من الآثار المروية في تاريخ الهند: «أنه أهدي لملك الهند ثياب وحلي فدعا بامرأتين له، وخيَّر أحظاهما عنده بين اللباس والحلية، وكان وزيره حاضراً، فنظرت المرأة إليه كالمستشيرة له فغمزها بعينه لتختار اللباس، ولحظه الملك، فاختارت المرأة الحلية لئلا يفطن الملك لغمزة الوزير!

ثم مكث الوزير أربعين سنة كاسراً عينه بين يدي الملك لئلا تستقر تلك الغمزة في نفس الملك، أو يظن أنها عادة للوزير أو خلق له!

فلما حضرت الملكَ الوفاةُ قال لولده: استوص بالوزير خيراً فإنه اعتذر من شيء يسير أربعين سنة»[1].

أخذتني الدهشة وأنا أطالع هذا الأثر بكتب الأدب وأُلْقِيَ في روعي كيف ارتفع الوزير في عين الملك بتعظيمه لغمزة كانت منه أراد بها النصح لحرم الملك المحظية عنده!

واستحضرت غمزاتٍ لا تحصى كانت مني بحضرة ملك الملوك سبحانه وتعالى! وكم قلَّلَ شيطاني من شأنها بأنها كانت إعلانات تظهر - يعلم الله - بغير إرادة مني، وأنِّي أحذفها متَى خرجت لي بالشبكة العنكبوتية!

فانظر كيف استعظم الوزير هذه الغمزة التي أراد بها نصح امرأة الملك! استعظاماً لجلالة الملك الذي لا يليق الغمز في حضرته!

وكيف كان استعظام الوزير لجنايته مع صغرها سبباً في وجاهته عند الملك ورفعة منزلته حتى أوصى به ابنه من بعده!

وذكَّرني هذا الموقف بقول بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ: «لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ»[2].

والسؤال: إذا كانت هيبة الملك الهندي بقلب الوزير ألزمته انكسار أربعين سنة من غمزة أراد بها النصيحة لا الخيانة! فما حجم الانكسار الذي توجبه هيبة ملك الملوك سبحانه وتعالى من غمزات لا تحصى، وزلات لا تعد؟!

لا ريب أن نظرة الإنسان للذنب تعكس حقيقة ما يكنه قلبه من الإيمان أو النفاق عياذاً بالله، كما في الأثر عن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ لَهُ: هَكَذَا فَطَارَ»[3].

ألا فإنَّ المؤمن يستعظم صغائره على قدر ما في قلبه من التوقير لله سبحانه وتعالى، وفي المقابل يستخف المنافق بعظائمه على قدر فقر قلبه من التوقير لله عز وجل!

ومن عجيب أمر المنافق أنه مع سوء غرسه يرجو أن يجني طيباً. كما قال شَقِيق: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ غَرَسَ نَخْلَةً وَهُوَ يَخَافُ أَنْ يَحْمِلَ شَوْكاً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ شَوْكاً وَهُوَ يَطْمَعُ أَنْ يَحْصُدَ تَمْراً، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كُلُّ مَنْ عَمِلَ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ لَا يَجْزِيهِ إِلَّا حَسَناً وَلَا تُنْزَلُ الْأَبْرَارُ مَنَازِلَ الْفُجَّارِ»[4].

فإن سألت المنافق عن سر انتظاره لطيب الجني مع خبث غرسه؟!

أجابك قائلاً: أحسن الظن بربي! ولله دره الحسن البصري إذ يقول: «إِنَّ قَوْماً أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ حَسَنَةٌ، يَقُولُ: إِنِّي لَحَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّي، وَكَذَبَ لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ». وفي رواية أنه قال: «وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأَسَاءَ الْعَمَلَ»[5].

فحسن الظن بالله سبحانه وتعالى يوجب توقيره واجتناب نواهيه، والعمل بأوامره سبحانه وتعالى، وأمَّا ادعاء حسن الظن به عز وجل مع التلطخ بالمنكرات ففرية صلعاء، وكذبة نكراء!

إذ مراقبة الحق سبحانه وتعالى في ما دق وجل من أعظم خصائص المؤمنين، كما قال سبحانه وتعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: ٩١]، يعني: «خطف الغمزة وسرقتها لما لا يحل النظر له عند أمن رؤية الناس، وما تسره القلوب من المعاصي التي لا يراها غيره عز وجل كالرياء، والحسد، والعجب، وغيره»[6].

وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمِ الْمَرْأَةُ، فَيُرِيهِمْ أَنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْهَا، فَإِنْ رَأَى مِنْهُمْ غَفَلَةً نَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَفْطِنُوا بِهِ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْهَا، وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهَا»[7].

كما يعلم سبحانه وتعالى ما يخفيه القلب من تمني الزنا إذا تمكن منه ولم يره أحدٌ عياذاً بالله!

وكذلك فإنَّ الله عز وجل يثيب من يعف فرجه، وبصره، وسمعه، وسائر جوارحه من خشية الله سبحانه وتعالى، كما يعاقب الذين يريدون الفواحش، ولا يمنعهم منها إلا رؤية الناس وذمهم له فحسب[8]!

وكما أن تعظيم المؤمن للذنب يوجب له المغفرة فعلى العكس تماماً فاستهانة المرء بالمعصية توجب له مضاعفة العقوبة من الله سبحانه وتعالى في الدنيا قبل الآخرة؛ يَرْوِي مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ في ذلك أثراً إسرائيلياً إذ يقول: «كَانَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَغْشَى مَنْزِلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ؛ يَعِظُهُمْ فَيُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، فَرَأَى بَعْضَ بَنِيهِ يَوْماً غَمْزَ النِّسَاءَ.

فَقَالَ: مَهْلاً يَا بُنَيَّ مَهْلاً يَا بُنَيَّ!

قَالَ: فَسَقَطَ مِنْ سَرِيرِهِ، وَانْقَطَعَ نُخَاعُهُ، وَأَسْقَطَتِ امْرَأَتُهُ، وَقُتِلَ بَنِيه فِي الْجَيْشِ!

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ: أَنْ أَخْبِرْ فُلَاناً الْحَبْرَ أَنِّي لَا أُخْرِجُ مِنْ صُلْبِكَ صِدِّيقاً أَبَداً، مَا غَضَبُكَ لِي إِلَّا أَنْ قُلْتَ: مَهْلاً يَا بُنَيَّ مَهْلاً يَا بُنَيَّ»[9].

وتلخيص القضية في قاعدتين:

القاعدة الأولى: الإيمانُ ليس بالزَّعم ولا بالادِّعاء إنَّما بأماراتٍ تشير إليه، ومن أهم تلك الأمارات تعظيم المؤمن لذنبه، فكلما عَظُم إيمان المرء عظم تعظيمه للذنب على قدر إيمانه، فدونك مقياس تقيس به إيمانك، نسأله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين.

وفي المقابل؛ على قدر ما في القلب من النِّفاق تكون الاستهانة والتقليل من شأن الذنب، فكلما عظم النفاق في قلب صاحبه عظم التقليل من شأن الذنب نعوذ بالله من النفاق.

القاعدة الثانية: يستوجب المؤمنُ المغفرةَ على قدر تعظيمه للذنب، وخوفه من عاقبته، بينما يستجلب المنافق العقوبة في الدنيا والآخرة على قدر استهانته بالذنب وتقليله من خطره!

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا خشيته والخوف من معصيته والتوقير له بما يليق بقدسه وجلاله وعظيم سلطانه عز وجل، فإن قلوبنا بين إصبعين من أصابعه يقلبها حيث شاء.


 

 


[1] انظر نص الحكاية في عيون الأخبار (1/ 77)، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (1/ 235).

[2] أثر صحيح، رواه الإمام أحمد في الزهد (2267)، وابن المبارك في الزهد والرقائق (71)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 406)، والنسائي في الكبرى (11854).

[3] صَحِيحٌ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (3627)، وَالْبُخَارِيُّ (6308)، وَمُسْلِمٌ (2744)، وابن أبي شيبة (34538).

[4] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (8/ 71).

[5] صَحِيحٌ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بن حنبل في الزهد (1647)، وابن أبي الدنيا في الوجل والتوثق بالعمل (2)، وابن أبي شيبة بالمصنف (35191)، وأبو إسحاق الختلي في المحبة لله (242)، والفريابي في صفة النفاق وذم المنافقين (90)، وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 144).

[6]  انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (3/ 709)، التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه (ص177)، التفسير الوسيط للواحدي (4/ 8)، نوادر الأصول في أحاديث الرسول (2/ 228)، تهذيب اللغة (7/ 238)، وغيرها.

[7]  رواه ابن أبي شيبة في المصنف (4/ 7)، وهناد بن السري في الزهد (2/ 652)، وابن أبي حاتم في التفسير (18428).

[8]  راجع في هذه المسألة المقال الموسوم بـ: «الإرادة القلبية بين العفو والمؤاخذة»، عدد (330) من مجلة البيان.

[9] أَثَرٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في الزُّهْدِ (526)، وَأَبُوْ دَاوُدَ في الزُّهْدِ (21)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر (87)، والعقوبات (218)، والأثر من الإسرائيليات التي نرويها للعظة والاعتبار، ولا نصدقها ولا نكذبها.