ يا نعمـــــــــــان أيُّ فتى

    يلقى أخاك الذي قد غره العُصَبُ

فتى يخوض غبار الحرب مبتسماً    

وينثني وسنانُ الرمـــح مختضِـبُ

إنْ سلَّ صارمَه سالتْ مضاربُــــه

    وأشرق الجو وانشقــــــت له الحجبُ

والخيلُ تشهد لي أني أُكفكفهـــا

    والطعــــن مثل شرار النار يلتهبُ

إذا التقيتُ الأعادي يوم معركـة 

   تركتُ جمعَهـــــــــم المغـــــــــرور يُنتهــــــــــــبُ

لي النفوسُ وللطير اللحوم وللــــ

      ـوحش العظـــــــام وللخيَّــــــالة السَّلَبُ

لا أَبعدَ الله عن عيني غطـــــــارفة 

    إنســاً إذا نزلوا، جنــــــاً إذا ركبـــوا

أُسودَ غابٍ ولكنْ لا نُيوبَ لهم  

  إلا الأسنَّـــةُ والهندية القضـــــــــــبُ

كم هو جميل أنْ يجد الطلبة هذه الأبيات وما إليها في أدبياتهم ومجالسهم، بشكلٍ أو بآخر. كم هو جميل أنْ تُغرس القيم النبيلة والأخلاق الكريمة على شكل أبيات تُنشد بصوت شامخ. أليست هذه المعاني مما نرجو تمثلها في شباب الإسلام؟

تفوق الشعر الإسلامي:

لما نزل القرآن الكريم تغير ميزان الشعر، بل وقف الشعر قليلاً على أعتاب الوحي مدهوشاً من هذا النظم الذي لم يسبق إليه، ومع ذلك فاق كل نظم ونثر، وأعيا كل فصيح وبليغ، ثم أفاد منه وانطلق مرة أخرى. يقول ابن خلدون رحمه الله تعالى: «ثم انصرف العرب عن ذلك [يقصد ما كانوا عليه من تنافس رؤسائهم في الشعر والبلاغة] على أوَّل الإسلام بما شغلهم مِن أمر الدين والنبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأُخرسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً. ثم استقرَّ ذلك وأُونِس الرشد من الملَّة. ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر، وحظره وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم  وأثاب عليه، فرجعوا حينئذٍ إلى ديدنهم منه»[8].

ثم ازدادت لغة المسلمين العرب من صدر الأمة حُسناً بعد تعلمهم كتاب الله تعالى وجلوسهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فأبدعت قرائحهم خيراً مما أبدعته العرب قبل الإسلام، قال ابن خلدون رحمه الله تعالى: «والسبب في ذلك أنَّ هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللَّذين عجز البشرُ عن الإتيان بمثليهما، لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسُهم، فنهضتْ طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات مَن قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسنَ ديباجة وأصفى رونقاً من أولئك وأرصف مبنى وأعدل تثقيفاً بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة»[9].

فإذا استحسنا إنشاد النافع من شعر الجاهلية فإنَّ استحساننا لإنشاد الشعر الإسلامي من باب أولى، وهو كثير واسع باتساع الدولة الإسلامية زماناً ومكاناً، وفيه من الحِكم والعِظة والحماسة والحث على كريم الأخلاق وجليل الخصال ما تنوء بتدوينه الكَتبة والجامعون، سواء كان ذلك في صدر الأمة، أو كان مما يلقى في طريق الدعوة الإسلامية قديماً وحديثاً.

فمن أمثلة شعر الزُّهديات قول أبي العتاهية:

إلهي لا تعذبني فإني 

   مُقرٌّ بالذي قد كــان مني

فما لي حيلةٌ إلا رجــــائي

    لعفوك إنْ عفوتَ وحُسـنُ ظني

وكم مِن زلةٍ لي في الخطايـــــــا 

   وأنت عليَّ ذو فضـــــــلٍ ومنِّ

إذا فكرتُ في ندمي عليهـــــا

    عضَضتُ أناملي وقرعتُ سني

يظن النــــــــــــــاس بي خيراً وإني

    لشرُّ النــــــاس إنْ لم تعـــــــفُ عني

ومن أمثلة شعر الفخر قول أبي العلاء المعري:

ألا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ

    عفـــــــافٌ وإقــــــدام وحــــزم ونائـــــــــــلُ

تُعدُّ ذنــــــــــــــــوبي عند قومٍ كثيــــــرة 

   ولا ذنبَ لي إلا العُلا والفضائلُ

وإني وإنْ كنتُ الأخيــــــرَ زمانُه

    لآتٍ بمـــــــا لــم تستطعْــــــهُ الأوائــــــــلُ

وأَغدو ولو أنَّ الصباحَ صوارمٌ 

   وأَسري ولو أنَّ الظــــلامَ جحافـــلُ

وإني جـــــــــوادٌ لم يُـحـــــــلَّ لجامُــــــه 

   ونصْلٌ يمـــــان أغفَلتْـــــــهُ الصياقـــــــلُ

إلى آخر ما قاله من أعذب الشعر، وهي قصيدة تستحق أنْ يحفظها شباب الإسلام اليوم، لتكون كالجرس المنبه يذكره دوماً بأنَّ له شأناً في هذه الحياة.

ومن أمثلة شعر الحكمة قول بشار بن بُرد:

إذا كنتَ في كــــل الأمور معاتباً

صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبُــــــــــه

فعِشْ واحـــداً أو صِلْ أخــاك فإنــــه

مقــــــارفُ ذنبٍ مرةً ومـجانبُـه

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى

ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربُه

ومَن ذا الذي تُرضى سجاياه كلهـــــا

كفى الـمــــرءَ نُبلاً أنْ تُعــــدَّ معايبُــه

ومِن أمثلة شعر الحماسة قول المتنبي:

وقفتَ وما في الموت شكٌ لواقـــفٍ

كأنك في جفن الردى وهو نائمُ

تـمــرُّ بك الأبطـــالُ كلمَى هزيـمــــــةً

ووجهُك وضاحٌ وثغــــرك باســـــــــــمُ

بضربٍ أتى الهامات والنصر غائب

وصار إلى اللبات والنصر قـــــادم

نثرتــهــــــــمُ فــق الأُحيــــدب نثـرة

    كما نُثرت فوق العروس الدراهم

كما أنَّ ثمة قصائد تستحق أنْ تحفظ بكاملها، لما فيها من الحكمة والحماسة، كقصيدة صفي الدين الحلي التي يمدح فيها الملك الصالح، وجاء في مطلعها:

لا يمتطي المجدَ مَن لم يركب الخطَرا

ولا ينالُ العُلا مَن قدَّم الحَذرا

فمثل هذه الأبيات والقصائد من أعذب الشعر ومن عيونه مما يحسن أنْ يطرق أسماع الطلبة ويزاحم ما امتلأت به أسماعهم من رديء القول وسفساف المعاني.

حفاظاً على هويتنا:

في أدبنا الإسلامي المتقدم والمتأخر والمعاصر مادة وافية لهذه الأغراض الشعرية وتعد متممة مفيدة في غرس قيمنا التربوية، ما عدا أغراض الغزل والرثاء فإنها تهيج العاطفة دون معنى مستفاد في محاضن التربية، إلا إذا استثنينا ما تضمن فخراً كالقصيدة التي رثا فيها أبو تمام القائدَ محمد بن حميد الطائي، والتي جاء في مطلعها:

كذا فليجلَّ الخطب وليفدح الأمرُ

فليس لعين لم يفض ماؤها عُذرُ

ومهما يكن؛ فإنَّ للطالب أُذناً تطرب لما تسمع وتتأثر بما يُلقى عليها، وإنَّ مرور هذا النمط من أشعار العرب على أُذنه سيكون له أثر عميق على مدى الزمن، إذ تستدعي ذاكرته في المواقف المختلفة ما يناسبها من هذا الشعر الذي قد مرَّ عليه وحفظه أو يذكر معناه، فيكون باعثاً له على فعل الخير مانعاً له عن فعل الشر، وبهذا - إضافة إلى الرصيد الإيماني - يكون قد أوجد لنفسه من التحفيز الذاتي ما يغنيه عن كثير من التوجيه والمتابعة.

كما أنَّ ذلك سيكوِّن للطالب ذائقة أدبية ولغة فصيحة ومخزوناً جيداً يستفيد منه في قادم الأيام، حين يتربع على كرسي التأثير والتوجيه.

وليس لزاماً أنْ يتم ذلك عبر برامج مقصودة فقط، بل يضاف إلى ذلك تضمين مقالنا وتوجيهنا ومواقفنا بأبيات الشعر النافعة، وإذا أحب الطلبة أستاذهم فإنه سيسهل عليهم تشرب ألفاظها ومعانيها، وهذا يتطلب أنْ يتزود المعلم بمخزون كافٍ من الشعر العربي.

إنَّ شباب الإسلام اليوم يتعرض إلى موجات مسخٍ تستهدف هويته، وإنَّ طرق هذا الباب سيفتح لنا أُفقاً واسعاً في حفظ الهوية والثقافة العربية التي أقرها الإسلام وجاء متمماً ومكملاً لها.


 


[1] العمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رَشِيق القيرواني (ت 463هـ) 1/29.

[2] السنن الكبرى للبيهقي 10/25 كتاب السبق والرمي، باب التحريض على الرمي ح19738.

[3] مقدمة ابن خلدون 1/785.

[4] تاريخ بغداد 6/448.

[5] أخرجه مسلم 4/1767 كتاب الشعر ح2255.

[6] شرح النووي 15/12.

[7] انظر: لسان العرب 3/422.

[8] المقدمة 1/804.

[9] المقدمة 1/798.