على المستوى الرسمي فإن الولايات المتحدة وتركيا شريكان في حلف شمال الأطلسي (الناتو) المكلف بدرجة أولى بحماية أوربا من أطماع روسيا، تلك الشراكة لم تأتِ عشية وضحاها، في عام 1964م حذر الرئيس الأمريكي ليندون جونسون من التحركات العسكرية التركية «المتهورة» التي تخطط لها تركيا تجاه قبرص. خطاب جونسون دفع رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو إلى دعوة الحكومة إلى جلسة طارئة لمناقشة الموقف الأمريكي، وهو أول صدع خطير في العلاقة بين أمريكا وحليفتها في جنوب شرق أوربا. وهي الدولة التي كانت تحمي الغرب على حدود الاتحاد السوفيتي، فكانت رسالة جونسون أول حادثة تثير مشاعر معاداة الأتراك للأمريكيين.

كان تحذير جونسون مجرد قرص مهدئ لإبقاء الجيش التركي في ثكناته لفترة وجيزة، لكن في عام 1974م غزا الجيش التركي الجزء الشمالي من جزيرة قبرص رداً على محاولة اليونان ضم  قبرص إليها. في عام 1975م فرض الكونغرس الأمريكي حظراً على توريد الأسلحة لتركيا برغم اعتراضات الرئيس جيرالد فورد، بعد رفض تركيا الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها في قبرص.

بعد ثلاثة وأربعين عاماً من الحادثة، فرض الكونغرس الأمريكي حظراً على بيع طائرة F35 إلى الجيش التركي، لكن اليوم ليس العام 1964 أو 1975م، فقد كانت المشاعر التركية مؤيدة لأمريكا بشكل كبير جداً ومعادية للسوفيت على نحو جعل من يعادي الأمريكيين يعد من اليسار المتطرف. في عام 2017م وفقاً لدراسة نشرها معهد بيو للأبحاث فإن 79% من الأتراك الذين شملتهم الدراسة لديهم رأي أكثر عداء تجاه الولايات المتحدة، مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يبلغ 39%. كانت معاداة أمريكا في تركيا أقوى من فنزويلا ولبنان وتونس وإندونيسيا وحتى روسيا.

في السابق كانت الأزمات الأمريكية - التركية أزمات فردية بعكس ما يجري اليوم، فالأزمة الحالية بين الطرفين متعددة الأبعاد وبالتالي يصعب حلها.

فقد اتهم الأتراك الإدارة الأمريكية في عهدي أوباما وترمب بتمويل الجماعات الكردية بالسلاح والمال والتدريب لإنشاء سلطة حكم ذاتي لهم على الحدود التركية شمال سوريا. كذلك تتهم أنقرة الولايات المتحدة بإيواء زعيم حركة خدمة، فتح الله غولن، ورفض تسليمه بعد أن اتهمه القضاء التركي بمحاولة تدبير انقلاب 2016م.

تتجاهل تركيا باستمرار التحذيرات الأمريكية والأوربية بشأن نشر الصواريخ الروسية من نوع S-400، وهي بذلك تصبح أول دولة في حلف الناتو تنشر هذه الصواريخ على أراضيها وبتالي ستعرض أنظمة الطيران الأوربية والأمريكية لخطر الاختراق من الاستخبارات الروسية.

تعرض مصرف «خلق» الحكومي التركي للتحقيق بتهمة مساعدة إيران في التهرب من العقوبات الأمريكية، وقامت السلطات الأمريكية باعتقال نائب مدير المصرف السيد حاكان أتيلا في مايو بقرار من إحدى المحاكم في نيويورك.

عقب إعلان الرئيس الأمريكي ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإقرار عقوبات من بينها منع إيران من تصدير نفطها إلى الخارج، رفضت تركيا الالتزام بهذا القرار معتبرة إيران «جارة وشريكاً إستراتيجياً».

تضع الإدارة الأمريكية قضية القس أندرو برونسون في مركز الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، وقد تم اعتقال القس برونسون لاتهامه بالتورط في المحاولة الانقلابية عام 2016م، وتمويل ومساعدة الجماعات الكردية المسلحة، والتجسس لصالح الاستخبارات الأمريكية، وأظهرت تركيا استعدادها لإطلاق برونسون مقابل تسليمها فتح الله غولن، لكن أزمة الرهائن بين الطرفين لا يوجد أفق لحلها على المدى القريب.

يخوض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مواجهة شخصية مع الرئيس دونالد ترمب، محاولاً اللعب على وتيرة الانقسامات الداخلية داخل الإدارة الأمريكية، وقد سعى دائماً في خطاباته إلى إثارة الأصل الديني للصراع من خلال اتهام ما وصفه باللوبي الإنجيلي الصهيوني بالتحريض على تركيا. حتى هذه اللحظة فإن المستفيد من هذه الأزمة موسكو وبكين، فلن تؤدي هذه المواجهة إلى حرب بين أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي لكنها ستبعد تركيا عن المحور الغربي.

هناك حدود أيدلوجية وجيوإستراتيجية لرغبة تركيا في الذهاب إلى تحالف غير الناتو، تركيا غير مرحب بها في الكتلة الأوروآسيوية كحليف باستثناء كونها حالة عرضية يمكن الاستفادة منها في تقسيم التحالف الغربي الذي تنتمي إليه هي نظرياً.

ووفقاً للدراسة التي أعدها معهد بيغن - السادات للدراسات الإستراتيجية حول الأزمة بين الطرفين، فإن الأخطاء التي ترتكبها الإدارة الأمريكية من خلال مواجهة أردوغان منذ 2002م جعلت تركيا تستثمر بشكل جيد «قيمة الإزعاج التركية» التي أثرت كثيراً على الكتلة الغربية. وحولت أنقرة إلى شريك قادر بشكل قوي على الابتزاز.