يخشى بعض الآباء والأمهات من وقوع بعض أولادهم في «الغلو في الدين» حين يرون منهم حرصاً على بعض العبادات أو تحرزاً من بعض المحرمات، وليس في قلوبهم أي نفور من الدين أو عدم قناعة به، لكنه قلق الوالد المحب لولده الذي يخشى الضرر عليه، خاصة مع ظهور بعض صور الغلو، وتأثر بعض الشباب والفتيات به.

القلق من انحراف الأولاد ظاهرة صحية، بل هو مؤشر مهم يدفع الوالد لمتابعة ولده، وتقويم سلوكه، وملاحظة الانحرافات في بداياتها الأولى ليبادر إلى تصحيحها، والغلو ظاهرة فكرية سيئة ومضرة، ومن الطبيعي أن يقلق كل مربٍ على من تحت يده أن يصيبه شيء من هذا الغلو، لكن هذا القلق حين يصل بالشخص إلى حد تنفير الولد عن بعض الطاعات، أو ترك تشجيعه عليها، أو ربما التحريض على بعض المعاصي لأجل أن يحميه من الغلو، فإن هذا الوضع قد تجاوز القلق الطبيعي للمربي إلى انحراف في التربية وتضييع لهذه الأمانة، وهو ناشئ من سوء تصور في فهم العلاقة بين التدين والغلو، ترتب عليه توهم أن التدين يؤدي إلى الغلو، وأن إضعافه صيانةٌ من الغلو، وهذا تصور ساذج في فهم الغلو، يوقع الشخص في انحرافات جديدة من دون أن تقدم أي حماية من الغلو، يتجلى ذلك بعد إدراك هذه المعاني الثلاثة:

الأول:  أن الغلو في الدين ناشئ من انحراف في الفكر والسلوك، وليس من زيادة في الحرص على التعبد:

فالغلو مبني على انحراف في طريقة التفكير تؤثر في سلوك الإنسان، وليس تديناً يزيد تدريجياً حتى يصل إلى الغلو، فغلط الوالد هنا مبني على توهم أن الغلو ينشأ تدريجياً مع الحرص على التدين، ثم يزيد حتى يقع الشخص في الغلو، وهذا خطأ في فهم مشكلة الغلو.

فحماية المتربي من الغلو تكون بتصحيح الفكر، وتقويم السلوك، وملاحظة أي انحراف فيهما، وليس للحرص على التعبد أي علاقة بمثل هذا الانحراف.

بل وحتى من يزيد في تعبده عن الحد المشروع، فيصوم النهار كله ويقوم الليل كله، فهذا تشدد منهي عنه، وسلوك مخالف للشرع، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى الغلو الذي يوقع الشخص في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم، فإذا كان هذا في التعبد غير المشروع، فما بالك بالتعبد المشروع؟

فالغلو ينشأ من خلال انحرافات فكرية وسلوكية، يجب العناية بملاحظتها لتصحيح هذا الانحراف، ومن يترك هذه الأسباب وينشغل بالتدين فهو يترك محل المشكلة ليفتح مشكلة جديدة، من دون أن يقدم أي علاج لأساس المشكلة، بما يعمقها أكثر.

ولهذا فظاهرة الغلو لا تزال محدودة بكثرة إذا قارنتها بالتدين في عموم المسلمين، فالتدين والقيام بالشعائر من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن بعدهم كان ظاهراً، وأكثر الناس يحافظون على الشعائر، ويتحرزون من المعاصي، على تفاوتٍ كبير بينهم في القيام بذلك، ومع ذلك بقي الانحراف بالتدين إلى الغلو محدوداً ومحصوراً في فئات قليلة، وتجد مثل هذا في عصرنا الحاضر كذلك، بما يعني أن الخلل لم يكن من التدين، وإلا لأصبح الأصل والغالب هو الغلو، لأن التدين كان عميقاً في مجتمعات المسلمين من فجر الإسلام.

ومن يوسع دائرة الغلو في المسلمين فيرى أنه يشمل أكثرهم، أو هو جزء من تربيتهم الأساسية، أو من أصول دينهم وقواعد تراثهم، فتوسيع دائرة الغلو هنا راجع لاختلاف التصور في مفهوم الغلو، فهو يحكم على التدين الشرعي بأنه غلو، ويرى أن جزءاً من الأحكام الشرعية هو من الغلو، وتتوسع دائرة ما يدخل في الغلو من أحكام الشرع بحسب درجة تفريط هذا الشخص وانحرافه عن الشرع، وقد يزيد عند بعض الناس حتى يحكم على الإسلام كله بأنه غلو!

إذن، لا معنى من القلق من الغلو بسبب فعل الطاعات أو ترك المحرمات، لأن الغلو لا ينشأ بسبب زيادة في الطاعة أو حرصٍ على الخير، ونسبة الغلاة في عموم المسلمين الحريصين على التدين والطاعة نسبة ضئيلة جداً، فالتفكير يجب أن يتجه إلى الانحراف في التفكير المؤدي إلى الغلو، وليس إلى التدين نفسه.

الثاني: أن التدين ضمان من الغلو وليس سبباً له:

فحقيقة الغلو أنه انحراف في التدين، فعلاج الغلو يجب أن يقوم على تعميق التدين الحقيقي للصيانة من التدين الفاسد، وليس بهدم كل تدين، فما مثل هذا إلا مثل من يمتنع عن الطعام خشية من التسمم! أو من يرفض العلاج والذهاب للمستشفيات خشية الوقوع في الأخطاء الطبية!

فهذا تفكير خاطئ، فالقلق من التسمم والأخطاء الطبية هو قلق مشروع، وعلاجه يكون بمزيد عناية بالتغذية السليمة، ومتابعة للعلاج الآمن، وليس بنقض مثل هذه الأسس الفطرية كلها!

ولهذا فأكبر ثغرتين يلج منهما الغلو هما: الجهل، والخواء الروحي:

أما الجهل: فالغلو يقوم على قواعد وسلوكيات تدعي النسبة إلى الشرع غلطاً وانحرافاً، فلا بد من علمٍ يكشف الغلط، ويوضح الانحراف، وكلما زاد الجهل في أي مجتمع سهل تمدد الغلو فيه.

والخواء الروحي: يجعل النفوس قابلة لسلوك أي تدين مهما كان فاسداً.

فعلاج الغلو لا بد أن يصحبه تربية علمية، وتدين صحيح مستقيم، حينئذٍ سيجد الغلو صعوبة في التسلل إلى بيئة يسودها العلم الصحيح، والتدين المستقيم، وأما إذا غابت أو ضعفت فمن السهل حينئذٍ أن يُستغَل الحق الموجود في التدين للنفوذ من خلاله إلى الغلو.

ولو عدت تاريخياً لأول نشوء لظاهرة الغلو في عصر الصحابة رضي الله عنهم، لوجدتَ أنه لم يتبع الخوارج أحد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من فقهاء التابعين، ولا من تربى على أيديهم، إنما تبعهم الجهلة وغوغاء الناس ممن لا علم عندهم، ولا تربية صحيحة على التدين، فكان الجهل والخواء سبباً لأن يسلكوا تديناً فاسداً يهلك الحرث والنسل.

فمنع الأولاد من التدين يسهل من مهمة تأثير الغلو عليهم من بوابة التدين الفاسد، بخلاف ما لو شجع الأب أولاده على التدين الحقيقي فحفز فيهم المحافظة على صلاة الجماعة، وقراءة القرآن، وصيام النوافل، والصدقة، والمحافظة على السنن، والامتناع عن المحرمات، وغيرها، فإن هذا يوجد تربية عميقة تتدين بالسنة وتحافظ على الواجبات وتتمسك بالمشروع، فلا يجد الغلو مساراً يستغل فيه نقص التدين لتقديم التدين الغالي.

التدين ضمان: لأنه يعزز في نفس المتربي حق الوالدين، وتعظيم الدماء، والاحتياط في حفظ النفوس، والتورع عن المشتبهات، ومراعاة المصالح والمفاسد، وتعظيم الحقوق، بما يجعل المتربي يمتلك أسساً عميقة يصعب اختراقها، وإضعافُ هذه الأسس تسهيلٌ لمهمة تمدد الأفكار المنحرفة.

فعلاج الغلو لا يستدعي القلق من التدين المشروع مطلقاً، فضلاً عن التضييق على التدين، أو محاربته، إلا من عنده مشكلة مع التدين نفسه، فيستغل الغلو لمحاربة التدين نفسه، وهذا ظاهر في عصرنا، تجد كل من عنده تصورات منحرفة يستغل نفور الناس من الغلو ليتخذه جسراً لتمرير تصوراته المنحرفة، فلا بد من قبول انحرافاته الفكرية في أي معالجة لمشكلة الغلو!

الثالث:  أن الهداية بيد الله:

فالقلوب بيد الله، {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] ، حتى أقرب الأقربين قد تقف عاجزاً عن هدايته مهما بذلت من أسباب، {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].

وهذا يذكر المسلم بأن يتقي الله ويراقبه، لا يرينَّ الله من نفسك أنك تنفّر أولادك عن طاعة، أو تحرضهم على معصية خشية من الغلو في الدين فيأتيك الله من حيث لا تحتسب.

فالواجب أن يتوكل المسلم على ربه في هداية أولاده ويبذل أسباب ذلك، ومثل هذه الطريقة ليست سبباً للهداية، بل هي سبب حرمان، ويخشى على صاحبها أن يعاقبه الله بنقيض قصده.

فالواجب على المسلم أن يقي أولاده النار: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْـحِجَارَةُ } [التحريم: ٦]، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فيبذل كل سبب يقربهم من الطاعة ويبعدهم عن المعصية، لا أن يقوم بالدور المعاكس له تماماً فيثبطهم عن الطاعة ويشجعهم على المعصية.

والقاعدة القرآنية: أن الإنسان لا يقع في الضلال والانحراف إلا بسبب ما كسبت يداه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: ٥]، {فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49].

 ويقابل ذلك: أن الطاعة سبب للحفظ والهداية: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

 فمن يسعى لحفظ أولاده من الانحراف الضال غلواً في الدين أو تحللاً منه فليسلك سبب هدايتهم بالعمل الصالح والدعاء لهم، ونصحهم، وحثهم على الخير، والصبر على ذلك، فهذه أفعال خير هي سبب للهداية والتوفيق، كما يتجنب الوقوع في الأفعال التي تسبب الانحراف ومنها الوقوع في المعاصي والتنفير من الطاعات.

تولاكم الله، وحفظ لكم فتيانكم وفتياتكم من كل انحراف، وأقر بهم أعينكم.