سبقتني إلى الجنة سبقتني إلى الجنة»، كان ذلك الشاب العشريني يرددها وهو يمسك بقدمه المبتورة جراء شعلة من حقد صهيوني أصابته أثناء مشاركته في مسيرات العودة السلمية المنطلقة بتاريخ 30/3/2018م، ولفتت تلك العبارة كل من كان بداخل قسم الطوارئ في المستشفى من أطباء ومسعفين وصحفيين وأهالي ورجال شرطة، ليظن أحد الموجودين أن ذلك الشاب قد فقد عقله فيذهب مواسياً له ولكن رد الشاب كان أدهش من عبارته تلك حيث قال: «أسأل الله تعالى أن يجعلني كزيد بن صوحان - رضي الله عنه - وأن يلحق جسدي يدي»، عندها تجسدت حقيقة أرواح هؤلاء المدافعين عن دينهم وأرضهم فعباراتهم ليست عبثاً يطلقونها ومبادئهم لم يمتشقوها إلا من عقيدة راسخة وهدف يسمو ليعلو الحق ويزهق الباطل وتصلح الأرض وتعمر، فلعل قصة زيد بن صوحان - رضي الله عنه - كانت الملهمة لذلك الشاب الذي قرأها أثناء دراسته للماجستير - كما علمنا فيما بعد -، فروي في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في سفر، فجعل يقول: «جندب وما جندب والأقطع الخير زيد» قيل: يا رسول الله: سمعناك الليلة تقول كذا وكذا، فقال: رجلان في الأمة يضرب أحدهما ضربة تفرق بين الحق والباطل، والآخر تقطع يده في سبيل الله، ثم يتبع آخر جسده أوله. قال الأجلح: أما جندب، فقتل الساحر، وأما زيد، فقطعت يده يوم جلولاء  وقتل يوم الجمل، فشباب غزة ليس طائشاً وأحلامهم ليست مفقودة إنما هو علم وعمل وأحلام في إعمار بلدهم وتقوية شوكة الجهاد ضد عدوهم لنيل النصر أو الشهادة.

وصورة أخرى من الألبوم ذاته ننقلها لكم للطفل صالح عاشور، فبعدما استطاع تحريك يده من وسط جثث الشهداء وقبل دقائق قليلة من إدخاله لثلاجات الموتى انتبه أحد من كانوا حوله أنه ما زال على قيد الحياة، فرصاصة متفجرة اخترقت رأسه وأخرجت عينيه الاثنتين ليصبح نور العينين لديه ذكرى من الماضي، ولكن نور البصيرة ازداد اشتعالاً ليستل منه عنفوانه في مواصلة الحياة وإعمار الأرض ويخبرنا بأن الإصابة ستجعله الشيخ ابن باز الجديد، على حد تعبيره!

أما الإيثار فصوره كثيرة، فكم من جريح دفع رجال الإسعاف إلى جريح آخر في وسط معمعة الرصاص والدماء والأشلاء، وكم من شاب تطوع على خطوط النار لإنقاذ ما استطاع من آمال ترميها قناصة الاحتلال بالشرر، وكم أصيب من أولئك المتطوعين ولكن سرعان ما تراه يعود مرة أخرى بهمة أقوى من ذي قبل، وكم من امرأة حملت الطعام على رأسها لتطعمه الشباب الذين تعدهم كلهم كابنها الشهيد، وكم شيخ كبير لم يجد في يده شيئاً يقدمه سوى بعض ترانيم من رائحة البلاد التي هجر منها قسراً تحت وقع الجرائم الصهيونية، وكم من إمام وخطيب علا بروعة حديثه وإلقائه الأسانيد عن بطولات الصحابة وحقيقة الدنيا وما هي الجنة حتى أصبح عطر كلامه ذلك عبقاً للأجواء المليئة بالغاز المسيل للدموع، وإذ ما جمعنا كل هذا وما لم يذكر بعد لوجدنا أنفسنا بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون الخندق.

وللعلم صولته في ساحات التماس مع العدو، فمن شذى حطين جاء النسيم فقد قال: ابن شداد الشافعي في ترجمة الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وحبه لمجالس الحديث والتحديث في مواطن الرباط، قال رحمه الله: قرئ عليه جزآن من الحديث بين الصفَّيْن، وذلك أني قلت له: قد سُمِع الحديث في جميع المواطن الشريفة، ولم يُنْقَل أنه سُمِع بين الصَّفَّيْن، فإن رأى المولى أن يُؤْثَر عنه ذلك كان حسناً، فأَذِن في ذلك، فأحضر جزأه، كما أحضر من له به سماعٌ فقرأ عليه ونحن على ظهور الدواب بين الصفَّيْن نمشي تارة ونقف تارة أخرى. فتأسياً بذلك الناصر طبق مجموعة من الشباب تلك الأعمال حيث يجتمعون في كل يوم في داخل مخيمات العودة المنصوبة أمام مرأى جنود الاحتلال ويأخذ الشباب بالتحديث بأحاديث الجهاد على أرض فلسطين، ويتدارسون تلك الأحاديث.

وصورة مشرقة أخرى نسجتها عدة مسعفات أصبن برصاص القناصة وهن بحجابهن وزي التمريض الأبيض قابضات على آلام شعبهن تداوي كل منهن الجرحى وتسعف، وإذا ما عدنا إلى الخندق من جديد فهذه الصحابية رفيدة الأسلمية - رضي الله عنها - تسعف الجرحى ويأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيداع سعد بن معاذ في خيمتها بعدما أصيب بسهم في صدره، ورفيدة هي ذاتها التي يُطلق عليها (الفدائية) لأنها كانت تدخل أرض المعركة تحمل الجرحى وتُسعف المصابين فكم من ماضٍ لأمتنا حاضر في نفوس شبابنا وشاباتنا.

قبل أن أختم المقال قف قليلاً، فذلك جعفر الطيار طار من مؤتة واصطدم بروح إبراهيم أبو ثريا الشهيد المحلق الذي ما استكان لجراحه ولبتر أطرافه التي أصيب بها قبل حوالي 10 أعوام ليعود ضاماً رايته محتضنها وممتطياً صهوة كرسيه المتحرك يقدح بالعزم والغيظ للصهاينة ليرتقي حاملاً الراية وهو بها المستحق الأجدر.

وإذا ما أردنا أن نتنقل بين صفحات ألبوم صورنا التي التقطناها خلال مسيرات العودة وغيرها من الأحداث الجارية في قطاع غزة لأصبحنا بحاجة إلى مجلدات لا مقال أو 100 مقال، فهذه الأمة الخيرة المعطاءة عرفت درب الفلاح فما غابت عنها قصص الصحابة والصالحين التي تتراءى أطيافها بين ناظري الشباب لمعاني السؤدد وماضٍ تليد لا يزال شعاعه مشرقاً آخذاً بأيدينا إلى حيث إصلاح أنفسنا أولاً ثم السير نحو رفع سارية أمتنا مجدداً.