في شهر شوال من العام الثالث من الهجرة وقعت غزوة أحد، حيث أرادت قريش أن تمسح عار الهزيمة التي منيت بها في بدر الكبرى، فعزمت على استئصال المسلمين والقضاء على الإسلام قبل أن ينتشر نوره في ربوع الأرض وساعتها تسقط الهيمنة الشركية ويكون الدين لله، وهذا ما يقلق أسياد قريش الذين لا يريدون تحقيق العدالة في أرض الله؛ لأن ذلك سيساوي بينهم وبين عامة الناس، فيصبح الجميع سواسية كأسنان المشط.

إن غزوة أحد مليئة بالدروس والعبر المهمة للأمة كلها، وهذا يحتم على العلماء، والمفكرين والمثقفين وغيرهم أن يقفوا وقفة واعية عند هذه الدروس والعبر؛ كي تكون لهم منهجاً ومسلكاً، ومن أهم الدروس والعبر في هذه الغزوة:

الأعداء يهابون المسلمين ويخشون لقاءهم:

جمع الأعداء في غزوة أحد قريباً من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا! وهذا يظهر الخوف الذي في قلوبهم، وأنه كلما قوي المسلمون إيماناً واتباعاً للمنهج الإلهي لن تستطيع قوة على الأرض أن تنال منهم، والأعداء يعلمون ذلك جيداً؛ من أجل ذلك يحاولون - بكل ما يملكون - أن يجعلوا الأمة الإسلامية غثاء كغثاء السيل، وللأسف فقد حقق العدو ما أراد، وحرشوا بين المسلمين وجعلوهم يتقاتلون ويسفك بعضهم دماء بعض دون رحمة، وأعداؤنا يقفون وقفة المتفرج، يتلذذون بأشلاء الأطفال ودماء الشباب والشيوخ، وبالخراب الذي حل بالمسلمين.. فمتى نفيق ونكون يداً واحدة، فإن يد الله مع الجماعة وإن الشيطان مع من فارق الجماعة[1].

المكانة النبوية لا تمنع المشاركة والمشاورة:

رسولنا صلى الله عليه وسلم  يوحى إليه ورأى رؤيا ظاهرها أن هناك أحداثاً جساماً سيتعرض لها المسلمون في غزوة أحد، وأن بقاء المسلمين في المدينة هو الأفضل، وبرغم ذلك شاور صلى الله عليه وسلم  أصحابه فأشار عليه عدد منهم بالخروج لقتالهم، بينما أشار عليه بعضهم بالتحصن في المدينة، إلا إن الغالبية تحمست لفكرة الخروج لملاقاة الأعداء، فنزل صلى الله عليه وسلم  على رأي الأغلبية احتراماً للمشورة وإرساء لمبدأ التشاور في الأمة، فالمشورة واجبة؛ لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. والمشورة من صفات المؤمنين، وقد جاءت هذه الصفة بين أعظم ركنين بعد الشهادة، الصلاة، والزكاة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].

وقد كان صلى الله عليه وسلم  القدوة الحسنة في تنفيذ هذا الأمر الإلهي، وأصحابه، والأمة كلها تشهد بذلك، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله[2]. وكان صلى الله عليه وسلم  إذا شاور وعزم على الأمر لا يتراجع ولا يتردد، فعندما شاور أصحابه ولبس لأمته وعزم على الخروج للقتال قال له بعض الصحابة: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله»[3].

المنافقون هم أساس البلاء في كل زمان:

عندما جهز صلى الله عليه وسلم  الجيش، رجع زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول من منتصف الطريق بثلاثمئة مقاتل، وبقي سبعمئة مقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو مسلك أهل النفاق في كل عصر، فهم لا يبحثون إلا عن مصالحهم، وهدفهم الأساسي تخذيل المسلمين والعمل على تفريق شملهم وإضعاف وحدتهم، فهم العدو الحقيقي للأمة المسلمة، فالحذر منهم واجب؛ لذا قال عز وجل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: ٤].

تنقية صفوف المسلمين من المنافقين فضل ونعمة من الله:

في أغلب الغزوات التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم  ضد أعدائه نرى انسحاب المنافقين من الجيش، وقد يظن البعض ذلك الانسحاب شراً على المسلمين، والحقيقة خلاف ذلك؛ لأن تنقية صفوف المسلمين من المنافقين فضل ونعمة من الله.

فلو خرج المنافقون للجهاد لنشروا الاضطراب في الصفوف والشر والفساد، ولأسرعوا السير بينكم بالنميمة والبغضاء، يبغون فتنتكم بتثبيطكم عن الجهاد في سبيل الله[4]، وهذا ما بينه الحق لنا، قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِـمِينَ} [التوبة: 47]. فالمنافقون أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا عقول، لا فائدة منهم كما لا يستفاد من الخشب المسندة إلى الجدران دون انتفاع بها، قال تعالى: {وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: ٤].

التجهيزات العسكرية تحتاج إلى فن القيادة والإدارة:

الروح الإيمانية وإن كانت مطلوبة وضرورية فإنها وحدها لا تكفي؛ من أجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم  في حالة استعداد كامل لتأمين الجبهة الداخلية والخارجية للدولة، ولقد رأينا ذلك من خلال سيرته وغزواته، وفي غزوة أحد يؤمن صلى الله عليه وسلم  المدينة والجيش والناس داخل المدينة وينزل في الشِّعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وأمر بعدم القتال حتى يأمرهم، ثم أمّر على الرماة عبد الله بن جبير، وعددهم خمسون رجلاً، فقال لهم: «احموا ظهورنا، إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا»، ولبس النبي صلى الله عليه وسلم  درعين في هذه المعركة، فالرسول صلى الله عليه وسلم  المؤيد بالوحي يعلّم الأمة أن التجهيزات العسكرية وأخذ الاحتياطات عامل أساسي في المعارك، وهذا الاستعداد يحتاج إلى حسن إدارة من القادة، وحسن طاعة من أفراد الجيش حتى تؤتي المعارك ثمرتها، وهذا ما رأيناه في غزوة أحد، فعندما التزم المسلمون بالأوامر النبوية انتصروا، وعندما حدثت المخالفة كانت الهزيمة.

الأمن الإلهي لا غنى عنه للمؤمن:

مهما أحاط الإنسان نفسه بالأسباب البشرية فإنه محتاج للحماية والأمن الإلهي، فقد أصاب المسلمين التعب في غزوة أحد فأحاطهم سبحانه وتعالى ببعض مظاهر لطفه وأنزل على طائفة منهم النعاس الذي أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم، قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ} [آل عمران: 154]. والنعاس هو: الفتور في أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه، فلذلك كان أمنة لهم، لأنه لو كان نوماً ثقيلاً لهاجمهم المشركون[5].

إن العناية الإلهية إذا أحاطت المؤمن فكل المخاوف والأحداث الجثام ستصبح أمناً وسلاماً، يقول الشاعر:

وإذا العناية لاحظتك عيونها

نَـمْ فالحوادث كلّهن أمان

والأمن الرباني لا يتحصل عليه إلا أصحاب القلوب النقية والعقيدة القوية، وكذلك من اتصف بالتقوى والإحسان، قال سبحانه في كتابه العزيز: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128].

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين، وقد تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان.

يقول صاحب أضواء البيان: «وهذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق، وكرر هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: {إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقوله: {إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْـمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} [الأنفال: 12]، وقوله: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وقوله: {قَالَ كَلَّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]، إلى غير ذلك من الآيات. وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا؛ فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضاً في آيات كثيرة؛ كقوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ...} [المجادلة: ٧]، وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: ٤]، وقوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف: ٧]، وقوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ...} [يونس: 61]، إلى غير ذلك من الآيات[6].

الاتباع أمان والمخالفة والعصيان شؤم على الجميع:

إن طاعة الله ورسوله حصن أمان وأمن واطمئنان، والأحداث عبر التاريخ تثبت ذلك، والمعصية والمخالفة نذير شؤم على الأمة: {أَوَ لَـمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. وقد رأينا كيف تحول النصر في أحد إلى هزيمة بسبب عصيان الرماة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم  وما ترتب على ذلك من آثار، حيث استشهد سبعون، وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم  وشجّ رأسه، وكلم في وجنته، وكسرت رباعيته، وهذا بسبب معصية واحدة ومن البعض وليس الكل، ودون إصرار، فكيف بالمعاصي التي ظهرت في البر والبحر؟! وكيف بالمعاصي التي يجاهر بها ليل نهار؟! وبعد ذلك نسأل أنى هذا؟! فالإجابة واضحة؛ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}.

خطر الشائعات:

شاع خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم  في غزوة أحد فخارت عزائم كثير من الصحابة، وانهارت معنوياتهم، وحدث ارتباك شديد في الصفوف، وعمت الفوضى والاضطراب، وانسحب بعض المسلمين إلى المدينة وتشتت البعض الآخر في ميدان المعركة. وهذا يبين خطر الشائعات على الأمة، وأن ذلك يستوجب التصدي لها بكل ما نملك، خاصة في عصر السماء المفتوحة، حيث سرعة انتقال الشائعات، ولقد تصدى كعب بن مالك لشائعة مقتل الرسول صلى الله عليه وسلم  وصاح بأعلى صوته: «يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول الله». فكان ذلك سبباً في تماسكهم مرة أخرى.

حياة خير البرية وأصحابه نموذج عملي للعطاء والتضحيات:

من اللحظة الأولى لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم  والتضحيات والعطاءات مستمرة لم تنقطع، فالكل يبذل ماله، ونفسه، وفكره، وكل ما يملك نصرة لدين الله، ولقد تجلى ذلك في مواقف كثيرة في غزوة أحد لا يمكن حصرها عنا، ومن هذه المواقف المشرفة.

موقف سعد بن الربيع، فقد روى ابن إسحاق: «قال رسول الله من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؛ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر، فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله سلامي! وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته! وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلِص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.

تضحية أنس بن النضر: لما رأى أنس بن النضر أن قوماً من المسلمين قد ألقوا السلاح من أيديهم - عندما أشيع أن الرسول قد قتل - فقال لهم: ما بالكم قد ألقيتم السلاح؟ فقالوا: قتل رسول الله، فقال أنس: فما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، واندفع أنس بن النضر في صفوف القتال، فلقي سعد بن معاذ، فقال أنس: «يا سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد»، وانطلق في صفوف القتال فقاتل حتى قتل، وما عرفته إلا أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم.

تضحية عمرو بن الجموح: عمرو بن الجموح رجل أعرج لا جهاد عليه، لكنه سمع نداء: يا خيل الله اركبي، حي على الجهاد، وأراد أن ينطلق للجهاد في المعركة، فقال أبناؤه الأربعة: «يا أبانا لقد أسقط الله عنك الجهاد، ونحن نكفيك». فبكى عمرو بن الجموح وانطلق إلى النبي ليشتكي قائلاً: «يا رسول الله! إن أبنائي يمنعوني من الخروج للجهاد في سبيل الله، ووالله إني لأريد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «يا عمرو فقد أسقط الله عنك الجهاد، فقد عذرك الله». ومع ذلك رأى النبي رغبة عارمة في قلب عمرو بن الجموح لخوض المعركة، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم  إلى أبنائه الأربعة قائلاً لهم: «لا تمنعوه! لعل الله أن يرزقه الشهادة في سبيله». وانطلق عمرو بن الجموح يبحث عن الشهادة في سبيل الله، وقتل في المعركة. ومر عليه النبي بعدما قتل فقال: «والله لكأني أنظر إليك تمشي برجلك في الجنة وهي صحيحة.

تضحية أم عمارة نسيبة بنت كعب عندما رأت النبي صلى الله عليه وسلم  في أرض المعركة قد تكالب عليه أعداؤه من يمنة ويسرة رمت القراب التي كانت تسقي بها جرحى المسلمين، وأخذت تدافع عنه. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم  عنها: «ما رأيت مثل ما رأيت من أم عمارة في ذلك اليوم، ألتفتُ يمنة وأم عمارة تذود عني، والتفت يسرة وأم عمارة تذود عني»، وقال لها النبي في أرض المعركة: «من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟! سليني يا أم عمارة» قالت: «أسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله» قال: «أنتم رفقائي في الجنة[7].

إن هذه التضحيات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  منطلقة من روح القدوة صلى الله عليه وسلم  فهو أول من بذل وضحى من أجل دين الله والدعوة الإسلامية وأوذي في نفسه، وأهله، وماله، ودفع ضريبة باهظة جداً من أجل أن يصل نور الإسلام للعالم كله.

منزلة ومكانة الشهيد فى الإسلام:

استشهد سبعون شهيداً من المسلمين في غزوة أحد، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم  أن يدفنوا حيث استشهدوا بدمائهم وألا يغسلوا ولا يصلى عليهم. وهذا يدل دلالة واضحة على منزلة الشهيد وأنه من أرفع الناس منزلة عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنه له حالة خاصة فلا غسل ولا صلاة عليه؛ لأنه قد محيت سيئاته، وكان مع النبيين والصدقين والصالحين.. إلى غير ذلك من التكريم الإلهي له في الدنيا والآخرة.

المؤمن فى اتصال دائم بالله:

القلوب المؤمنة تحن في الرخاء والشدة إلى ربها، فهي في اتصال دائم بالله؛ لأنها توقن بقدرة من اتصلت به، وقد ظهر ذلك في التجاء الرسول صلى الله عليه وسلم  ودعائه وتعلق قلبه بالله دائماً، وقد شاهدنا ذلك في غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وفي حياته كلها، روى الإمام أحمد: «لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استووا حتى أثني على ربي. فصاروا خلفه صفوفاً فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت؛ ولا مقرِّب لما باعدت، ولا مبعِّد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك العون يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق»[8].

الاهتمام بالنهايات لا يقل أهمية عن الاهتمام بالبدايات:

كانت نتيجة المعركة في غزوة أحد محسومة للمسلمين في بدايتها عندما كان الالتزام الكامل بأوامر القيادة العليا صلى الله عليه وسلم ، ولكن عندما قل أو قصر الاهتمام في النهايات - بعد الظفر ورؤية الغنائم - ولم يكن الاهتمام كاملاً كما كان في بداية الأمر انقلبت الموازين ورأى الصحابة الهزيمة بأنفسهم؛ لذا عندما أعيد ترتيب الأوراق مرة أخرى وأرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم  قاعدة: الاهتمام بالنهايات لا يقل أهمية عن الاهتمام بالبدايات أعيدت الأمور في حمراء الأسد إلى نصابها وتحولت الهزيمة إلى نصر.

 


 


[1] صحيح ابن حبان حديث رقم 4577.

[2] مسند أحمد حديث رقم 19442.

[3] أخرجه البخاري حديث رقم 28.

[4] التفسير الميسر لمجموعة من العلماء 1/289.

 [5] التفسير الوسيط، للدكتور محمد سيد طنطاوي 1/771  بتصرف.

[6] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 2/468-469.

[7] انظر الرحيق المختوم ص296،304، 313.

[8] مسند الإمام أحمد حديث رقم 15891.